"لقد قمت بما قام به ملك سابق: قطعت الجبال العالية، وسحقت صخورها، فتحت فيها ممرات، وشققت الطرق لنقل الأخشاب الى الملك مردوك. خشب أرز صلب وطويل، جماله خلاب (...) غلة ضخمة من لبنان، لقد جمعتها مثل القصب وعطر الأراتو [وهو نهر متفرع من الفرات]، ووضعتها في بابل مثل حور نهر الفرات. أسمح لسكان لبنان أن ينعموا بمراعٍ آمنة، لم أسمح لأحد بأن يخيفهم. ولكي لا يقمعهم أحد وضعت صورة أبدية لنفسي كملك يحميهم. لقد بنيت... لقد وضعت... لقد وحّدت الشعوب المنتشرة في كل الأراضي، وكتبت كتابة على ممرات الجبال وأنشأت رسماً لصورتي الملكية ليبقى الى الأزل".

بعض مما كُتب بالمسمارية على جدارية بريصة قرب نهر العاصي.

*******

قليلة هي الأخبار المفرحة الواردة من بعلبك كتلك التي رأيناها في كانون الأول/يناير الماضي حين عثرت ورشةٌ لتمديد شبكة مياه الأمطار على فسيفساء تعود إلى أواخر العهد الروماني تحت سوق بعلبك التجاري، وعلى مقربة من القلعة التي تحوي أكبر معبدٍ روماني في العالم. لكن الخشية قائمةٌ دوماً من طمس هذا الكنز الأثري ككثير من الاكتشافات التي طُمرت كي لا تعرقل استكمال مشاريع البنية التحتية، أو غُيبت وسُرقت وانتُزعت من تاريخ الآثار اللبنانية الذي يحتاج إلى الكثير من الدراسة والاهتمام.

في الحقيقة، لا ينفك تاريخ الآثار في لبنان عن تاريخ حروبه، فيما يعود الاهتمام اللبناني الأول بالآثار بحسب "علماء الآثار إلى حقبة الحرب الأهلية الأولى، أي فترة ما قبل قيام الكيان اللبناني؛ وتحديداً في حقبة (1840 – 1860). في تلك المرحلة بدأ كل شيء، فعلى إثر الحرب الأهلية في جبل لبنان، سارع الفرنسيون لابتعاث أول قوة فصلٍ فرنسية بين المقاتلين. كان الهاجس الأكبر لنابليون الثالث، حاكم فرنسا آنذاك، يكمن في استعادة مجد الإمبراطورية المتنورة الآخذة في الاضطراب أوروبياً محاولاً استعادة تجربة فرنسا في مصر أيام حملات نابليون "التنويرية"، واختار إرنست رينان -أسوةً بشامبليون- ليترأّس الفرقة العلمية التي رافقت البعثة العسكرية، وأثمر ذلك كتاب رينان "Mission de Phénicie" أو "بعثة في فينيقيا" الذي شكّل الدعامة الأولى لقيام علم آثار لبناني، لكنه وفي الآن عينه، أسس اهتماماً لبنانياً معرفياً بسرديات فينيقيا المبالِغ بها، وصار الاهتمام اللبناني بالآثار فرنسي الطابع.

مقابل الاهتمام الفرنسي بالآثار المسيحية في جبل لبنان، عرف لبنان اهتماماً بآثاره الرومانية أواخر عهد السلطنة العثمانية، وبالتزامن مع زيارة فلهلم الثاني، امبراطور بروسيا، ليلة العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 1898 للسلطنة، ونزوله في مدينة بعلبك، كانت البعثات البروسية/الألمانية تشق طريقها إلى البقاع مع البروفيسور أوتو بوشستين، برونو شولز، ودانيال كرنشير، والمستعرب مورتيز سوبمهيم، حيث كان الألمان متحيزين آنذاك للميراث الروماني وبعض الدراسات العمرانية الألمانية كانت تبحث في المعابد الرومانية عن الأصل الروحي للبناء القوطي، ومنذ ذلك الحين لم يعرف البقاع ولا بعلبك نشاطاً بحثياً يعتد به في التنقيب عن الآثار، لذا يمكن القول أن تأريخ آثار مدينة بعلبك بدأ مع بوشستين.. ومعه انتهى!

