تعود قضية الرسومات الكاريكاتورية ذات المضمون السياسي - الاجتماعي لتفرض نفسها على الساحة الثقافية كشكل من أشكال النقد البليغ للواقع. الكاريكاتور السياسي ليس كالنكتة السياسية – على أهمية الأخيرة – بل قد يختصر رسّام حذق مضمون مقالة معقّدة برسمة تكون أبسط بكثير وأسهل في إيصال الفكرة الأساسية، بل وفي أحيان كثيرة تكون أوضح وأرسخ في ذهن القارئ العادي. وحين ينجح الرسام الكاريكاتوري في تصوير الواقع وتضمين الرسائل السياسية في أشكال وألوان يطوّعها كيفما يشاء، يصبح الكاريكاتور لغةً رمزيةً لها عالمها الخاص، شيفرةً تستجلب سخط المغرومين بطوابير المصفّقين لهم في المحافل والمطبّلين لهم "على عماها". كما أنّ هذه الشيفرة تفتح شهيّة كلّ هاوٍ فكّ الرموز، كلّ مستكشفٍ للعقل البشري وابداعه، يبحث عنها ليرى كيف صوّر أحدهم حدثاً ما أو واقعاً أو حالة معقّدة بصورة يتيمة. يحبّ الإنسان البلاغة وينجذب لها، وإذا قبلنا أن نعرّف البلاغة بـ"ما قلّ ودلّ"، فسيكون الرسم الكاريكاتوري بلا شكّ من "خير الكلام".

ولكن في الآونة الأخيرة، برزت قضية الرسومات من زاوية شكّلت مزجاً بين الإسلاموفوبيا والكزينوفوبيا وحريّة التعبير عن الرأي، في المسلسل الأخير من رسومات شارلي ايبدو الفرنسية، والذي لم يكن الأوّل طبعاً، سواءً في شكل الفعل ومضمونه، أم في شكل ردود الفعل ومضمونها. وفي الوقت الذي تقاتل فيه الدولة الفرنسية على الجبهة الداخلية وتستعدّ لمواجهة مشاعر مئات آلاف المسلمين الفرنسيين الذين رفضوا الرسومات المسيئة لنبيّ الإسلام واعتبروها إهانة لهم، وتصرّ حكومة ماكرون على أنّ حريّات التعبير مقدّسة ويجب بذل التضحيات للحفاظ عليها ويتضامن معها الغرب والشرق، لا يبدو أنّ المعيار في تقديس الحرية الإعلامية واحدٌ عند مهندسي تمثال الحرّية الجوفاء.

كارلوس لطّوف، رسّام كاريكاتوري برازيلي ينتمي إلى عائلة من أصول لبنانية، تعرّض للعديد من الهجمات من قبل جهات دولية وصل بها الأمر إلى تصنيفه ضمن لائحة "معادي السامية"، اغتيال مهنيّ لكلّ من يطمح أن تشتهر رسوماته وتعرض في كبريات الصحف والمجلات العالمية، كلّ ذلك بسبب تعاطفه مع القضية الفلسطينية من على بعد آلاف الكيلومترات. قامت الخندق بإجراء مقابلة مع الفنان والرسام الكاريكاتوري كارلوس لطّوف لسؤاله عن بعض تفاصيل مهنته وحياته وأفكاره السياسية.

 يقول لطّوف عند سؤاله عن كيفية تعرّفه إلى الشرق الأوسط وقضاياه: "قمت بزيارة إلى المنطقة. كانت الرحلة إلى الضفة الغربية في عام 1998 نتيجة لمحادثات غير رسمية عبر البريد الإلكتروني مع منظمة لحقوق الإنسان في رام الله تسمى المركز الفلسطيني للسلام والديمقراطية. في ذلك الوقت كنت مبتدئاً في الرسوم الكاريكاتورية السياسية وكان فهمي لسياسات الشرق الأوسط، وخاصة فلسطين، محدوداً للغاية بطبيعة الحال. هذه الزيارة إلى الأراضي المحتلة فتّحت عينيّ ليس فقط على الفصل العنصري الذي يمارسه الإسرائيلي بحقّ الفلسطينيين ولكن أيضاً على عواقب الإمبريالية الغربية والاستعمار وكيف تظهر في هذه المنطقة من العالم، بعد أن كان لي تجربة مع آثارها في أميركا اللاتينية".

