عهد بايدن: سيطرة "تقدمية" على الحزب الديمقراطي؟

يؤمن كثيرون أن جو بايدن صاحب الشخصية الضعيفة، وصاحب المواقف المتقلبة، والقابع تحت ظلال باراك أوباما، لم يكن ليحلم بالعودة إلى البيت الأبيض رئيساً لو لم يجتمع خمس وسبعون مليون أمريكي على كره كل ما يمثّله دونالد ترامب. يعلم الرئيس المنتخب وحزبه الديمقراطي أن هذه الإنتخابات بالذات لم تكن أبداً تتعلّق بأيّ من الحزبين يفوز، ولم تكن تعتمد على هوية المرشّح المنافس، ولم تحدّدها خيارات المرشحين وسياساتهم الإجتماعية وتوجهاتهم الخارجية؛ كان الجميع يعلم أن انتخابات هذا العام كانت تدور حول محور وحيد: دونالد ترامب.

هذا الواقع فرض على جو بايدن جسر عبور إلى البيت الأبيض بعدّة أساسات غير متجانسة، وهذا قد يؤدّي بعد هدوء ضجيج الإنتخابات إلى اهتزازت قد ترسم مسار ولاية الرئيس القادم في ظل نمو متسارع لتيارات متعددة داخل الحزب الديمقراطي. التقليديون المؤسساتيون الذين تخرّج نائب باراك أوباما السابق من مدرستهم السياسية، التقدميون الموسومون بالإشتراكية وحامل لوائهم بيرني ساندرز، اليسار المتطرّف الذي بدأ يتوسع انتشاره عقب الأحداث التي رافقت موت جورج فلويد، وكبار السن البيض "المحافظين" الذين لا يريدون إلا العودة إلى الحياة السياسية الطبيعية بعد أربع سنوات صاخبة من فوضى دونالد ترامب. كل هذه مثّلت أجنحة طار بها جو بايدن ليحطّ داخل المكتب البيضاوي في واشنطن. لكن الضوء سيبقى مسلّطاً بشكل أساسيّ على ما قد يكون شد حبال داخليّ بين تيار المؤسسة التقليدية والحركة التقدمية الشبابية الصاعدة بسرعة ملفتة داخل الحزب الديمقراطي.   

تعلّم بايدن من أخطاء هيلاري كلينتون التي أدّت إلى خسارتها الانتخابات قبل أربع سنوات إلى وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. قبل إعلانها من قبل الحزب الديمقراطي مرشحة لموقع الرئاسة، كان منافسها الأبرز على هذا الترشيح عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز. لطالما اعتُبر الأخير صاحب نزعة تقدمية "اشتراكية" أقلقت دوائر القرار في الحزب الديمقراطي، وقد شكّل ترشّحه للإنتخابات الرئاسية عام 2016 شرارة انطلاق لحراك تقدمي واسع في أوساط مناصري الحزب. كان لدى ساندرز قدرة ملفتة على استقطاب المناصرين حوله، ولاسيما أولئك من فئة الشباب والطلاب الجامعيين اللذين يشكلون مستقبل الحزب الديمقراطي. وطوال حملتها الإنتخابية، ارتكبت كلينتون كثيراً من الأخطاء، لكن لعلّ الخطأ الأبرز والأفدح كان بنظر الكثيرين فشلها في الحصول على دعم ساندرز في السباق نحو البيت الأبيض. فحقيقة حصولها على الترشيح الديمقراطي ظلّت حدثاً لم يتقبله كثير من أنصار ساندرز اللذين أعلنوا عن تفضيلهم مقاطعة الإنتخابات على إعطائها صوتهم، خاصة بعد تسريبات تحدثت عن مؤامرة حزبية داخلية – كانت كلينتون تعلم تفاصيلها – أدّت إلى إبعاد ساندرز عن المنافسة. وهذا ما حدث، فكانت النتيجة أربع سنوات من دونالد ترامب.