ظلت آثار البقاع طي الإهمال المفرط، فباستثناء البعثة التنقيبية التي حملها الامبراطور البروسي الآنفة الذكر، لم يعرف سهل البقاع الكثير من العناية أو الاهتمام رغم أهميته البالغة بالنسبة للحضارات القديمة كممر بين مصر والأناضول. وحدها آثار الهرمل ووادي العاصي كافيةٌ لتبيان هذه الحقيقة حيث تنتصب مثلاً في وادي بريصا لوحة شهيرة ضخمة نسبياً، ومؤلفةٌ من 1400 سطر أمر بكتابتها نبوخذ نصر الثاني، أشهر ملوك الدولة البابلية الحديثة، تؤرخ لطرد المصريين القادمين لمساعدة الأشوريين في الحفاظ على ما تبقى من دولتهم وهزيمتهم على يد نبوخذ نصر الذي كان ولياً للعهد. انكفأ المصريون إلى حدود خط الدفاع الثاني عن النيل في بئر السبع جنوب شرق المتوسط، فيما بنى البابليون في بلدة ربلة على الحدود اللبنانية السورية قرب الهرمل، مقر قيادتهم العسكرية نظراً لأهمية هذه العقدة الاستراتيجية في خطوط التجارة البرية، وهذا ما جعل من منطقة حمص وجوارها، وصولاً إلى بعلبك، حقلاً بالغ الأهمية في تقفي تاريخ شرق المتوسط القديم، حتى تكاد بعض الدراسات تصف طريق حمص آنذاك بتقاطع الطرق العظيم. ولتخيل المشهد بنوع من المقارنة يمكن تشبيه طريق حمص قبل الألف الأول من الميلاد بمشروع طريق الحرير الصيني اليوم، فقد كان طريقاً واصلاً بين الكتل الحضارية الكبرى في العالم القديم، وكانت كل من حضارة الساسانيين والحثيين والفراعنة ومن ورائهم حضارات ما وراء النهر الأصفر وحوض النيل وهضبة الأناضول، تتنافس للسيطرة على هذا الطريق تحديداً.

مع ذلك، لم تعتبر الدولة اللبنانية نفسها معنية بسرد تاريخ لبنان البابلي لخشية مؤسسي الكيان، من ميشال شيحا إلى بشارة الخوري ثم كميل شمعون، ومن تلاهم في موقع السلطة الثقافية والسياسية، من أن تصبغ هذه الأحافير لبنان بغير صباغ سعيد عقل الأرجواني/الفينيقي. هكذا دفنت الآثار البابلية في لبنان وأهملت بنحو مقصود فتركت للإهمال والسرقة والجهل كما دُفنت غيرها من الآثار وأهملت، ومنها آثار الكتابة الصفائية في عرسال، وهي الكتابة العربية المسندة في القرن الأول قبل الميلاد والأول من بعده، المعروفة بالخط اليماني جنوبي سوريا والأردن. تخيلوا أن الناس في البقاع وفي عرسال تحديداً كانوا يتناقلون آثاراً تشير للات وذي الشرى (آلهة العرب في الجاهلية)، وفيها ذكر الله، لكنها كانت تُقابل غالباً بإهمالٍ متعمّد من قبل الدولة حرصاً على هوية "لبنان الفينيقي". لم يحد اهتمام مديرية الآثار في الخمسينات والستينات عن صور (بندقية العالم القديم) وجبيل، وعموم جبل لبنان طبعاً، فقد كانت الغاية تكمن في ضرورة استيلاد أسطورة لكيان هش. وهكذا وُزّعت البعثات التنقيبية في لبنان وفق صيغة "لبنان الفرنسي" الجديد، للمسيحيين الأولوية في التماس تاريخ لبنان الفينيقي في جبله وساحله، وللسُّنة حيزهم الهامشي. بعثة واحدة خصصها موريس شهاب، مدير مديرية الآثار أواخر الخمسينيات لـ"لبنان الإسلامي" بحثاً عن الآثار الأموية في عنجر، أما عموم البقاع وعكار والجنوب، فقد تركت لحال سبيلها وعُدت غير ذي قيمة حتى أن بعض "المغضوب عليهم" في مديرية الآثار كانوا يُنفون إلى بعلبك والهرمل النائيتين بحسب ما روى عالم الآثار شاكر غضبان في إحدى حواراته المتلفزة.

