يجب دائماً النظر إلى النصف الملآن من الكوب: الفساد سيساوي بين المواطنين اللبنانيين.

فعلاً، إذ يتوقّع خلال السنوات المعدودة القادمة أن تُردم الهوة بين المواطنين اللبنانيين على تنوّع انتماءاتهم الطائفية والمناطقية، وأن تُلغى "درجات المواطنة" المتفاوتة التي ورّثتها متصرّفية الطوائف لمكوّنات الجمهورية اللبنانية؛ فالعطش الآتي سيجعل من كلّ اللبنانيين "مواطنين درجة عاشرة".


ينطلق البحث في مجال الموارد المائية التي يقوم عليها الأمن المائي في لبنان من دراسات معظمها يعاني مشاكل في الموثوقية؛ فعدا عن أنّ معظم الدراسات التي تستند عليها المشاريع أو تبنى على أساسها هي قديمة بعضها يعود إلى عهد الرئيس فؤاد شهاب ونشاط المهندس إبراهيم عبدالعال في الخمسينات وما تفرّع عن دراسته لهيدرولوجيا الجغرافيا اللبنانية في الستينات والسبعينات، فإنّ معظم الدراسات الأخرى الحديثة قامت بها جهات لها ارتباط عضوي بسياسة بلادها الاستعمارية تجاه لبنان، ويستحيل الفصل بين نتائج دراساتها العلمية ومشاريعها السياسية تجاه البلدان المستهدفة – كالمؤسسات الفرنسية والأميركية الحكومية وشبه الحكومية – وقامت ببعضها الآخر جهات ذات أهداف استثمارية تستفيد من سياسة المشاريع الحكومية الكبرى لناحية تأمين القروض الضخمة عدا عن الاستثمار فيما يرتبط بتنفيذ هذه المشاريع، كالعديد من البنوك المحلية والدولية فضلاً عن مؤسسات دولية مانحة لا يخلو عملها في مختلف البلدان من سياسات مرتبطة بالهيمنة الرأسمالية وتمكين قطاعات المصارف والمال من مفاصل البلاد. هذا الفهم ضروريّ للتنبّه إلى العديد من مفاصل السياسات المائية في لبنان، والتي تتحمّل المسؤولية الأكبر عمّا وصلنا إليه اليوم.
وليس الكلام هنا نابعاً من فوبيا المؤامرات، وعلى من يتحسّس من مقاربة المسائل من هذا المنطلق أن يتتبّع سياسات البنك الدولي مثلاً تجاه الدول النامية – فلنأخذ تجارب زمبابوي، الموزامبيق، نيجيريا كمثال – أو فلينظر في سياسة عمل
USAID في بلدان الشرق الاوسط خاصة؛ وإن لم يقتنع فالأفضل أن يجد عملاً آخر يتطلّب الحدّ الأدنى من الجهد الذهني.

المشهد المائي

الرقم المعتمد في المقاربات المتفائلة هو 2.7 مليار م3 كإجمالي المياه المتجددة سنوياً، وقد استخدمه العديد من المسؤولين والنواب والصحافيين كرقم ثابت منذ عام 2003 إلى اليوم. ولكن في ظلّ تراجع نسب المياه السطحية في لبنان خلال العقدين الماضيين مع عدم الاستثمار المستدام في المياه الجوفية، تقدّر مؤسسة فاناك الفرنسية الكمية الفعلية بما لا يزيد عن 2 مليار م3 في أحسن الأحوال. تتوزّع هذه النسبة بشبه تساوٍ بين مياه سطحية ومياه جوفية مع وجود نسبة ضئيلة لا تتجاوز الـ 6% من المياه مخزّنة في السدود والبرك.

كما أنّ الأنهار الموجودة في معظم مناطق لبنان لا تصبّ كلّها فيه؛ العاصي والحاصباني والوزاني والنهر الكبير والينابيع الساحلية ثروة مائية كبيرة تنبع من لبنان ويذهب خيرها لغيره نظراً لاشتراكها مع سوريا وتركيا وفلسطين والأردن. أمّا الينابيع الساحلية والتي تنبع على الشاطئ أو قبالته داخل مياه البحر فتحتاج إلى جهود تقنية وميزانيات تصعّب التوجّه إليها حالياً لاستثمار مياهها. من هنا، يبقى الليطاني وحيداً رأس حربة في معركة هذا البلد الهشّ ضدّ العطش الداهم، تسانده أنهار ثانوية كالأوّلي، نهر إبراهيم، نهر الجوز وعين الزرقاء مع أنهار داخلية هي بمعظمها روافد لنهر الليطاني وبعض الأنهار الساحلية ذات المجرى القصير.

