ألغى الرئيس سليمان فرنجية عام 1971 المراسيم المتعلقة بإعلان أقضية بعلبك الهرمل وعكار منطقة عسكرية، والتي صدرت عام 1955. وعاد مجلس الوزراء ليعلن بعلبك الهرمل منطقةً عسكرية عام 1997 عقب أحداث عين بورضاي، لتصبح المنطقة بأمرة الجيش اللبناني، لكن ذلك لم يُحسن من الأوضاع الأمنية فيها بل ازدادت الأمور سوءاً على إثر الفراغ الذي خلفه انسحاب القوات السورية عام 2005، حيث ازدادت سطوة العصابات وعلت مكانة تجار المخدرات، وبات القتلةُ مرهوبي الجانب في منطقةٍ تحولت إلى مأوى لكل من تصدر بحقه مذكرة توقيف من أبنائها أو غيرهم بل وحتى للمطلوبين الأجانب العالقين في لبنان.

تشكو الأجهزة نقص عديدها وعتادها للتعامل مع الوضع الأمني المتردي في البقاع، وهي التي لا تعجز عن تأمين مئات العناصر لخدمة السياسيين والضباط والقضاة وزوجاتهم وأبنائهم، باعتراف وزير الداخلية الأسبق مروان شربل. وهي التي تحرك دورياتها على عجل حين يتعلق الأمر بمحظيٍ ما أو صاحب "واسطة" في الدولة. كما تشكو انتشار السلاح واشتباك المطلوبين مع دورياتها، وكأن وظيفة عنصر الأمن لا تتضمن مواجهة المجرمين بالنار ولا يشكل العنف والسلاح جزءاً من عمل المجرمين في العالم. وذلك ما يدعو لكثيرٍ من الشك حول السبب الحقيقي وراء تجاهل المنطقة أمنياً منذ عقود وبشكلٍ استنسابي إذ يمكن أن تحصل جريمةٌ تؤدي إلى توتر يعم المنطقة، دون أي حضور للقوى الأمنية، في حين تجدها تحضر حين وقوع مخالفات تافهة كمخالفة في البناء أو غيره.

كما من المريب أن اعتقال شخصٍ ما يستدعي عمليةً عسكرية واسعة تُستخدم فيها المروحيات والمدرعات والأسلحة الثقيلة، ويُقتل فيها أبرياء فيما بالإمكان الاستعاضة عنها بعمليات أمنية أكثر موضعية، وبأقل قدرٍ من العسكرة والدم عبر الاستدراج والكمائن الصامتة، وقد أثبت ذلك جدواه عدة مرات حين قررت الأجهزة الأمنية تصفية واعتقال بعض المطلوبين، وأساس ذلك أن تتحرك قوة من مديرية المخابرات أو الأمن الداخلي باتجاه البقاع استناداً على داتا الاتصالات ومعلومات المخبرين، دون تنسيق مع أي جهة على الأرض، تفادياً لتسرب المعلومات إلى المطلوب وفشل العملية مثلما حصل في العديد من العمليات التي كان يتم فيه إخطار المطلوب قبل توجه الدورية لإلقاء القبض عليه.

وللإعلام دوره في تفاقم الوضع، إذ يُصوب على البقاع ويتناول بشكل مسيء، ما يُسهم في تعميم حالة الجريمة على كل أبنائه في سياق الحرب الإعلامية على بيئة المقاومة. وبينما تتغاضى عن جميع الجرائم التي تجري على الأراضي اللبنانية تقوم بتسليط الضوء على أي حادثة شاذة في البقاع وتصويرها كأنها منطقة مختلفة ومتخلفة في آن، دون الالتفات إلى العوامل والظروف التي حدت بالمنطقة إلى هذه الحالة.

والحقيقة التي يُغمض الإعلام عينه عنها عمداً أن سارقي السيارات وتجار المخدرات من جميع المناطق اللبنانية، يجدون متنفسهم وملاذهم الآمن في البقاع بسبب تراخي الدولة كما في كل مناطق الأطراف في العالم، فيبيع السارقون السيارات المسروقة إلى تجار السيارات المطلوبين الذي يبيعونها بدورهم كقطع أو يهربونها عبر الحدود. ويجد تجار المخدرات في البقاع سوقاً لموادهم الممنوعة المستوردة -إذ لا مرفأ ولا مطار في البقاع- ومحصولاً من الحشيشة الرخيصة الثمن فيبيعون ويشترون ويعودون إلى مناطقهم المختلفة بصمت ويبقى "الصيت العاطل" للبقاع.