بعد خسارتها، خفت صوت وزيرة الخارجية في عهد باراك أوباما، والتي كانت في مرحلة من المراحل نجمة الحزب الديمقراطي الصاعدة، واختفت عن الساحة السياسية والحزبية بشكل كامل. كانت تلك آخر إنتخابات تخوضها هيلاري كلينتون التي أنهى ترامب حياتها السياسية. في المقابل، ظلّ "بيرني" أيقونة لدى شباب الحزب، ومعارضا شرساً لسياسات دونالد ترامب طوال سنين رئاسته. كان ساندرز خلال هذه الفترة لا يزال محافظاً على الزخم الذي كسبه في انتخابات عام 2016، لا بل كان حراكه ينمو وأنصاره يتكاثرون. أصبح بيرني ساندرز عام 2020 زعيماً تقدمياً يمثّل نهجاً تتصاعد شعبيته شيئاً فشيئاً، وأصبح لزاما على دوائر القرار في الحزب الديمقراطي أخذ هذا الحراك بعين الإعتبار. عاد السيناتور العجوز البالغ من العمر 79 عاما ورشّح نفسه للإنتخابات الرئاسية لعام 2020 آملا في الحصول على الترشيح الديمقراطي، لكنه خسر مرة أخرى بسبب ما وصفه البعض بـتكرار لـ "مؤامرة المؤسسة الديمقراطية" التي ضغطت على إليزابيث وارين – وهي مرشحة تقدمية أخرى - لعدم الإنسحاب من السباق حتى بعد أن فقدت كل آمالها بالفوز، وذلك بهدف تقاسم الأصوات التقدمية بينها وبين ساندرز، وبالنتيجة، إهداء الترشيح الديمقراطي إلى مرشح المؤسسة جو بايدن.

هذه المرة، لم تكرر المؤسسة خطأها، ولم يوفّر بايدن أي جهد في السعي للحصول على دعم ساندرز وأنصاره. بعد إعلانه مرشحاً رئاسياً للحزب الديمقراطي، خرج بايدن بخطاب موجه لبيرني ساندرز يدعوه فيه إلى العمل يداً بيد لإطاحة دونالد ترامب. التقى ساندرز مع بايدن بعد هذا الخطاب، وأعلن بعد اللقاء عن تأييده لجو بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. تتحدث التسريبات والتحليلات هنا عن وعود قطعها بايدن باعتماد أجندة عمل تقدمية لم يسبق لأي رئيس أميركي العمل بمثلها، ويكثر الحديث عن كلام ساندرز في الدوائر المغلقة عن السعي إلى جعل جو بايدن أكثر رئيس تقدمي في التاريخ الأمريكي. لكن الواقع هو أن جو بايدن لم يقدم أي خطاب علني واضح تجاه العديد من القضايا التي يعتبرها ساندرز أساسية في مساره "الإشتراكي" الذي يعدّه البعض "متطرّفا". فهو – أي بايدن – لم يعطي أي تلميح لتبنّيه طرح ساندرز بما يتعلّق بالرعاية الصحية، ولم يأتي على ذكر ما كان يطالب به بيرني من تعليم جامعي مجاني، وأهم من ذلك كله هو أن بايدن لطالما كان رجل المؤسسات والشركات الكبرى التي يحاربها ساندرز ويطمح خلال إدارة بايدن لفرض ضرائب مكلفة عليها في إطار التوزيع العادل للثروة. كل ذلك قد يشكل ألغاما تفخّخ العلاقة ما بين المؤسّساتيين التقليديين داخل الحزب الديمقراطي وممثلهم الرئيس المنتخب جو بايدن، والحركة التقدمية المتنامية بقيادة بيرني ساندرز، وقد يقود إلى صراع داخلي على النفوذ لا يتوقع أحد أن لا يخوضه العجوز ساندرز الطامح إلى تحقيق شيء ما من رؤيته قبل نهاية حياته السياسية. قد يشكّل هذا الصراع - إن حدث - تحدياً حقيقياً أمام بايدن أولا الذي قد يخشى من نفوذ ساندرز المتنامي في مجلسي الشيوخ والنواب، وعلى الحزب الديمقراطي ثانيا الذي لم يسبق لمؤسّسته أن شهدت تحديا تقدميا بهذا الحجم قد يمسّ بكثير من مبادئ الحزب وتقاليده.

