إنّ الهدف الأساس من فتح ملف الاتصالات في العددين الحالي والسابق وما قد يُكتب بعدهما هو السعي لمحاصرة أصحاب القرار، ذلك يأن يصبح كلّ مواطنٍ لبنانيّ ملمّاً بشؤون الملف، فيصبح على المسؤول، إن أراد الاستمرار في نهبه وفساده، وهو ما قد لا نستطيع منعه نحن كـ "شعب" في الوقت الحاليّ، فلا أقلّ من جرّه لوضعيّةٍ يضطرّ معها لحبك روايته الخادعة وإرهاقه في إيجاد مخارج لأدائه السيء. على أن يتّجه الضغط صعوداً، مروراً بجميع مسارات اتّخاذ القرار في البلد ومؤسّساته، سواءً المدنية منها أو الحزبية، انتهاءً بالمؤسسات والدوائر الرسميّة.

ثمّ إنّنا وقد سردنا - في العدد السابق من "الخندق" تاريخ قطاع الاتصالات في لبنان وحاولنا تشريحه واستعراض المسار الزمنيّ الذي مرّ به بشكلٍ مختصر، سنعرض في هذه المقالة مجموعةَ مسائل ضروريةٍ في سعينا لفهم الوضعية الحالية للقطاع، وما هو مقبل عليه في قادم الشهور، وما الذي ينبغي على مسؤوليه فعله إزاء الفرص والتحدّيات

 

الأزمة الاقتصادية: تهديدٌ أم فرصة؟

إنّ تصنيف أيّ قطاعٍ من قطاعات الدولة ووضعه في مكانه المناسب، ينطلق من تقدير ما يمكن لهذا القطاع تقديمه للدولة والاقتصاد، وما يحمّلهما من أعباء. ولبنان، بلدٌ يقوم اقتصاده على الخدمات، لا على الزراعة ولا على الصناعة. وبعيداً عن أزمة الدولار واللولار، فإنّ وباء الكورونا قد نقل القطاع الخدماتيّ عالمياً إلى وضعيةٍ جديدة، استُبدِلت فيها الكثير من الطاقات البشرية والقدرات اللوجستية بالموارد الرقمية، فأغلقت المتاجر أبوابها وفتحت صفحاتها الاجتماعية ومواقعها الالكترونية وتطبيقاتها الذكية. خدمات التعليم كذلك الأمر، استبدلت التعليم الحضوريّ بالالكترونيّ، بل إنّ الهمّ الأوّل لدى المؤسّسات والحكومات - طوعاً أو كرهاً - صار يكمن في سلب المواطن أو الزبون أدنى سببٍ ممكنٍ لينزل إلى الشارع، أو استثمار هذا الواقع الذي فرضته الظروف. إنّ "رقمنة الموارد" هذه - أي اعتماد الموارد الرقمية والاكترونية - فتحت أمام بعض القطاعات سوقاً ضخماً وملحّاً لا بدّ من تلبيته، ومن أبرزها قطاع الاتصالات والخلويّ، ها قد وجدنا التحدّي. 

إلى اليوم، لم يأخذ هذا القطاع مكانه السليم في بنية الاقتصاد اللبنانيّ، إذ يقتصر دوره على توفير الحدّ الأدنى من الخدمات، وبكلفةٍ باهظة. مهمّته الأساسية هي الجباية، فيما يُفترض به أن يشكّل رافعةً محوريّة للاقتصاد. وفيما يتجادل العالم حول آثار شبكات الجيل الخامس 5G ويصنّفون التاريخ على أساسها، لا يزال جزءٌ كبيرٌ من الشعب هنا لا يعرف أن بإمكانه النزول إلى أقرب وكيل معتمد لشركتي تاتش وألفا واستبدال شريحة الـ 3G القديمة بشريحة 4G تعطيهم إنترنت أسرع بأضعاف من الذي يستخدمونه! ولا تنسى عزيزي المواطن، أنّنا تعاقدنا مع شركاتٍ أجنبيةٍ ذات خبراتٍ كبيرةٍ لتشغيل وتطوير قطاع الخلويّ منذ عقود.. ثم نجد أنفسنا متأخرين بهذا القدر عن السباق التقنيّ العالميّ!

