ضجت أخيراً أخبار الحزب القومي بعد السقوط المدوي للائحة "الرجل القوي" أسعد حردان في انتخابات اعضاء المجلس الأعلى (السلطة التشريعية) ولجنة منح رتبة الامانة. بمراجعة بسيطة للارقام التي نالها المرشحون يمكن الملاحظة بشكل أولي أن نجاح حردان، الوحيد ضمن لائحته، لم لكن ليحدث لولا ترك مركز فارغ في اللائحة الفائزة. بالحديث مع بعض القوميين – رغم صعوبتها – يمكننا الاستنتاج أن الرسالة لحردان كانت مقصودة. لكن حردان لا يستسلم بسهولة، سيما أن مجماميع معارضيه هم من يحسبون عليه تاريخياً. كثر من القوميين يرفضون هذا التحليل كونهم يؤمنون أن حزبهم حزب مؤسسات لا أشخاص. المراقب من خارج المؤسسات الحزبية ومن غير المؤمنيين بأدلجتها يسطيع ملاحظة سيطرة حردان على جميع مفاصل الحزب الإدارية والسياسية. بعد هذا الفوز المدوي انتخب المجلس الأعلى الجديد عامر التل رئيساً أردنياً بظاهرة لا تألفها الاحزاب اللبنانية. وما لبث أن انتخب المجلس الجديد ربيع بنات رئيساً جديداً وهو استاذ جامعي في أول الأربيعنيات من عمره وليس من المعروفين خارج الحزب.

في هذا المقال سنبحث عن الأجوبة لكثير من التساؤلات عن مسقبل الحزب من خلال استعراض تاريخي لمرحلة ارتبطت بأسعد حردان.

سطعت صورة حردان في الثمانينيّات كقائد في المقاومة الوطنية، هنا قد لا يتفق البعض لكنها محاولة لتوصيف الواقع بعيداً عن الآراء الشخصية. وكان من بين القلائل من القادة الذين كان الاعلام الاسرائيلي وبعض الاعلام الأميركي يتحدث عنه. هذا الدور كان بارزاً مع الإستشهادية سناء محيدلي حيث كان صوت حردان واضحاً في التسجيل المصور للشهيدة. لكن تلك الصورة لم تدم طويلاً، بالاخص داخل الحزب عقب استشهاد محمد سليم، عميد الدفاع في الحزب وقتذاك، واتهام حردان بتلك العملية. هذه العملية بالذات أدت إلى ما أدت إليه من انقسام داخل الحزب بين جناح الطوارئ بقيادة عصام المحايري وجناح المجلس الأعلى بقيادة أنعام رعد. العنف الداخلي لم ينته بعد الانقسام بل ازداد ضراوة وشراسة. وسكان رأس بيروت والكورة يذكرون لليوم المعارك الضارية التي شنت من الطرفين. واستشاهد حبيب كيروز وتوفيق الصفدي شاهد كيف انتقل العنف إلى اغتيال مثقفينه. حاولنا جاهداً تحليل تلك المرحلة من خلال التركيز على مسبباتها السياسية الداخلية فلم نستطع ربط  هكذا اقتتال دموي بالشأن الداخلي. وقد لا يصلح أي تحليل بعيداً عن الصراع السوري العرفاتي. وقرب انعام رعد من ياسر عرفات والعلاقة بين رعد وعرفات التي استمرت إلى ما بعد انسحاب منظمة التحرير من لبنان. على الضفة الأخرى، مثل الحزب بقيادة حردان القوة العلمانية الضاربة لغازي كنعان وعبدالحليم خدام في الداخل اللبناني مع أن هذا الدور تحول بعد الطائف إلى دور الحزب المسيحي بعد انكفاء أدوار الأحزاب المسيحية التقليدية عقب خسارة الحرب.

شكل أنطون سعادة ظاهرة سياسية وفكرية قل نظيرها في المشرق العربي. فهو مفكر خارج عصره، استشرف الكثير من الأحداث وعرف عنه ثقافته وقدرته على المحاورة وتقبل الرأي الآخر إلى أقصى الحدود. سعادة حاور منتقديه داخل الحزب، وهناك عدد كبير من إرثه الثقافي مبني على رسائله لعدد من المسؤولين الحزبيين. لم يقرح سعادة فصل أو طرد أي مسؤول حزبي إلا بعد محاولات جاهدة منه لتصويب المفاهيم ومحاورة هؤلاء. المسار التاريخي الداخلي للحزب مشى عكس التطور التاريخي للأحزاب السياسية. الأحزاب والتيارات الحزبية قد تسعتمل العنف في بدايتها، لكنها تطور ذاتها كي تستمر وتحاول نبذ العنف. هذا المسار لم يكن كذالك داخل الحزب، فمن مؤسس يحاور أعضائه وقياديه إلى حزب يغتال مفكريه. التاريخ الحديث للقومي، منذ انغماسه في الحرب الأهلية، يشبه تاريخ سيطرة صدام حسين على حزب البعث والعراق في سبعينيات القرن الماضي.