***

ليس الإهمال وحده عدو الآثار في لبنان، فعلى هامش معظم عمليات التنقيب الشرعية وغير الشرعية، كان مسار النهب والتهريب يجري على قدم وساق، فقد شهدت الآثار اللبنانية نهباً منظماً منذ بدء عمل لجان التنقيب الأولى، ولعل أبرز المسروقات وأشهرها فسيفساء الكنيسة خريستوفوروس التي استولت عليها لجان التنقيب الفرنسية الأولى مع إرنست رينان، ولا تزال معروضةً إلى اليوم في متحف اللوفر الذي لم تشكوه السلطات اللبنانية أو تطالبه بها قط. أما مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية فقد شكلت العصر الذهبي لتجارة الآثار من لبنان وعبره، حين كانت جبيل محط ومنطلق التجار الذين أعادوا بيع كل ما وقعت يدهم عليه، لا سيما في فترة حكم الرئيس أمين الجميل التي شهدت نشاطاً ملحوظاً برعاية الميليشيات اليمينية التي وجدت في تهريب الآثار مورداً مالياً هاماً، فحولت جبيل إلى نقطة ترانزيت لتهريب اللقيات الأثرية التي كان من بينها مذبح روماني رخامي عليه نقوش باللاتينية من جهاته الأربع، عثرت عليه مصلحة الآثار في نبع رأس العين في بعلبك، وقطعٌ أثرية لا تُقدر بثمن كان قد تم نقلها من معبد أشمون في صيدا إلى متحف جبيل قبيل أن يسيطر عليه مقاتلو الكتائب وتختفي مقتنياته، لتظهر بعضها لاحقاً في زوريخ ونيويورك وغيرها، من دون أن تكشف السلطات اللبنانية عن هوية التجار اللبنانيين الذين باعوها رغم انكشاف الكثير من خيوط الجريمة.

مؤخراً، ازدهرت حركة تجارة الآثار العربية في دور المزادات الأوروبية المتخصصة بالسلع الثقافية بشكل كبير، خاصةً وأن اتفاقية عام 1970 تسمح بالإتجار بالآثار التي بيعت قبل تاريخ إبرامها ولا يحق لأي طرف المطالبة باسترداد القطع المسروقة قبل هذا التاريخ. ويبدو أن مافيات تهريب الآثار ترتبط بشكل وثيق بكبريات المتاحف العالمية، وتلقى رعايةً غير مباشرة من بعض الدول، كما تملك تقنيات وإمكانيات كبيرة تتيح لها أفضلية البحث عن الكنوز. وفي لبنان مثالٌ صارخٌ على ذلك عام 2012، حين سقطت الطائرة الأثيوبية قبالة مطار بيروت وتطوعت سفينة الأبحاث البريطانية "Odyssey Explorer" ليتبين لاحقاُ أن هدفها مسح عمق المياه الإقليمية اللبنانية للبحث عن سفن غارقة محملة بالذهب، فهل تستطيع السلطات اللبنانية مواجهة هذا الحجم من التطور في عمليات سرقة الآثار بعقلية الخمسينات؟ وهل يمكن تجاهل ضرورة وضع خطة وطنية لحماية الآثار اللبنانية والإفادة القصوى منها؟