يُقال أن كلفة ليلة واحدة من الاشتباكات تبلغ مئات آلاف الدولارات في منطقة تكابد الفقر، فسعر قذيفة الـRBG التي تُستعمل بكثرة يتجاوز المئة دولار وسعر طلقة البندقية هو نصف دولار، فيما لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور 675 ألف ليرة شهرياً أي أقل من مئة دولار، ما يعني أن راتب شهرٍ كامل لا يشتري من الطلقات ما يطلقه المسلحون في الهواء خلال بضعة دقائق! وحتى مزارعو حشيشة الكيف انخفض إيراد الدونم الواحد لديهم إلى حوالي 200 دولار فقط، ما يطرح تساؤلات كثيرة حول مصدر التمويل الحقيقي لهذا الكم من الذخائر، ويُعيد إلى الأذهان الاستثمار السياسي والأمني في أحداث حي السلم عام 2004 حين سقط شهداء مدنيون برصاص الجيش وثبت قيام مجموعات ذات صبغة عشائرية وارتباط بالسفارة الأميركية بنقل الإشكالات بين أحياء بيروت لتأجيج الفتنة، وخلق حالة من التوتر تستدلرج المقاومة إلى مشكل مع بيئتها ومع الجيش. لكن السيناريو فشل وقد يكون لدى الجهة نفسها رغبة في تكراره في البقاع عبر الأدوات عينها، خصوصاً مع ما نراه من اعتداءات العصابات على مواقع لحزب الله وبروز الاستثمار الإعلامي لكل حادث هناك، حيث يتم الترويج أمام الرأي العام اللبناني والخارجي بأن العصابات تتلقى دعماً وحمايةً من الحزب فيما يتم الترويج داخل البقاع بأن "اللجنة الأمنية" التابعة للحزب ترصد المطلوبين وتُعطي معلوماتٍ عنهم للأجهزة، وتحرضها على مداهمتهم وتوقيفهم بل حتى تشارك فعلياً في بعض العمليات ضدهم.

من هذا المنطلق بدا جلياً أنه يُراد لهذه الحالة الشاذة المتنامية أن تُصبح قنبلةً موقوتةً تنفجرُ عاجلاً أو آجلاً بوجه المقاومة التي اصطدمت في بداية التسعينات بالحالة العشائرية ولامبالاة الدولة، وبلغت الأمور حدّ الاحتكاك العسكري مع العصابات، ولذلك عملت على تفكيك بعض جذور المشكلة عبر مؤسساتها الاجتماعية كـ"الإمداد" و"الهيئة الصحية" و"جهاد البناء" التي تحركت بطاقتها القصوى لرفع جزء من الحرمان في البقاع، كمقدمة لمعالجة أزماتها الاجتماعية، لكنها بالكاد كانت تستطيع سد بعضٍ من الفراغ الذي خلفه غياب الدولة منذ نشوء الكيان اللبناني، خاصةً وأن موازنة المقاومة المالية المحدودة كانت منصبةً بشكلٍ رئيسي على العمل العسكري في الجنوب والبقاع الغربي حتى عام 2006، وحين اتُخذ القرار بالانخراط في الدولة عام 2005 والعمل لتحقيق بعض التوازن في الإنماء لصالح مناطق بيئة المقاومة من داخل الدولة، دخل البلد في دوامة الانهيار الأمني والسياسي ثم اندلعت الحرب السورية وتدفقت الجماعات الإرهابية إلى الحدود الشرقية والشمالية للبقاع مشكلةً تهديداً وجودياً استدعى المواجهة العسكرية التي لم تنته فصولها قبل الانهيار الاقتصادي الكلي وإفلاس البلد.

من سوء طالع البقاع المحروم أن موارد الدولة اللبنانية، كل الدولة اللبنانية، كانت تُنفق في مناطق دون غيرها ويُحرم البقاع منها باعتباره -وعكار- من مناطق الأطراف غير الملحوظة في خرائط الإنماء، فبقي متأخراً عما سواه من المناطق؛ إنمائياً واقتصاددياً وتربوياً وصحياً. وحين لاحت بوادر إمكانية إنصاف البقاع تبخرت واردات الدولة وصارت "بينشحد عليها".

مرّ مئة عام على إعلان "لبنان الكبير" وضم البقاع إلى الكيان الجديد خلافاً لرغبة ساكنيه، وما زال أهالي البقاع يدفعون ثمن هذا الموقف الذي اتخذه بعض آبائهم مطلع القرن، فيُعاقبون بالحرمان ولا يرون من مظاهر الدولة إلا الدوريات العسكرية والمداهمات الاستنسابية. وحين يُطالبون بعفوٍ عام ليفتحوا "صفحةُ جديدة"، يواجَهون بلؤم معظم إخوتهم في الوطن.. ربما هي قلّة حظ أن يولدوا في منطقة تُمنع عنها الحياة وتُحسد على الأمل.. فمن يوقد النار لإحراق ما تبقى من أمل؟