شهدت الحياة السياسية اللبنانية بعد الطائف تغيراً شكلياً لنظام الحكم والأحزاب السياسية فأصبحت الكتل النيابية تتشكل في الغرف المغلقة للراعي السوري والذي كان وفياً لحردان كنوع من رد الجميل لما قدمه من خدمات خلال الحرب الأهلية. فأصبح نائباً ثابتاً ووزيراً في الحكومات المتلاحقة للمرحوم رفيق الحريري. هذا "النجاح" السياسي توج حزبياً بالمصالحة بين جناحي الحزب، مصالحة كان فيها الرابح والخاسر. طوي ملف الإنقسام الداخلي وكوفئ محمود عبد الخالق، أحد منتجي المصالحة، بأن عين وزيراً في حكومة عمر كرامي سنة 2004.

عرف حردان مبكراً دور الطلبة والشباب في الحزب القومي، واكتشف أن بشخصية شبابية كريزماتية كالمرحوم صبحي ياغي، يمكن أن يلعب دوراً أساسياً في تكوين صورة جيدة عنه بين الطلبة والشباب القوميين. فما كان منه ألا تزكية ياغي للعب دور عميد التربية ولاحقاً منفذاً عاماً للطلبة الجامعيين. نجح ياغي في مهمته، طبعاً من منظور حردان، لكن لكثيرين ممن تركوا الحزب رأي آخر، فقد أصبح ياغي "الحواس الخمسة وقرون استشعار" حردان داخل الحزب. تطور هذا الدور واصبح ياغي عميداً للداخلية (بمثابة وزير داخلية)، ومرشحاً خفياً لرئاسة الحزب بدفع من حردان بعد منحه رتبة الأمانة. حردان اكتشف باكراً السر الأساسي للسيطرة الداخلية على القومي عبر مفاتحها: هيئة منح رتبة الأمانة. سيطر حردان باكراً على الهيئة عبر مدير مكتبه كمال الجمل الذي قام بأعادة توازن داخلية عبر منح من يحسب على الحردان تلك الرتبة. للأمناء دور أساسي في صياغة دور الحزب وتوجهاته عبر انتخابات تنتج مجلساً أعلى، والأخير بدوره ينتج قيادة الحزب. كان في هذه "الديمقراطية" الخاصة دور خفي لعبد الحليم خدام الذي كلف ملف الحزب في الثمانينيات. فمفتاح المجلس الأعلى هو هيئة منح رتبة الأمانة.

شكلت وفاة صبحي ياغي الضربة ما قبل القاضية لحردان، فبوفاته خسر حردان حواسه الخمسة وكل ما راهن عليه. على الضفة الأخرى شكلت الحرب الأهلية السورية منعطفاً كبيراً في انخراط الحزب السياسي والعسكري المباشر. الحروب تنتج القادة الميدانين، وهذه الحرب انتجت عميد دفاع محبوب وصاحب كرزما. بدأ يشكل تهديداً لسلطة حردان داخل الحزب، لكن حردان لم يشعر بهكذا تهديد كون جميع القيادات الشابة محسوبة عليه. مشهد الإنتخابات اللبنانية الأخيرة شكل صدمة للقوميين، فالصوت التفضيلي عرى الحزب الذي حصل في المتن الشمالي على نصف ما حصل عليه د. شربل نحاس، رغم قصر تجربة نحاس السياسية مقارنة مع تجربة القومي في المتن. الضربة القاضية حصلت في الانتخابات الحزبية الأخيرة، حيث فشلت لائحة حردان وخسر أم المعارك في هيئة منح رتبة الأمانة. الداخل الحزبي يغلي من مثقفيه ومناضليه، الكل فرح لكن بحذر. فالقيادة الشابة الجديدة ليست بعيدة عن حردان. لكن حردان لا يتقبل الخسارة وقد بدأ سلسلة دعاوى قانونية تتهم القيادة الحزبية الجديدة بالتزوير.

لا أحد يعرف كيف سيكون الحزب القومي بتاريخه النضالي مستقبلاً، هل يستطيع الشاب الأستاذ الجامي ربيع بنات أخذ الحزب نحو المستقبل ويجمع حوله جميع من تركه؟ الحزب القومي أثبت أن مؤسسه أنتج مؤسسات قادرة على الصمود والاستمرار، التاريخ  والحاضر يقول هكذا. الأحزاب تتجدد عبر تجديد قيادتها وفسح المجال أمام شبابها، وإلا شابتها السلطوية والتراخي والتراجع.