مؤخراً، قامت القيامة في الوسط الجامعي والثقافي في لبنان، بعد أن أقدم استاذ جامعي يُدرِّس مادة (مقاربات نصية في الفكر العربي الحديث) على طرح نص لأدونيس في امتحانات الدراسات العليا، واعتبر المعترضون عليه أن "أدونيس" يفتح فيه باباً "للتطبيع مع العدو الإسرائيلي"، من خلال الدعوة إلى مسالمة الفن والأدب اللذين يُنتجهما الأدباء والفنانون اليهود خارج "إسرائيل" وداخلها.

وتأتي إشكالية هذا الطرح وردود الأفعال تجاهه ليس على خلفية موضوعه فحسب، بل على خلفية اللحظة الزمنية الراهنة التي دخلت فيها كثير من الحكومات العربية، والخليجية تحديداً، في مسار تطبيعي سياسي جديد مع الكيان الصهيوني ( الإمارات، البحرين، السودان والسعودية (على الطريق) )، بعد مسار تطبيعي قديم سلكه كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وبعد مسار تطبيعي "اقتصادي" تحت مسمى المكاتب التجارية كما هي الحال في "إمارة" قطر.

ومن البديهي أن الأنظمة التي اتخذت قرار التطبيع، أو فرض عليها بحكم تبعيتها للسياسة الأمريكية وما تتطلب من مصالح، وجدت نفسها في حاجة ماسة إلى ماكينات ترويجية تحاول إقناع شعوبها – الرافضة إلى حد ما لهذه السياسة التطبيعية – بصوابية هذا المسار، ومن البديهي أكثر أن تكون ثلاثة عناصر في طليعة هذه الماكينات الترويجية السياسة التطبيع: المؤسسة الدينية، المؤسسة الإعلامية، المثقف.

أما المؤسسة الاعلامية فهي في هذه الدول مؤسساتٌ رسمية لا تعدو كونها ناطقاً رسمياً باسم الحكومات. وأما المؤسسة الدينية فهي الشريك الأساسي لهذه الأنظمة الحاكمة منذ نشأتها وبينهما سلسلة مقالات مشتركة تبدأ من واجب الطاعة العمياء للحاكم وعدم جواز الخروج عليه، وليس انتهاءً بالمصالح المالية والمكاسب المادية.

وحده المثقف – ولا اقول المؤسسة الثقافية لعدة اعتبارات أولها أن الثقافة في أصلها بعد فردي ورؤية خاصة يمتلكها المثقف تجاه أحداث عصره ومشكلاته، وليس آخرها أن لا مؤسسة ثقافية في كل هذا العالم المسمى عربياً والممتدّ من المحيط إلى الخليج كما تصوره الأغاني والأناشيد.. ويكذبها الواقع اليومي – وحده هذا المثقّف يمشي على قلق كأنّ النار تحته، ومأزقية المثقف هنا تكمن في كونه داخل آلة ضغط متعددة الابعاد، تحت ضغط مصالحه الخاصة التي تدفعه إلى ممالحة السلطة، أو تحت ضغط الترهيب والتنكيل اللذين يدفعانه ليلوذ بالصمت، أو تحت ضغط البيئة الرافضة للتطبيع التي تريده أن يقول رأيه الرافض للتطبيع بأسلوب البيئة لا بأسلوبه، والا اتُّهِم بالتطبيع، وهذا ما أصطلح عليه "رهاب الاتهام بالتطبيع الثقافي".. وبذلك يكون "المثقف" العربي إمّا "مثقّف" السلطة يطبّل باسمها ويميل كما تميل، وإما هو المثقّف الراديكالي الذي يرى القضية من منظور انتمائه الراديكالي الذي يحتّم عليه الوقوف في مواجهة السياسات التطبيعية ويرى كل شيء تطبيعاً، وإما هو تحت ضغط ما أسميه "رهاب التطبيع"، وأعني "برهاب التطبيع" أن تهمة التطبيع جاهزة عند العامة وغالبية النخب الثقافية لتلاحق كل من ينظر بطريقة مختلف إلى الخطاب "الإسرائيلي" عامةً، وتحديداً ما له علاقة بالفكر والأدب.

