عقب الأزمة الأخيرة التي ولدتها إعادة نشر الرسوم المسيئة لرسول الله (ص) من قبل مجلة شارلي ايبدو الفرنسية، وما استتبع ذلك من ردود فعل، اختار الرئيس الفرنسي أن يخرج عبر قناة الجزيرة الفضائية ليخاطب العرب والمسلمين الغاضبين من الرسوم ومن تصريحاته التي أعدوها مسيئة لهم ولدينهم. استوقفني الكثير من كلام ماكرون حول استغرابه واستهجانه من العداء الذي يكنه الجيل الجديد الذي لم يشهد حقبات الاستعمار، وغيرها من المغالطات الكثيرة التي وردت – وليس المجال هنا للوقوف عندها – ولكن أكثر ما أثار حفيظتي واستيائي كان السؤال الأخير الذي ختم فيه المحاور الأستاذ عياش دراجي حواره مع الرئيس الفرنسي: "هناك حجر في البناء الثقافي بين فرنسا والعالم العربي وهو حجر رشيد الذي اكتشف عام 1799 على يد الباحث الفرنسي جان فرنسوا شامبليون، هذا المثال من العلاقات كيف يمكن تعزيزه مستقبلاً".

من الغريب حقاً كيف ذهب مراسل الجزيرة في باريس، ابن الجزائر، إلى واحدة من أبرز مظاهر الاستعمار الأوروبي (سرقة الآثار) ليعتبرها حجراً في البناء الثقافي بين فرنسا والعالم العربي. وحجر الرشيد هذا لمن لا يعرف، مستقر الآن في المتحف البريطاني في لندن، بعد أن سيطرت عليه بريطانيا بعد انتصارها على فرنسا، كواحدة من غنائم الحرب، عام 1802، إذا أن شامبليون الذي قدم مع علماء حملة تابليون بونابرت، سلم هذا الحجر لسلطات بلده التي اعتبرته ملكا لها حتى خسرته فيما بعد.

وتعتبر قضية الآثار المنهوبة اليوم، واحدة من العوائق الأساسية التي تواجهها الأمم المتحدة والدول المستعمِرة في سياق محو تاريخ الاستعمار وتصحيح أخطائه (هذا إن صدق المسعى حقاً). ففي العام 2007 بدأت الأمم المتحدة حواراً انطلاقاً من المادة 11 من إعلانها بشأن الشعوب الأصلية، الذي حث الدول على إعادة "الممتلكات الثقافية والفكرية والدينية والروحية المأخوذة من الشعوب الأصلية دون موافقتها الحرة والمسبقة والمستنيرة، أو انتهاكاً لقوانينها وتقاليدها وعاداتها". وبناءً عليه بدأت الدول صاحبة الآثار المبعثرة في متاحف العالم بالمطالبة بتاريخها، ففي عام 2009 طالبت مصر متحف اللوفر بإعادة خمس قطع من لوحة جدارية من ضريح "تيتاكي" (أحد نبلاء الأسرة الفرعونية ال18)، وفي العام 2012 طلبت نيجيريا إعادة 32 قطعة من متحف الفنون الجميلة بمدينة بوسطن الأمركية نهبها الجيش البريطاني خلال غارة على قصور أبومي الملكية عام 1897؛ وكذلك عام 2016 قدم رئيس بنين طلباً رسمياً إلى وزارة الخارجية الفرنسية لإعادة القطع التي أخذت خلال الاستعمار الامبريالي، وأيضاً قدمت نيجيريا طلباً آخراً عام 2017 للمتحف البريطاني في لندن لإعادة قطع بنين البرونزية الشهيرة.

وطبعاً هذه الطلبات وغيرها الكثير لم تلق التجاوب المطلوب حيالها، فلم يعد سوى بعض القطع الصغيرة، إضافة إلى إعادة فرنسا لرؤوس قادة الثورة الجزائرية العام الحالي إلى موطنهم حيث سفحت دماؤهم في مواجهة الاستعمار الفرنسي، الذي قطع رؤوسهم وعرضها كتحف في متحف للأحياء في إحدى ضواحي باريس.

ليس الأمر فقط في الماضي، ولا يتعلق بتصحيح أخطاء الاستعمار، فلا زالت مناطق التوتر والحروب سواءً في العالم العربي والإسلامي أو في الدول الأفريقية مسرحاً لعمليات السرقة والنهب الممنهج، ففي ألمانيا مثلا، نشرت المؤسسة الثقافية الفيدرالية تقريراً يظهر أن 98% من القطع الأثرية القادمة إلى ألمانيا من شرقي البحر المتوسط هي أعمال مسروقة تم تهريب معظمها من سوريا والعراق بين 2015 و2018، إضافةً إلى تحقيق أجراه موقع live science إلى أن حوالي 100 قطعة هربت منذ عام 2011 من اليمن، وبيعت في الولايات المتحدة والإمارات وأوروبا، وفي العام 2018 أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية أعمال الحفر والتنقيب غير الشرعية عن الآثار التي تقوم بها القوات الأمركية والفرنسية والتركية في كل من منبج وعفرين وإدلب والحسكة والرقة، وغيرها من المناطق الواقعة تحت احتلالها. كما ضم متحف كواي برانلي الفرنسي وحده حوالي 70 ألف قطعة أثرية أفريقية جديدة.

