عكست حالة الهلع والتحليل الرغبوي لوجوه وشخصيات الحكم السعودي شدة وعيهم لحجم المقامرة التي قامروها على مدى السنين الأربع الماضية وتشبثهم الأعمى بالإدارة الجمهورية لترمب. بيد أنه وللمفارقة، وبمجرد تواتر أنباء تقدم المرشح الديمقراطي جو بايدن ظهرت على السطح مقامرة أخرى شبيه من قبل خصوم حكم ولي العهد السعودي الذين ما فتؤوا بالغرق في خيالات وصول المخلص والمنقذ من عصر "دعم الإستبداد". وليظهر لنا هذا الواقع مرة أخرى حجم التمايز الشكلي بين الأطراف التي أنتجتها حالة تناقض المنظومة الحاكمة مع ذاتها منذ تسلط آل سلمان على أجنحة الحكم.

من الصائب الحديث بأن لوصول الإدارة الديمقراطية الى البيت الأبيض اليوم ارتدادات مختلفة على العديد من الملفات السعودية، خصوصاً بأن العهد السعودي وبشكل طفولي وأحمق شكل قطيعة تاريخية من توزيع مصالح بين سلال الحزبين الحاكمين، وصولاً الى التهجم الشخصي على رموز النخبة الليبرالية الأمريكية كمالك الشركة العملاقة أمازون وصحيفة الواشنطن بوست - والتي بقدرة قادر تحولت الى صوت الذين لا صوت لهم من المعارضين السعوديين - جيف بيسوس ومحاولة محمد بن سلمان شخصياً قرصنة هاتف الملياردير الأبيض.

إلا أن ذاكرتنا القصيرة يجب أن تذكر أن هذا السيناريو ليس الأول، ففي خضم الانتخابات السابقة كان الرهان والمال السعودي يصب على حملة هيلاري كلنتون، بل أن ترامب وخطابه الفاضح في حينها -وحتى بعدها- للسعوديين وأموالهم والحماية الأمريكية لهم استقطب مقامرين بأن فوزه سيشكل وبالاً على السعوديين، ولعله من المفيد هنا تذكر تغريدات الأمير السعودي الوليد بن طلال ضد ترمب والتي رد عليها الأخير يومها ولتكون احدى مآلاتها اعتقال الملياردير السعودي في فندق الريتز كاريلتون. انقلبت الصورةحينها مع فوز ترمب تحديداً بعد عملية ما أطلق عليه "حلب" لمئات مليارات الدولارات الى درجة إنقاذه "لمؤخرة" بن سلمان بعد عملية اغتيال الموظف السابق لدى العديد من الأمراء جمال خاشقجي لنصل اليوم الى التلازم المفترض الآن بين عهد بن سلمان وإدارة ترمب.

انطلاقاً من ذلك، تجب الإشارة من جديد الى أن المملكة السعودية تشكل ركناً أساس للسياسات والمصالح الإمبراطورية الأمريكية في المنطقة بل في العالم، وهي مصالح عابرة للتباينات الحزبية في قلب الولايات المتحدة. وعليه، فان مصلحة البيت الأبيض أيا كانت إدارته تقتضي الحفاظ على المملكة الأمريكية واستقرارها. فعلى الرغم من أن عملية التدوير في حكم مختلف المؤسسات والبنى الأمريكية في واشنطن لها انعكاساتها المباشرة وبشكل شبه آلي على الدول والحكومات المرتبطة بها إلا أن الإدارات الجديدة في الأخير تشكل استمرارية لجوهر سياسات سابقاتها.