استهلاك استنزافيّ بمنحى تصاعديّ

استناداً إلى دراسة تعود إلى عام 2010، يحتاج لبنان إلى ما يقارب 1.8 مليار م3 سنوياً. تستخدم هذه الكمية بنسبة 60% للزراعة، 30% للخدمة المنزلية والشرب و10% للصناعة. منذ ال2010 إلى اليوم لم تحصل دراسات معتدّ بها لتبيين التغيّر الحاصل في نسب استهلاك المياه وكمية الطلب عليها، لكنّ الواقع يبيّن نتائج لا تحتاج إلى دراسات: لقد دخل لبنان في العجز المائي.

فخلال العقد المنصرم، حصلت متغيّرات لم تكن تتوقعها أكثر الدراسات "تشاؤماً". على الصعيد الديمغرافيّ، أصبح النموّ السكاني الطبيعي عاملاً بسيطاً وثانوياً في التأثير على نمط استهلاك المياه في لبنان. منذ 2011 وإلى اليوم، ازداد عدد المقيمين في لبنان بنسبة فاقت 25% بفعل نزوح اللاجئين السوريين القسريّ من مناطق الحرب في سوريا إلى المناطق اللبنانية. وصل الحديث إلى مليوني نازح سوري في منتصف العقد ليعود ويتراجع إلى حوالي المليون ونصف مليون اليوم. رقم ليس بسهل على بلد لا يزيد عدد مواطنيه عن 5 ملايين نسمة. كما أنّ نمط الحياة المرتبط بالنزوح والتهجير، يفاقم الاستهلاك بسبب غياب الرقابة الفاعلة وغياب القدرة على الالتزام بالتوصيات والشروط المفروضة على اللبنانيين. لهذا السبب لم يقتصر الأمر على زيادة الطلب على المياه فحسب، بل أصبحت مخيّمات النزوح سبباً (ولو ثانوياً بلحاظ المرامل والمصانع ومجاري الصرف الصحي) لتلوّث مياه الأنهار وأحواضها. كما أنّ غياب الدولة في تنظيم إقامة اللاجئين وتوزّعهم على المناطق اللبنانية أدّى إلى اختلال جغرافي في ميزان الاستهلاك، بحيث تضرّرت مناطق كالبقاع والشمال وضواحي بيروت أكثر من غيرها بسبب تركّز وجود النازحين فيها مع كونها أصلاً تعاني من ارتفاع الطلب على المياه مع شحّ الموارد.

المستقبل يحدّده المتغيّر الأخطر: المناخ

تتوقّع دراسات التغيّر المناخي الصادرة حديثاً عن الأمم المتحدة أن يلحق لبنان أثر غير بسيط جرّاء الاحتباس الحراري الذي يضرب العالم. يتوقّع خلال العقد القادم ارتفاع الغطاء الثلجي الذي لطالما اشتهر به لبنان إلى الألف متر وما فوق بسبب ارتفاع حرارة الأرض ما بين درجتين إلى اربع درجات مئوية، مع انخفاض بنسبة 30% للمتساقطات بشكل عام؛ ما يعني أيضاً انخفاض منسوب المياه الجوفية التي تتغذّى بشكل كبير على مياه الأمطار وذوبان الثلوج. هذا يعني كما لو أنّ لبنان سيقترب جغرافياً من خطّ الاستواء بين 200 و400 كلم، أي سيصبح مناخ لبنان مائلاً إلى الصحراوي أكثر منه إلى المعتدل، وستصبح المناطق التي تعاني بعض الجفاف اليوم في أشهر الشحّ كسهل البقاع بضفّتيه وشماله مع جرود جبيل الشرقية ذات مناخ صحراوي بحيث ستنخفض فيها أيّام المطر إلى أقل من 30 يوماً في السنة، مع توقّع أن لا تزيد الأيام الماطرة عن 50 إلى 60 في بقية المناطق اللبنانية مقارنة بـ90 يوماً كمتوسّط حاليّ.