كل ما سبق قد لا يعني بالضرورة أن بايدن قرر فعلا أن يخوض في هذا المسار، خاصة مع وجود عوامل قد تشجع قيادة الحزب الديمقراطي على الأخذ ببعض الطروح التقدمية والسير بها، وذلك بعد أن خسر صفة "حزب الفئة العاملة" في السنوات الأخيرة. نتائج الإنتخابات التشريعية التي أظهرت تراجعا ملفتا للحزب الديمقراطي في مجلسي الشيوخ والنواب، قد تكون الدفعة التي يحتاجها الأخير إلى الإقدام بجرأة على إحداث تغيير في بعض السياسات الداخلية والسير بخيارات ساندرز الشعبوية. ويدعم هذا التوجه كلام جديّ تداولته بعض وسائل الإعلام الأمريكية بعد إعلان انتصار جو بايدن، عن توجّه الأخير إلى تعيين ساندرز وزيرا للعمل، وإليزابيث وارن وزيرة للخزانة الأمريكية في الحكومة المقبلة التي ستعمل تحت إدارته. سيشكل ذلك - إن حدث فعلا - مفاجأة لم يكن أكبر المتفائلين بالحراك التقدمي يتوقع حدوثها، إذ أنه سيعني صبغة تقدمية واضحة لإدارة الرئيس المنتخب، واختلافا مهمّا في نظرة الشعب الأمريكي للحزب الديمقراطي. 

في كلتا الحالتين، سواء أكان بايدن صادقاً في وعوده لبيرني ساندرز أو لم يكن، يبقى حدوث أي من الأمرين تحوّلاً تاريخياً في حياة الحزب الديمقراطي. وبعد تحدّي دونالد ترامب، الذي تُرَجَّح عودته إلى السباق الرئاسي عام 2024، لا يملك الحزب ترف السير بخيارات خاطئة ومكلفة له شعبيا. وتحت مطرقة مصالح متشابكة تقيّد قياداته وتمنعها من تبني نهج تقدميّ متطرّف، قد يكون الحل المثالي تسوية لا تمس بالخطوط الحمراء التي بنيَ على أساسها الحزب الديمقراطي، لكن تحقق للتقدميين بعض أحلامهم، وتضمن بقاء بيرني ساندرز كداعم أساسي لإدارة جو بايدن، مع ما يمثله ذلك من ثقل شعبي سيشكل سندا مريحا للإدارة أمام المشاكل التي خلّفتها لها سنوات حكم دونالد ترامب.

في المقلب الآخر: هل تصبح "الترامبية" نهجاً ينقذ الجمهوريين؟

ينصّ الدستور الأمريكي في مادته الثانية والعشرين على حق أي مواطن أمريكي – في حال انتخابه – أن يشغل منصب الرئاسة لولايتين تمتد كل منهما على مدى أربع سنوات. لم يشترط المشرّع الأمريكي لزوم أن تكون هاتين الولايتين متتاليتين، ما يعني أن المرشح الذي ينجح في الفوز بولايته الأولى ويفشل في الحفاظ على منصبه في الانتخابات الرئاسية بعد أربع سنوات، يحق له أن يعود ويترشّح للعودة إلى البيت الأبيض مرة ثانية بعد نهاية ولاية منافسه الفائز. قبل دونالد ترامب، عشر رؤساء فقط في تاريخ الولايات المتحدة كله فشلوا في الحفاظ على مناصبهم لولاية ثانية. كثير من هؤلاء كانوا من بين من يصنّفهم التاريخ كرؤساء "عظام" مرّوا على البيت الأبيض. ويليام تافت، غروفر كليفلاند، بنجامين هاريسون، جيمي كارتر، جورج بوش الأب، وأخيرا دونالد جاي ترامب، كان هؤلاء من بين أبرز الأسماء التي فشلت في الفوز بولاية ثانية.