لا أريد أن أفتح جدلاً حول كلام أدونيس، ولا أن أدافع عنه في مواجهة اتهامه بالتطبيع، فله من فكره وشعره ما يكفي لذلك، ولك ايها القارئ العزيز أن تدخل في قصيدته (يافا) وأن تسمعه يقول:

"سمِّني قيساً.. وسمِّ الأرض ليلى"

أريد هنا أن أطرح جملة من الأسئلة، وربما كانت استفزازية أو تحريضية، لكنني سأترك  للقارئ الواعي أن يرى ويميز ويُدلي بما يبدو له منطقياً في خدمة القضية، وأدعو إلى حوار داخلي حول هذه الأسئلة:

هل أنّ قراءة الأدب "الإسرائيلي" ومجمل خطاب العدو الثقافي والفكري، ودراسته ووضعه موضع النقد الموضوعي، هو تطبيع ثقافي؟

هل يصح أن يُتّهم كل مثقّف يقارب الأدب والفكر "الاسرائيلي" بالتطبيع، سيّما إذا كانت خلفيته وسيرته الانسانية والثقافية تناقض هذا الاتهام؟

إنّ استعراضاً سريعاً لبعض تجارب الكتّاب العرب وغير العرب قد تكون كفيلة بتصدير موقف منطقي تجاه هذه القضية:

يفتح غسان كنفاني الباب واسعاً أمام القراءة الواعية للأدب "الإسرائيلي" من خلال كتابه " في الأدب الصهيوني" الصادر طبعته الأولى عام ١٩٦٦ وبطبعتين أُخرَيَن (١٩٨٢-١٩٨٧) الذي يتناول فيه مجموعة من الكتّاب والشعراء والروائيين اليهود الصهاينة، مقدّماً نظرتهم إلى العربي والى القضية الفلسطينية. لم يَعِبْ أحدٌ يومها على غسان كنفاني القياديّ المقاوم والأديب الثائر أنّه يفتح باباً إلى التطبيع، ولن يجرؤ أحد اليوم على اتهام غسان كنفاني، الشهيد على يد الموساد الإسرائيلي، بتهمة التمهيد للتطبيع من خلال مقارباته للأدب الصهيوني عبر كتابه (في الأدب الصهيوني).

إدوارد سعيد، المفكر الفلسطيني، يكتب تقديماً للترجمة العربية لكتاب (الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة ٣٠٠٠ عام) لـ "إسرائيل شاحاك" المفكر والأكاديمي الاسرائيلي الذي خدم في الجيش وشارك في بعض حروبه ضدّ العرب وخرج بخلاصة توضح زيف الركائز التي تقوم عليها دولة اسرائيل، الركائز الدينية التوراتية، والركائز الحضارية كالديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان والمساواة. ترى هل كان تقديم أدوار سعيد لرجل كـإسرائيل شاحاك باباً إلى التطبيع؟

محمود درويش الذي يُدَرَّس في المناهج التعليمية في دولة الكيان، دون أن يُتّهم دارسوه "الاسرائيليون" بالتطبيع مع العرب، بغضّ النظر عن سعي القاتل للتطبيع مع القتيل، أَلَم يقدم للقضية الفلسطينية ما قد لا يقلّ عمّا قدمته الثورة الفلسطينية نفسها؟

خلاصة القول: أليست معرفة العدو أوّل خطوة في مسيرة مقاومته وهزيمته؟ كيف لنا نحن العرب أن نهزم هذا المشروع الفكري السياسي الثقافي دون أن نقرأه ونفهمه؟ ألم يحن الوقت لرفع "رهاب التطبيع" عن عنق المثقف الواعي المنتمي حقاً إلى فلسطين وإلى الإنسان؟ أليس من الأجدى أن نضع معياراً مُقِنعاً وواضحاً لا يعلق في ثنائية المعرفة والاعتراف بل يكون بوّابة لفهم ثقافي وفكري للمشروع الإسرائيلي بغية إعداد مشروع مقاوم قادر على أن يكون فاعلًا في تغيير هذا التردي العربي في مختلف مجالات المواجهة؟

لكن ما هو الخط الفاصل بين المعرفة والاعتراف، ومن له الحق أن يرسم هذا الخط، وبأي حبر يمكن أن يكون؟

(يتبع)