وبينما يتمّ كتابة هذا المقال في منتصف كانون الثاني، عرضت شاشات التلفزة مشاهد لشواطئ تشهد إقبالاً لمواطنين بأثواب السباحة يتشمّسون ويسبحون رغم الإقفال العام بسبب كورونا. المشهد الذي استغربه اللبنانيون وعلّقوا عليه بتعجّب وتهكّم سيصبح مألوفاً في السنوات القادمة. تجدر الإشارة إلى أنّ لبنان يشهد خلال العقود الماضية فترات جفاف موسمية؛ إذ شهدت العقود الخمسة الماضية على الأقلّ فترة شحّ في الأمطار تراوحت فواصلها بين عشر سنوات في السبعينات إلى 7 سنوات في العقد الأخير كان آخرها فترة 2013-2014 إذ انخفضت المتساقطات في الشتاء بنسبة 50%، وربّما يكون شتاء هذا العام – والذي بدأ منذ حوالي الشهر مع وقف التنفيذ حتى اليوم – ضمن موسم جفاف جديد يلحق بلبنان.

الاستراتيجيّات المعتمدة رسمياً: فسادٌ في التفكير والتنفيذ

تتبنى الدولة اللبنانية سياسة السدود الكبيرة نسبياً (على طريقة سد القرعون) كاستراتيجية للاستفادة القصوى من مياه لبنان السطحية في الخدمة والريّ وبالتالي مواجهة الشحّ الذي دخل فيه لبنان حديثاً. للمفارقة المؤسفة، فقد استشرفت عشرات الدراسات حصول شحّ في الموارد المائية وعجز في الميزان المائي في لبنان وبشكل حتمي، وإن اختلفت التوقعات في تحديد الفترة التي ينقلب فيها لبنان إلى بلدٍ يعاني العطش بين 2020 إلى 2035. وللأسف أيضاً فقد تمّ حلّ المشكلة على الورق في خطّة وزارة الطاقة والمياه المسماة "الخطة العشرية للإدارة المتكاملة للمياه" والتي أقّرها مجلس الوزراء عام 2003 وتهدف إلى بناء 27 سدّ وبحيرة كان يفترض نظرياً أن تسدّ العجز المائي وبعضاً من العجز الكهربائي بحلول 2021.

الخطة بُدئ تنفيذها بشكل فعال نسبياً مع سدّ شبروح – فاريا والذي أُنجزَ عام 2007 بسعة 8 مليون م3 وتمكّن إلى حدّ ما من إثبات فعالية في تغذية مناطق كسروان بمياه الشرب في فترات الشحّ خلال الأعوام الأخيرة الماضية. كما تمّ إنجاز سدّ اليمّونة في البقاع، والذي كان يجب أن يستفاد من مياهه في الشرب والري وتنشيط السياحة والنهوض بالمنطقة والعديد من القرى المحيطة بها، لكنّه تحوّل شيئاً فشيئاً إلى بركة مياه بسعة مليون م3 في أفضل المواسم، يستفيد منها مزارعو البلدة في الريّ لا سيما أنّ زراعة حشيشة الكيف – نفط لبنان الأخضر – والتي تزدهر في منطقة اليمونة ومحيطها تحتاج إلى الريّ؛ كما يقيم العديد من أهل البلدة حولها استراحات وأحواض لتربية سمك الترويت ومطاعم صغيرة باتت مقصداً لهواة السياحة الداخلية في فصلي الربيع والصيف. كما أنّ سدّ ضهور القيسماني قرب فالوغا والذي بدأ بتجميع المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج تبيّن أنّه غير قادر على تجميع مياه الشتاء لاستعمالها في فصل الصيف بفعالية بسبب 3 عوامل هي التبخّر والتسرّب وتراجع نسبة الثلوج. لكنّ ثلاثة سدود صغيرة بسعة 9 مليون م3 لم ولن تؤدّي إلى أيّ تأثير في سدّ العجز المائي في لبنان، ببساطة لأنّ الحاجة تتفاقم وتكبر أسرع بكثير ممّا تنجز فيه الدولة مشاريع السدود. وهناك تفصيل أسوء بعد.

 

أكثر الكلام السلبي حول مشروع الخطة العشرية لبناء السدود له دافع سياسية أو مصلحية، وهذه سمة اللبنانيين على كلّ حال، فحتّى القضايا المصيرية والخدماتية تفشل في خلق جوّ وطني عابر للانتماءات الحزبية. بغضّ النظر عن المسائل السياسية والمصالح، يبدو مشروع السدود في لبنان على مشارف فشل ذريع سيرمي البلد بشكل فجائيّ في مهبّ العطش والتصحّر إن لم يتدارك أحد ما هذه القضية الحساسة.