هل المشكلة في الشبكات والبنى التحتية؟ كلا، بل إنّ هناك قدراً كبيراً من الشبكات الذي أُعدّ بتوصية وإشراف تلك الشركات الأجنبية، لا يتم استخدامه حالياً. كالـ 500 عامود إرسال الذي تم إنشاؤهم في العام 2017 بناءً على دراسةٍ حدّدت الحاجة بـ 100 عامود. باختصار، إنّ قطاع الاتصالات في لبنان، عدى عن كونه يأكل ما في جيوب المواطنين، فإنّه يأكل نفسه بنفسه أيضاً.

أزمةٌ اقتصاديةٌ في بلدٍ شبه محاصر، ستدفعك بشكلٍ بديهيّ إلى ابتكار الحلول والبحث عن استثمار ما لديك. وزارة الاتصالات ليست شركةً خاصّة، بل إنّها مؤسسةً رسميةً في خدمة الدولة والمواطن، لماذا لا يتم استثمارها في تخفيف الأعباء والخسائر في مواضع أخرى بشيءٍ من الحكمة؟ إنّ خطةً محلية الصنع والتنفيذ، يمكنها في المستقبل القريب تحفيز المكننة والمهام الرقميّة في الدوائر الحكومية وفي المستويات الأدنى ثم استثمار الفائض البشريّ في أماكن أخرى تعاني من الحاجة إلى الكادر البشريّ، هذا على سبيل المثال لا الحصر. أو إعداد خطةٍ لدعم الشركات الناشئة - أو ما يُعرَف بالـ Startup - التي تمنح المواطن الذي فقد عمله أو المتخرّج حديثاً فرصة عملٍ لا تستطيع الدولة تأمينها له. عموماً، يمكن الحديث كثيراً في هذا الصدد، لكن نكتفي بهذا القدر من الضوء.

 

عقودٌ جديدة: خسائر مستمرّة

يعاني القطاع حاليّاً، ومنذ فترة طويلة، من تضخّم في المصاريف يبلغ مئتي مليون دولار وفق آخر التقديرات. إنّ هذه الأعباء، إذا لم يتم معالجتها سريعاً، سوف تأخذ مكانها في عقود التشغيل التي ستُوقّع مع الشركات الأجنبية الجديدة بعد أن تتشكّل الحكومة. فأيّ شركةٍ لن ترفض هامشاً كبيراً كهذا من الربح أو الصرف. ماذا نفعل بهذا الشأن؟ إنّ وضع هذا الملف كأولوية وحلّه قبل إعداد دفتر الشروط فيه توفيرٌ على خزينة الدولة، وإذا كان وضعنا الماليّ اليوم سيء فهو غداً أسوأ دون شك.

 

الشركات الأجنبية خيارٌ وليست قدر

لم تُثبت الشركات المتعاقبة جدواها القيّمة إلى اليوم برأيي، وسواء كانت عاجزة أم متواطئة، فهي على كلّ حالٍ لم تُفلح في إحداث نقلةٍ نوعية في قطاع الاتصالات، كما لم تنجح في أداء دور الشرطيّ الحارس، ويمكنني الادّعاء بكلّ ثقةٍ أنّها جارت المسؤولين اللبنانيّين في سوء إدارتهم، ولن أقول أنّها شاركتهم عمليّة النهب والفساد، لا لشيء سوى أنّ مشكلتي ليست معهم، بل مع من أتى بهم. هذا خيارٌ أثبت فشله مراراً وتكراراً، فلماذا تسوقوننا إليه كأنّه القدر المحتوم؟