وبالعودة إلى مراسل الجزيرة، للأسف إن انعدام الحمية هذا لتراثنا وتاريخنا، لا يقتصر عليه، فسعياً للثروة والأموال يبدد تجار الآثار ثروات قومية عظيمة، تذهب لسوق السوداء ما يجعل تعقبها أمراً بالغاً في الصعوبة.بل وحتى الجهات الرسمية المؤتمنة على هذا الإرث والمعنية بالحفاظ عليه، نراها تتعامل معه كسلعة تجارية تربح وتتكسب من خلاله أموالها وتشيد قصورها.

ففي العام 2005 على سبيل المثال وافق رئيس المجلس الأعلى للأثار المصرية آنذاك الدكتور زاهي حواس على تنظيم معرض للملك توت عنخ أمون خارج مصر، ولكن بالاتفاق مع شركة استثمارية خاصة، فتم الاتفاق على مع شركة أكزيبيتش أنترنشنال لمالكها جون نورمان في ولاية فلوريدا، ولم تكشف الحكومة المصرية ريع إعارة القطع الأثرية، ويرجح بعض المراقبون أنها لم ربما لم تجن شيئاً منها.

وفي العام 2010 عاد د. حواس، ونورمان ليطلقا جولة أخرى، ولكن للمكلة نفرتيتي هذه المرة، وفي أثناء العمل على المعرض الجديد اغتت ثورة يناير 2011 الجميع، وأقصي حواس من ميدان التحرير ووصف بـ "مبارك الآثار"، وعزل من منصبه، وقررت المحكمة المصرية عدم شرعية قراره بالسماح لآثار كليوبترا بالمشاركة في تلك الجولة في الخارج، ولكن كانت الأثار قد شحنت إلى أوهايو بالفعل فأمرت المحكمة بإعادتها بأسرع وقت ممكن. ومرةً جديدة لم تقدم وزارة الآثار أي مستندات رسمية تفيد استلام الجانب المصري لمستحقاته حتى الآن.

بعد إقالته عام 2011 لم يتبوأ حواس أي منصب رسمي آخر وعمل مع شركة أركيولوجيكال باثس المتخصصة بتنظيم رحلات سياحية لكبار الشخصيات إلى الأهرامات المصرية. وفي العام 2017 بدأ يتحدث عن جولة جديدة لتوت عنخ أمون.

وبالفعل تمت الصفقة التي اعتبرها بعض القانونيين في مصر بأنها غير قانونية، فالقانون المصري لا يسمح بالتعاقد مع جهات الخاصة فيما يتعلق بتنظيم المعارض الخارجية،كما يمنع إخراج النسخ الفريدة (أي التي لا يوجد لها نسخ عنها) من مصر.

وليست هنا الطامة الكبرى، إنما بالإعداد لبناء المتحف المصري الكبير الذي يجب أن يفتتح عام 2021 ليكون أكبر متحف آثار في العالم، وفي خضم التحضير لوضع اللمسات النهائية على المتحف، تم إخراج مجموعة توت عنخ أمون منه في جولة خارجية،ما يشكل استهداف حقيقي ومباشر له. وهو ما لفت إليه اللواء عاطف مفتاح المشرف على بناء المتحف،فأرسل خطاباً إلى وزارة الآثار في كانون الأول 2017اعترض فيها على الجولة التي"ستضر بالمتحف الجديد وتخفض إيراداته" طالباً إعادة النظر في قائمة القطع الأثرية المزمع سفرها، فردت الوزارة بالموافقة على الجولة شرط أن تعود المقتنيات قبل افتتاح المتحف عام 2021، ولكن الموافقة الحكومية للجولة مستمر للعام 2024 أي سيفتتح المعرض ومقتنياته تعرض في الخارج.

واليوم تشهد مصر طفرة حقيقية من الاكتشافات الأثرية، والتي يتم الإعلان عنها باستمرار، وآخرها اكتشافات منطقة سقارة بالهرم، والكشف عن ما يزيد من 100 تابوت مغلق من العصر المتأخر الأسرة الـ26 إلى جانب 40 تمثالا لمعبودات وأقنعة ملونة ومذهبة،ما يعد الاكتشاف الأضخم في العالم في 2020. والذي أتى بعد الكشف الأخير عن 59 تابوتاً آدمياً ملوناً، وبداخلها مومياوات في حالة جيدة من الحفظ لكبار رجال الدولة، والكهنة من الأسرة نفسها.

ولكن أي نفع حقيقي ستقدمه هذه الاكتشافات كلها لأمة رغم كل ما تملكه من أصالة تاريخية وعراقة حضارية، تنظر لنفسها نظرة الدونية لليوم أمام المستعمر الأوروبي ومن ثم الأميركي، وأي أثر ستتركه لأجيال وأمم قادمة؟

كان حجر الرشيد مثالاً على لصوصية فرنسا، وكنوزنا المصففة في خزائن متاحف اوروبا والولايات المتحدة شهوداً على تلك اللصوصية.