كوارث الآثار في لبنان:

عام 2006، عثر في منطقة الكيال غربي بعلبك على مغارة تحوي غرفاً مدفنية بداخلها هياكل عظمية وأوراق شجر ذهبية تعود للقرنين الثاني والثالث الميلادي، وبالرغم من أهمية الاكتشاف ثقافياً ظل موقع الكيال مكباً للنفايات، تستفيد من رخصته إحدى العشائر ذائعة الصيت في المنطقة. لم يكن الاكتشاف ذاك الأول من نوعه في المنطقة، إذ تعتبر المنطقة الواقعة في دائرة شعاعها 1.5 كلم من القلعة منطقة زاخرة بالآثار. إلى اليوم لم تبادر مديرية الآثار إلى البحث في موقع الكيال الأثري، ولا في غيره، علماً أن الكيال لا تزال منطقة غير مأهولة عمرانياً، وهي أفضل من مثيلاتها في المدينة كحال منطقة الشراونة، أو المقابر الرومانية شمالي المدينة (غرب طريق نحلة) التي نال العمران من مقابرها الأثرية بشكل كبير.

والأمر ليس متوقفاً على بعلبك فحسب، ولا على آثارها المكتشفة/المنسية أصلاً (عثرت مديرية الآثار على جثمان طفل يعود لأكثر من 3000 عام في إحدى مذابح القلعة قبل أشهر وإلى اليوم لم يخرج بيان واحد عن مديرية الآثار يوضح النتائج المخبرية والأركيولوجية على الجثة المكتشفة). الهرمل نفسها تعاني من إهمال ونسيان كبيرين، والأمر نفسه في ما يخص آثار عكار والجنوب (لا زال تل عرقة في عكار يزخر بموجودات تعطي البحاثة والأركيولوجيين قيمة مضافة لفهم التاريخ الإنساني). المشكلة ليست نسياناً أو إهمالاً وظيفياً فحسب. المشكلة أن حكومات ما بعد اتفاق الطائف لم تتطلع للبنان ككيان حضاري/ثقافي، وجلّ ما فهمه رجالات الدولة عن الثقافة والحضارة كانت حملات "ساتشي آند ساتشي" عن حب الحياة. ولأن الشيء بالشيء يُذكر، كانت "ساتشي آند ساتشي" قد عملت كراعية لسوليدير ومروجة لمشروع الحريري الأب لإعادة بناء بيروت. جيل الثمانينيات؛ أو من كان "واعياً" فترة التسعينيات، يستذكر دور الشركة الضخم في الترويج لسوليدير ودور الحريري الوطني في بناء العاصمة. في الوقت الذي قامت سوليدير بأكبر "مجزرة آثار".

عام 2008، صرّح تمام سلام في إحدى اللقاءات المغلقة (كان سلام يشغل آنذاك منصب وزير الثقافة في حكومة فؤاد السنيورة) بأن الثقافة وتاريخ لبنان الحضاري هي آخر ما يشغل بال رئيس الحكومة. لم يقصد سلام السنيورة وحده، هو عنى كل رؤساء الحكومات الذين تولوا رئاسة الحكومة ورعوا مشاريع إعادة الإعمار حتى عام 2008. في اللقاء، أقرّ سلام بأن ثمة بيروتين اثنتين اليوم؛ واحدة فوق الأرض وأخرى تحتها. قال سلام في لقائه أنه صارح فؤاد السنيورة مرة بأن هناك ستاديوم روماني كامل تحت المباني الواقعة بين القصر الحكومي، وساحة النجمة. لكن رد السنيورة اقتصر على قوله: "ائتني بـ200 مليون دولار تعويضاً لأصحاب المباني ولنكتشف هوية المدينة".