لغروفر كليفلاند وبنجامين هاريسون قصة مختلفة عن الجميع. عام 1885 انتخب الشعب الأمريكي المرشّح الديمقراطي غروفر كليفلاند رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية الثمان والثلاثين آنذاك. بعد أربع سنوات، فشل الرئيس في الحفاظ على منصبه بعد أن أدّت الإنتخابات عام 1889 إلى انتصار المرشح الجمهوري بنجامين هاريسون. القصة لم تنتهي هنا كما اعتدنا بانكفاء المرشّح الخاسر وانتهاء حياته السياسية. لم يستسلم كليفلاند، وعاد ليطرح نفسه مرشحا ديمقراطيا عام 1892، فكانت النتيجة فوزا تاريخيا عاد من خلاله إلى مكتبه البيضاوي بعد غياب أربع سنوات، ليكون بذلك الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الذي يخدم في منصب الرئاسة لولايتين غير متتاليتين.

اليوم، يخسر دونالد ترامب وفي رصيده سبعون مليون أمريكيّ من أنصاره الذين صوتوا له ليضعوه كثاني أكثر شخص يحصد أصواتا في تاريخ الإنتخابات الأمريكية. سبعون مليون أمريكي يؤمنون – أو لا يبالون – بما يمثّله ترامب من أفكار متطرّفة غير تقليدية في مواضيع الهجرة والعرق والسلاح والبيئة والحقوق وغيرها. سبعون مليون أمريكي يتوّجون ترامب زعيما استثنائيا غير تقليديّ في الحياة السياسية الأمريكية. عادة ما ينكفئ الرئيس الخاسر أو المنتيهة ولايته لتنتهي معها حياته السياسية. هذا ما حدث مع جورج بوش الابن ومع بيل كلينتون. لكن هؤلاء لم تكن لديهم مثل الشعبية التي يحظى بها ترامب بين الأمريكيين. حتى باراك أوباما، أحد أكثر الرؤساء شعبية في التاريخ، كان تأثيره على الحياة السياسية محدودا بعد انتهاء ولايتَيه، كأن يستعان به مثلا من قبل حزبه الديمقراطي لدعم مرشحي الحزب في الإنتخابات التشريعية والرئاسية، لكنه لم يكن ذا تأثير حقيقي داخل دوائر القرار الديمقراطي. ربما يكون مرد ذلك أن باراك أوباما لم يمثّل في أي يوم من الأيام نهجا سياسيا جديدا يبتعد عن الكلام السياسي التقليدي. أما دونالد ترامب، فستشكّل شعبيته الجارفة ونهجه الإستثنائي رافعتين تجعلان تأثيره السياسي غير محصور بموقعه في سدة الرئاسة، لا بل قد يناقش كثيرون أن نتائج هذه الإنتخابات ستشهد نهاية "الرئيس ترامب" وولادة حركة "الترامبية السياسية". تعزز هذه الفرضية أخبار تتحدث عن سعي جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب، لشراء قناة تلفزيونية تصبح منصة تضخ الأفكار "الترامبية" على جميع أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد أن ميّزت قناة "فوكس نيوز" – المصنّفة ذات توجهات جمهورية – نفسها عن أفكار ترامب في كثير من المواقف التي كان آخرها مزاعمه بوجود تزوير في عملية التصويت.