 

واقع مشاريع السدود المأمول إنجازها

ينضمّ لبنان إلى يوغوسلافيا وكوريا وفيتنام ولائحة تطول من بلدان العالم التي تمتلك طبيعة جيولوجية تسمح بتكوّن الـ"كارست"، أي التجاويف الصخرية التي تحوي وتسمح بجريان وتخزين مياهاً داخلية. تعتبر الصخور التي تتشكّل منها معظم جبال لبنان من النوع الكربوني ذات التكوين الجيري كثير الشقوق الذي يسرّب المياه السطحية إلى داخل الأرض؛ ولهذا السبب يناقش العديد من علماء الجيولوجيا في كون الاعتماد على المياه الجوفية في سدّ العجز المائي أكثر جدوىً من الاعتماد على المياه السطحية.

وبالفعل، فإنّ مشاريع السدود التي يتمّ العمل لانجازها حتى اليوم، وأهمّها سدّ المسيلحة وبلعا والقيسماني وجنّة وبريصا وشبروح، تعاني جميعها من تسرّب المياه بنسب تتفاوت بين 200 ليتر/ثانية في شبروح إلى تسرّب يُفشل مشروع السدّ بأكمله كما في بالوع بلعا والمسيلحة. لقد أصبحت هذه السدود الأخيرة نماذج عن السدود الفاشلة يضرب فيها المثل في بعض المؤتمرات المائية والجيولوجية حول العالم. وهنا تبرز أسئلة كثيرة: ألم يكن ألأجدر الاستفادة من تجارب البلدان ذات الطبيعة الصخرية المماثلة للبنان في استجلاب الحلول لأزمة المياه؟ أين الدراسات التي انطلقت المشاريع على أساسها؟ لماذا الاستمرار في بناء بعض السدود رغم وضوح المشاكل التي يعانيها والتي يستحيل حلّها جذرياً؟ لماذا تتمّ مضاعفة كلفة بناء سدّ ما أربع مرات في سبيل معالجة طبيعة الأرض بدل تغيير المشروع من أساسه؟ وغيرها الكثير من أسئلة مهمة بلا شكّ..

لكنّ السبب الأساس في المشكلة ليس هذا سؤاله، بل السؤال الأساسي الذي يجب أن يكون اليوم هو الشاغل لبال اللبنانيين في هذا المجال: هل كان سدّ العجز المائي هو الهدف الأساس من سياسات التنمية المائية في لبنان، ولا سيما الخطة العشرية؟

بالأمس فقط، أعلنت إثيوبيا وضع حجر الأساس لإنشاء سد جديد في إقليم أمهرة، بطاقة تخزينية تصل إلى 55 مليار متر مكعب، وبتكلفة نحو 126.62 مليون دولار. أمّا في لبنان، فإنّ كلفة بناء 27 سدّاً وبحيرة صغيرة لا يتجاوز سعتها مجتمعة 200 مليون م3 قدّرتها الخطة بـ 1,300 مليون دولار، ثم أضيف لها ما يقارب 200 مليون دولار حتى هذا اليوم من خارج الموازنة من دون أن يتمّ إنجازها، مع العلم أن 2021 كان العام الذي يفترض فيه أن تستلم الدولة كافة هذه السدود والبحيرات ومشاريع الري وقنوات المياه من متعهّديها.

بمعادلة بسيطة، فإنّ كلفة تخزين 436 متر مكعب من الماء تبلغ دولاراً واحداً في إثيوبيا، بينما يدفع لبنان ما بين 10 إلى 50 دولاراً عن كلّ متر مكعّب قدرة تخزينية لا تزال إلى الآن افتراضية، وهي كلفة لا يكفيها وصفها بالخيالية.