وهو ما سنشهده في المرحلة المقبلة، فالخطاب الإنتخابي لبايدن الصلف ضد السعوديين ستجنى عنه خضوع وتنازلات كما حدث أبان حملة ترمب الأولى، إلا أن التنازلات هنا وان كانت ستبقي على المصالح الحيوية والمادية للأمريكيين من صفقات السلاح وغيرها ستأخذ عناوين براقة في خضم محاولة الديمقراطيين لملمة الصورة النمطية للولايات المتحدة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، لتنعكس على شكل إعادة ترتيب للبيت السعودي وضغوط للإفراج عن الناشطين المعتقلين خصوصاً حاملي الجنسية الأمريكية والعديد من ناشطات الحركة النسوية السعودية، إلا أن الصورة ليست بهذه البساطة فمنظر التنازل والخضوع هذا من قبل الحكم السعودي تاريخياً يقايض بعمليات تظهر ولو رمزياً قوة الحكم ومتانته وهو أمر يحرص عليه الأمريكيون، فحتى مع عمليات التبييض الأمريكي لصورة سياسته الخارجية فإن الحكم السعودي سيؤكد سطوته عبر عمليات بطش وقمع أو إعدام لمعتقلين تحت عناوين القاعدة أو بالتحديد تحت تهم مختلقة حول العلاقة مع إيران.

نجح بن سلمان في تصفية أجنحة عمومته بشكل ثبت به نفسه كأمر واقع، فحتى رهان خصومه خصوصاً من المعزولين من الحرس القديم المرتبط بآل نايف أو عمه أحمد بن عبدالعزيز بإعادة إحياء أمرائهم هو أمر لا يتعدى الهذيان. هذا الواقع سيجعل الأمريكيين يحاولون إعادة تأهيل صورة الأميرالسعودي عبر سياسة ما يطلق عليه العديد من مستشاري جون بايدن "الحب القاسي"، تأهيل تعد البوابة الصهيونية إحدى أبرز أبوابه المترقبة ليتنتج عن ذلك خطوات سعودية أكثر جهاراً يتصدرها أمير السلام والإستقرار في المنطقة. فخلافاً للتوقع الرائج لإختلاف الإدارات الديمقراطية عن الجمهورية في مقاربة القضية الفلسطينية فالمسألة لا تتعدى تسرع وبجاحة ترمب وتريث ودهاء أوباما والآن بايدن الذي سيبني مراكماً على مكتسبات سلفه، وليس من المصادفة تماثل التمسك اللفظي للديمقارطيين بما يسمى بحل الدولتين في ظل رعاية استمرار المشروع الصهيوني وقضمه للمزيد من الأراضي مع ذات الخطاب السعودي المتشدق بما تسمى المبادرة العربية وهو يهرول أكثر وأكثر في التطبيع.

وفي ملف اليمن، فقد سبق وقد صرح بايدن مناكفة بالسعوديين حول إيقافه لدعم "قتلة الأطفال" الا أنه وبعيداً عن الكذب الأمريكي المعهود فصمود اليمنيين جعل من الملف أكثر تعقيداً من المنظور "الإنساني" -فمتى اهتم الأمريكيون بأرواحنا-،بيد أن السيناريو السيريالي لبدء الديمقراطيين الحرب ثم بعد فشلها ينهونها بصيغة ودور صناع السلام ليس مستبعداً، ليبدؤوا على اثرها مرحلة مختلفة لتحصيل ما لم يحصلوا عليه بالحرب ولكن الآن بالسياسة عبر محاولة تحجيم أي مكتسب كسبه اليمنيون خلال تحررهم من السطوة السعودية المباشرة.

ستشكل المرحلة القادمة أكبر الدلائل التاريخية مرة أخرى لنا كشعب عربي وكشعوب المنطقة أن الحزبين الحاكمين لقيادة الإمبراطورية وجهان لعملة واحدة، فعلى الرغم من نجاح الديمقراطيين في إحالة جميع مساوئ الإمبراطورية من بعدها البنيوي الى شخص ترمب، فإن الأيام القادمة ستكشف لنا وخصوصاً فيما يتعلق بالراهانات المترفة والذليلة لأجنحة مريدي الولايات المتحدة في المنطقة خصوصاً تلك المجيشة قطرياً والمتعلقة بمآلات الحكم السعوديأن المملكة الأمريكية باقية وتؤهل للحفاظ على ديمومة دورها الوظيفي قهراً وفتكاً وخيانة لشعوبنا، لكن هل من معتبر؟!.