عن الإتجار في الآثار في الشرق الأوسط:

يعود التاريخ الأقرب لبداية النهب المنظم للآثار في منطقتنا إلى حرب الخليج الثانية، عندما شنت الولايات المتحدة عدوانها على العراق بحجة تحرير الكويت. واقع الأمر، أشعلت حرب الخليج الثانية عام 1991 موجة من النهب الجماعي للآثار، بعد أن استغل الناشطون في مجال التهريب ضعف سيطرة النظام العراقي الأمنية آنذاك. هكذا أنعش الحصار التدفق المفاجئ لشبكات التهريب الخاملة التي امتدت من العراق إلى مراكز العبور الإقليمية في لبنان وتركيا و"إسرائيل". أما العقوبات الأميركية ما بعد الحرب، وفرض واشنطن مناطق حظر للطيران، فقد شجعت الاتجار غير المشروع من قبل المزارعين في الأرياف وقبائل الجنوب العراقي الفقيرة نظراً لعدم وجود دخل مادي آخر. قُدّرت المسروقات من الآثار العراقية في تلك المرحلة بـ85 مليون دولار عام 1992 وحده.

خلال فترة التسعينيات بدأت الإمارات العربية المتحدة بالظهور كنقطة عبور رئيسية لكميات كبيرة من الآثار المهربة عالية القيمة باتجاه أوروبا. واقعاً لم تكن الإمارات معبر التهريب الوحيد، إذ شهد لبنان وتركيا شبكات تهريب منظمة في نفس المرحلة. ففي تقرير لمؤسسة "راند" الأميركية للدراسات، تحت عنوان "تتبع وتعطيل التجارة غير المشروعة في الآثار" والذي أعده ماثيو سارجنت وجيمس ف.مارون وألكسندرا تي إيفانز، لاحظ الباحثون أن سوقي لبنان وتركيا يشبهان إلى حد بعيد السوق اللبناني فترة ما قبل الحرب، فهو يعتمد على تجار مرتبطين بالجريمة المنظمة، وعلى صلة بأجهزة الدولة ودوائر النفوذ فيها.

آليات التهريب والبيع:

لا تثق سوق الآثار السوداء بالبنوك. يعود ذلك لأسباب عدة، منها عدم الاستقرار الذي تشهده دول المصدر، والخوف المتنامي من نهب الفروع المحلية للبنوك من قبل الميليشيات –وهي الحالة التي عاشها العراق بعيد احتلاله عام 2003- أو بسبب الأزمات التي يعيشها القطاع المصرفي، كما هو الحال بالنسبة للبنان وتركيا اليوم. لذا يخفي الكثير من الناس الأموال في خزنات خاصة تكون رهن احتياجاتهم الفورية.

إضافة إلى ذلك، تتم عمليات البيع والشراء من خلال أربعة أطراف بالحد الأدنى ومن خلال نظام الحوالة الموجود في أجزاء كثيرة من العالم، حيث يعمل الشاري على تحويل المبلغ المستحق لوسيط في أوروبا (غالباً ما يكون مغترباً من نفس بلد البائع)، على أن يتواصل الوسيط أو صاحب الحوالة مع البائع من خلال دفع الحوالة لأحد أقاربه المغتربين، أما البائع في هذه الحالة فيعمل على إيصال القطعة المهربة لعميل معتمد من قبل الشاري في الإمارات أو تركيا أو لبنان. وبذلك تكون العملية قد تمت دون أي بيانات عبرت القنوات المالية الدولية.

يستفاد في هذه العملية من مسألتين؛ الأولى هي الحماية الدبلوماسية لشخصيات أميرية إماراتية تحظى بتسهيلات جمركية، وحماية "فوق – قانونية" في المطارات، بالإضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة الناشطة بين تركيا، البلقان، وشرقي أوروبا.