بعد أن تمّ اتهامه من قبل الصهيونية بمعاداة السامية، رسم لطّوف نفسه وهو يقلّد وساماً إلى جانب العديد من الذين سبقوه إلى هذه اللائحة من الفنانين والرسامين. لا يخفي لطّوف عداءه للأميركيين والإسرائيليين وسياساتهم الإمبريالية في رسوماته، ليس فقط في حدّة رسالتها، ولكن أيضاً في طبيعة المواضع التي يختارها لرسوماته من حول العالم وتكون غالباً سبباً لتعريف جمهوره بهذه القضايا التي تحصل في آسيا وأفريقيا وغيرها وتكون مهمّشة في الإعلام العالمي. "معاداة السامية هي بالتأكيد ظاهرة حقيقية. كراهية اليهود تاريخية وملموسة. ومع ذلك، فإنّ التلاعب السياسي بقضية معاداة السامية لغرض حماية دولة "إسرائيل" واضح، حيث يقدّم الإسرائيليون أمام الرأي العامما يعتبر انتقادات صحيحة للفصل العنصري الإسرائيلي على أنّها كراهية لليهود. كان هذا النوع من الإستراتيجية أكثر وضوحاً خلال حكومتي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ أسبوعين وإعلانه أن "معاداة الصهيونية هي معاداة السامية"، بهدف تجريم حملات المقاطعة ضدّ الفصل العنصري الإسرائيلي والتي تدعو لمقاطعة البضائع المنتجة في المستوطنات بشكل أساسي. هذا ما يحاول الأميركيون والإسرائيليون تثبيته في أذهان الناس ولا سيما في أوروبا وأميركا، وعلى كلّ حال فإنّ تحمّل الهجمات عليّ جزء من عملي كرسام كاريكاتور سياسي".

 

وكان لا بدّ من سؤال عن الوضع الراهن للصراع: أمام الواقع الفلسطيني المتشرذم اليوم من جهة، وموجة التطبيع العربية مع الاحتلال من جهة أخرى، ألا تعتقد أنّ الأمر بات صعباً على من يريد مناصرة القضية الفلسطينية من الخارج،وهل تعتقد أن التطبيع سينهي القضية الفلسطينية؟

"طالما بقي فلسطيني واحد على قيد الحياة، سواءً في الضفة الغربية أو غزة أو في مخيّمٍ للّاجئين أو في أيّ مكان في العالم، فإنّ القضية الفلسطينية ستبقى حية. إنّ تطبيع بعض الدول العربية، خاصة تلك الموجودة في الخليج، هو نوع من الخيانة صحيح ولكنها معروفة بالفعل لدى الفلسطينيين منذ زمن. ليس جديداً أن تُدير بعض الدول ظهورها للفلسطينيين، بل وإنّ بعض الدول الأخرى تتظاهر بالتضامن والتعاطف مع فلسطين وتستثمر في الأمر سياسياً في حين أنّها تقوم بعقد الصفقات التجارية مع إسرائيل، مثل أردوغان في تركيا".

  • ماذا عن فلسطين في أميركا اللاتينية؟

"أعتقد أنه في خطاب اليسار البرازيلي سيبقى موضوع فلسطين حاضراً دائماً. لكنّي أرى شيئاً مثيراً للاهتمام حدث مع انتخاب جاير بولسونارو رئيساً للبرازيل. بولسونارو ليس فقط دمية في يد دونالد ترامب، ولكنّه أيضاً صهيوني متملّق، والشيء الذي طالما قيل وحذّرت منه الحركة المؤيدة للفلسطينيين هنا أصبح الآن أكثر وضوحاً من أيّ وقت مضى عند البرازيليين: يدعم بولسونارو اليمين المتطرف لإسرائيل. كما أنّ الفاشيين اليوم في البرازيل يخرجون إلى الشوارع حاملين أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل. لا يمكن لأحدٍ إخفاء آثار الصراع في الشرق الأوسط على داخل الكيان البرازيلي بعد الآن. لقد أصبحت الساحات متداخلة، وإسرائيل هي نظام فصل عنصري وهي تكسب بذلك تعاطف الفاشيين في جميع أنحاء العالم".

نادراً ما ستصادف ناشطاً في القضية الفلسطينية لا يعرف كارلوس لطّوف، ولا شكّ أنّ العديد من الناس استخدموا رسوماته في مظاهراتهم ووقفاتهم الاحتجاجية واعتصاماتهم حتى دون أن يعرفوا من هو صاحبها، وهذا يدلّ على أنّ هذه الرسومات تختصر مطالبهم وتمثّل أفكارهم. يفرح لطّوف كثيراً بأن يرى رسوماته مطبوعة على لوحات كرتونية وتستخدم من قبل الناشطين كأدوات للنضال الاجتماعي من اجل تحقيق العدالة.

يقول عن طبقته الاجتماعية التي يرى أنّه ينتمي إليها: "أنتمي إلى فئة الفنانين ذوي الضمير! هذه طبقة لها مميزاتها وتستحقّ أن يفرد لها مكان خاص. لقد وُلدت وترعرعتُ في بلد من العالم الثالث مثل البرازيل، وهنا نتعلم كيف ندبّر أمورنا المالية وندير حياتنا حتّى لو لم نعمل في الشركات الرأسمالية الكبرى، وهذه نصيحتي لكلّ الفنّانين الكاريكاتوريين:

تجهّزوا للأسوأ. الأنظمة الاستبدادية التي تملأ العالم اليوم تكره رسامي الكاريكاتير السياسيين. إذا قرّر أحدكم أن يصبح رساماً كاريكاتورياً، فليقم بالمخاطرة وليتقدّم بكلّ شجاعة. لا أحد يعيش إلى الأبد في هذا العالم. إنّ ما يهم حقّاً هو إرثك."

(أجرى المقابلة وحرّرها هادي حطيط)