المياه الجوفية ليست حلّاً سحرياً

يصرّ العديد من المتصدّين لسياسة السدود على ضرورة الاتجاه نحو المياه الجوفية. يتصدّر المشهد دائماً الدكتور زعاطيطي المتخصص في الهيدرولوجيا والذي يستند له كلّ ما يريد أن يقدح في مشاريع السدود ويضفي على هجومه السياسي على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل صبغة علمية. لكنّ المياه الجوفية في لبنان هي بدورها تتأثّر بالمياه السطحية، وتراجع نسبة المياه السطحية مع تجميع المياه في بحيرات لتتبخّر وسدّ البواليع بألاف الأطنان من الباطون يخفف تسرّب المياه السطحية إلى جوف الأرض، مع كون الآبار المحفورة بشكل عشوائي يضاف إليها التلوّث الكبير للمياه الجوفية بسبب انعدام اعتماد الحلول البيئية لمجاري الصرف الصحي واعتماد الأسمدة الزراعية بشكل عشوائي خاصة في حوض الليطاني، كلّها عوامل أدّت إلى تراجع في كمية وجودة المياه الجوفية، بحيث باتت العديد من آبار المياه في مناطق الاكتظاظ كالشويفات مثلاً تخرج مياهاً كبريتية، بينما لا يخفى على اللبنانيين المشاكل التي بدأت تظهر في البشرة وهرّ الشعر بشكل كبير عند انتقال سكّان القرى للعيش في بيروت وضواحيها، ويرجّح أن تكون نوعية مياه الخدمة التي تصل إلى المنازل لا سيما تلك التي تأتي من مشاريع الآبار الخاصة التي تزدهر تجارتها 8 أشهر في السنة هي السبب الأساس فيها. فالمياه الجوفية بدورها تحتاج إلى مقاربة علمية دقيقة وعمل جدّي يستشعر الخطر المائي الداهم في حال تمّ تنفيذها من منطلقات ربحية وتلزيمات فاسدة، لا أن تستحيل مغارة علي بابا جديدة في حال تمّ اعتمادها في المستقبل.

سدّ الأفق: العودة إلى الليطاني والقرعون!

بعدما يبدو أنّه فشل محتوم يتجه له مشروع الخطة العشرية التي أصبحت عشرينية ولا زالت مفتوحة، ويعني بكلّ أسف عدم القدرة على سدّ العجز المائي من خلال السدود على الأنهار الصغيرة، يعود الجميع للحديث عن نهر الليطاني وبحيرته في القرعون كأنّهما فانوس علاء الدين. تريد الدولة اليوم جرّ المياه من سدّ القرعون إلى سدّ بسري وفي نفس الوقت إلى قناة الـ 800 التي لم تعد حلماً يورّثه الجدّ لحفيده بقدر ما أصبحت مهزلة ونكتة سمجة يعلكها الجنوبيون وهم يتفّون على كلّ الطواقم الخدماتية التي سمعوا منها منذ خمسين سنة إلى اليوم عن الوعود بإنجاز "قناة المليون فقير". لا شكّ أنّ هناك حاجة لضغط شعبي حقيقي باتجاه معالجة أزمة المياه المتراكمة والمتشعّبة والتي لا زلنا في أوّلها اليوم، حتى لا تصل الدولة الاستهلاكية في لبنان بشعبها العظيم إلى يوم يضطر فيه لاستيراد الماء بالليتر، وعندها لن يسأله أحدٌ عن حضارته الفينيقية وأصله الكنعانيّ، بل عن عملته الورقية التي خسرت خلال عام واحدٍ خُمس قيمتها، فيما أدّت السياسات الفاشلة للحكومات اللبنانية المتعاقبة وإهمال المعنيين من نواب وفعاليات وغياب التخطيط الاستراتيجي عند القوى السياسية الحاكمة – حتى بالنسبة إلى جماهيرها ومناطقها وطوائفها الخاصة – إلى تهديد الأمن المائي لكلّ مقيم في لبنان.

سيف العطش وصل إلى رقاب الجميع اليوم، وغداً سنجد أنفسنا نستجدي الماء من بعض البلدان بالليتر، ولعلّ أحدهم يخرج من بلاد الصحراء التي باتت تكرّر مياه البحر وبول البعير وتبيعه ليفرض علينا معادلة جديدة مسجّعة كـ "الليترات مقابل الليرات" أو "الساعة بخمسة جنيه".. ولكن هيهات فنحن شعبٌ استثنائيٌّ لا يؤثّر فينا شيء. سيتأخّر صراخنا قليلاً، إلى أواخر نيسان على أبعد تقدير.

(هذه المقالة تمهيد للدخول في تفاصيل مأساة الواقع المائي اللبناني في مقالات لاحقة، نتطرّق فيها إلى واقع نهر الليطاني، والمشاريع المرتبطة به لا سيما خطة معالجة التلوّث وأين أصبحت قناة الـ800 الموعودة وجدواها)