الإمارات كمحطة لسرقة تاريخنا:

بالعودة لتاريخ نهب الآثار، ظهر ومع الوقت - تحديداً منذ مطلع الألفية الثانية – اسم الإمارات كمحطة بديلة عن تركيا في تهريب الآثار الحضارية. يشكل عام 2008 في دراسة مؤسسة راند السابقة الذكر ثمة محطة مفصلية في قراءة مؤشر صادرات الإمارات الثقافية من الآثار. فحتى عام 2008، كانت الآثار تُصدر من الإمارات بشكل أساسي إلى أوروبا بدلاً من الولايات المتحدة، إلا أنه ومع اندلاع أعمال العنف في العراق عام 2007 بشكل قوي، زادت حدة نشاط التصدير الإماراتي (قد تكون الارتفاعات الملحوظة في عام 2007 مرتبطة بسرقة ما يقدر بنصف مليون قطعة أثرية في العراق بين عامي 2003 و 2005) وهو الأمر نفسه الذي حصل عام 2012 بعد النهب الواسع الذي أعقب الربيع العربي في العراق وسوريا، وبعد صعود "داعش" في الدولتين، فيما تحولت وجهة هذه المسروقات إلى الولايات المتحدة، وبلغت صادرات الإمارات من الآثار إلى ما قيمته 100 مليون دولار سنوياً.

كما أن متجر "هوبي لوبي" Hobby Lobby)) الخاص بالتحف الفنية والذي تعود ملكيته للملياردير الأميركي الإنجيلي ستيف غرين، هو أحد الفضاءات الشاهدة على النهب المنظم لتراثنا وحضارتنا.

لدى ستيف غرين مجمعاً يحوي الكثير من التحف والآثار المتعلقة بالكتاب المقدس بجزئيه "العهد القديم والعهد الجديد" بتعداد يتجاوز الـ40 ألف قطعة، تشمل لفائف ورقيمات طينية وألواح حجرية. لكن المجمع بمقتنياته وتفاصيله يشرع السؤال حول الكثير من الملابسات المتعلقة بانتقال مقتنياته من بلاد الشام إلى بلاد اليانكي.

فبحسب تحقيقات صحافية عدة، عمل غرين على شراء القطع الأثرية من الشرق الأوسط من خلال وسائط مختلفة. وقد تمت متابعة مقتنيات المتجر من قبل دائرة الجمارك الأميركية بعد أن أثارت 450 قطعة مسمارية (فيها ألواح طينية من مدينة إريساجرج السومرية 1200 ق.م – 1600 ق.م في جنوب العراق)، بالإضافة إلى 3300 قطعة مختلفة من الأختام والتعاويذ السحرية الآرامية والمانوية والمندائية. المفارقة أن المجموعة الأخيرة كلها نُقلت إلى الولايات المتحدة ما بين عامي 2010 و2011، من خلال أبو ظبي التي شهدت آنذاك لقاءات مطولة بين تجار إسرائيليين وآخرين عرب. وفي احتيال على القانون الأميركي، سجلت الآثار تلك جميعها على أنها تعود في الأصل لمقتن إسرائيلي استحوذ عليها عام 1960، ثم نُقلت إلى الولايات المتحدة. في الحقيقة، ثمة ما هو معروف في عالم تجارة الآثار وتهريبها، وهو تسجيل أي مجموعة آثارية بتاريخ سابق على عام 1970، وهو تاريخ إقرار اليونسكو قانون تحريم الاتجار بالإرث الثقافي للشعوب.

خرجت فضيحة "هوبي لوبي" إلى العلن عام 2017، بعد أن صادرت الجمارك الأميركية 3800 قطعة من أصل 5500، لم يُعد منها للعراق غير 3000 قطعة في أيار/مايو من العام 2018. غير أن الأخطر في ما كُشف هو دور العواصم الإقليمية وشبكات تهريب الآثار في نهب آثار منطقتنا. بما تخبرنا الآثار؟ ثمة ما هو أبعد من التاريخ والمتاحف، حتماً. ثمة جريمة مستمرة مسرحها متاحفهم وتاريخنا.