 

مجالس إدارة تاتش وألفا: ضيوف على مائدة الشرف

لعلّ أزمة الكيان اللبنانيّ تتركّز في هذه النقطة، شركتان، تملك الدولة كلاهما، بنفس المهامّ والأدوار والشريحة المستهدفة، وفي ظرفٍ عصيبٍ يحتاج منّا توفير كلّ فلسٍ ممكن، تعيّن الوزارة مجلس إدارةٍ خاصٍّ لكلّ منهما. ليس هذا فحسب، بل إنّ مجلسا الإدارة قد تشكّلا من موظّفين في شركتي ميك1 وميك2، أي من موظّفي قطاع خاص، ليس لديوان المحاسبة أو التفتيش المركزيّ سلطةً عليهم. تم تعيينهم وفق مبدأ المحاصصة، وجاؤوا بعلاقاتهم وارتباطاتهم السابقة و"خبراتهم" ليستكملوا حراسة هيكل الخلوي. وهذا خلاف ما أوصى به مجلس الوزراء وهيئة الاستشارات النيابية بأن تقوم الدولة بتشغيل وإدارة القطاع بعد استرداده، وعليه، فإنّ الوضع قد ازداد سوءاً على ما يبدو، فأعضاء مجالس الإدارة باتوا اليوم يتبعون لشركةٍ خاصّة محليّة بعد أن كانوا من موظّفي الشركات أجنبية، جاء من يعرف زواريب الدولة كمن يعرف كفّه!

ولنثبت أنّ المسألة لا تتعلّق بحقوق الطائفة وحسّ الانتماء الشريف لدى الأطراف السياسية فحسب، نسأل: لماذا لم يتم تعيين مراقب قضائي في مجالس الإدارة؟

 

الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات: أين أصبحت؟

يمكن تشبيه الدور المفترض بهذه الهيئة بالدور المفترض للهيئة الناظمة للمنافسة في وزارة الاقتصاد، كلاهما يهدف إلى منع أي إجراءٍ يكرّس الاحتكار ويقلّص فرص الاستفادة أمام المواطن، أي المستهلك الأخير. لكنّ المعضلة الكبرى في مثل هذه الهيئات، هو استقلاليّتها، والنموذج المعدّ لكليهما يضعهما هيكليّاً تحت سلطة الوزير المعنيّ، وهو ما يعطّل جزءًا كبيراً من الدور المنوط بهما. سابقاً، كان النقاش في مثل هذه القضايا يدور حول عدم تحميل المواطن أعباءً كبيرةً على ما يقوم باستهلاكه، أكان سلعةً أم خدمة، أما اليوم فالمسألة صارت تمسّ أصل امتلاك المواطن قدرةً على استهلاك تلك السلعة، ناهيك عن أولويتها.

عموماً، إحذروا أن يبيعوكم يوماً مّا قرار تفعيل مثل هذه الهيئات، دون أن يمنحوها الاستقلالية اللازمة.

 

القانون 431، الخصخصة الموزونة و"ليبان تيليكوم"

هذه العناوين الثلاثة، وما يتفرّع عنها، إضافةً لما سبق، قد ترسم معالم الوضعية المنشودة لقطاع الاتصالات. سنرجئ الحديث عنها والتوسّع فيها إلى العدد اللاحق، إذا ما كُتب لنا التوفيق. لكن باختصار: أولاً، هناك قانونٌ كان إقراره واجباً ولم يحدث، واليوم صار تحديثه أوجب من إقراره. ثانياً، هناك نموذجٌ هجينٌ يحمّلنا أعباء الخصخصة ولا يدرّ علينا منافعها. أخيراً، قد تجد شركة “Liban Telecom” للدولة بئراً لنفطها المزعوم غير جيوبنا، أو تقنعها بأن ليس هناك نفطٌ رقميٌّ في لبنان...