هذا المدّ "الترامبي" الجارف أرخى بظلاله على قيادات الحزب الجمهوري الذي تحمّل كل تبعات مغامرات دونالد ترامب على مدى أربع سنوات من رئاسته. أربع سنوات مشى معه فيها الجمهوريون من مشكلة إلى أخرى من دون أن يجرأ أحد على محاولة السيطرة على جموح الرئيس. أما من سوّلت له نفسه المساءلة والتشكيك وانتقاد طريقة ترامب بإدارة البلاد، فكان مصيره السخرية والتنمر من قبل الرئيس، والهجوم والسباب والشتائم من قبل أنصاره، وأهم من ذلك، العزل من قبل الحزب وقياداته. أبرز مثال على ذلك كان عضو مجلس الشيوخ ميت رومني، أحد صقور الحزب الجمهوري سابقا، ومرشّح الأخير في وجه باراك أوباما عام 2012. اختلف رومني مع ترامب في بداية عهده فكانت النتيجة أن قُصّت أجنحته وقلّص نفوذه داخل الحزب حتى وصل إلى مرحلة أعلن فيها تأييده لبايدن، وأصبح احتمال أن يكون معه وزيرا في إدارته الجديدة واردا جدا. كلّ ذلك الإنصياع الجمهوري لدونالد ترامب كان قبل أن يحصد الرئيس صوت سبعين مليون مناصر. وبالتالي، للجميع أن يتخيّل الآن أثر هذه الإنتخابات التاريخية على الحزب الجمهوري الذي باتت تهدده شعبية ترامب التي لا يستطيع احتوائها. قيادات الحزب وأعضائه في الكونغرس، والآملون لأي ترشّح مستقبليّ، أصبحوا جميعا بحاجة لرضى ترامب ولأصوات مناصريه. أول الغيث لمشهد الإنصهار الجمهوري بأفكار ترامب كان مضيّ قيادات الحزب قدما في نظريات المؤامرة التي يشيعها الرئيس عن حدوث تزوير منظّم حرمه الفوز بالإنتخابات. بعد إعلان بايدن فائزا، لم يقدم أي جمهوري، باستثناء بعض أعداء ترامب المعزولين، على تهنئته، بل زعم زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، وزعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب كيفن مكارثي، أن "من حق الرئيس ترامب استنفاذ كل الوسائل القانونية التي يسمح له بها الدستور الأمريكي" قبل إعلان انتصار المرشّح المنافس.

استشراف المشهد

كل ما سبق يشكّل أرضية داعمة لخيار يُرجّحُ أن يأخذه ترامب بعدم الإنكفاء عن الحياة السياسية الأمريكية بعد خروجه من البيت الأبيض في العشرين من شهر كانون الثاني. وطالما أن هناك حسابا على "تويتر" يطلق عبره عشرات التغريدات يوميا، ومنصات يمينية متطرفة متكاثرة تبايعه بالمطلق، سيبقى دونالد ترامب صوتاً مؤثراً يسمعه ملايين الأنصار الذين يرون فيه رجلاً يعبّر عن صوتهم الذي تقمعه وسائل الإعلام، ويحارب من أجل وجودهم وتاريخهم وهوية أمّتهم ضدّ "اليسار الراديكلي المتطرّف" و "نهضة الإشتراكيين المخرّبين". عبر تويتر، سيكون دونالد ترامب مؤثراً كبيراً على الحياة السياسية الأمريكية، وموجّهاً لأفكار الحزب الجمهوري وسياساته لأربع سنوات قادمة.

لكن، يبقى التساؤل الأكثر إثارة للجدل هنا يُطرح عن مرحلة ما بعد ولاية بايدن الأولى، ومن سيكون مرشح الحزب الجمهوري لاستعادة منصب الرئاسة عام 2024. كل تصرفات دونالد ترامب خلال سنين رئاسته تجعله شخصية سياسية غير تقليدية بامتياز. ولأن التقليد يقضي بانتهاء دور الرئيس الخاسر، تتزايد احتمالات أن يعيد دونالد ترامب إلى الأمريكيين ذكريات الرئيس غروفر كليفلاند. شعبيته الغير مسبوقة، نفوذه المتزايد، وشخصيته التي ترفض الهزيمة، كلها عوامل تعدنا بسنين أربع أخرى من فوضى ترامب. فوضى لن تقيدها هذه المرة لياقات الرئاسة التي كان يحاول ترامب المحافظة على مستوياتها الأدنى بضغط المقربين، وفوضى لن تكبح جموحها متطلبات المواقع الجامعة. قد لا يترشّح شخصياً، وقد يدفع بأحد أولاده إلى الترشّح، أو قد يدعم نائبه مايك بنس لفعل ذلك، ولكن لا أحد يعتقد أن وقت ترامب انتهى. دونالد ترامب نفسه يعلم أنه لم ينتهي، والأكيد أنه يعتقد أن غروفر كليفلاند ليس أفضل منه بشيء؛ لكن تحقيقه تكراراً استثنائياً للتاريخ يبقى رهناً بأداء بايدن في السنين الأربع القادمة، ورهناً بقدرة الأخير على الحفاظ على خمس وسبعين مليون صوت أمريكي من الجماعات المتفرقة التي ربما لم يجمعها اليوم سوى "عداء دونالد ترامب".