كثيرون من جماهير نابولي، كانوا يذهبون إلى مقابر المدينة ليخاطبوا الأموات بالقول: "يا لحظكم التعيس أنتم لم تشاهدوا مارادونا". رود غوليت لاعب سابق في المنتخب الهولندي.

***

لا يحتاج مارادونا منا إلى الكثير لنؤكد ما بتنا نحفظه حول هذا الرجل عن ظهر قلب. أسطورة، مبدع، مهووس بالكرة حد الجنون، ساحر في الملاعب وصاخب خارجها. حسناً تلك مسائل بديهية بالنسبة لمن عرفه ومن لم يعرفه إلا لماماً. لا تكمن أهمية مارادونا في ما فعل أو في ما عرفناه عنه. للرجل أهمية سياسية، بالنسبة لنا نحن العرب أقله، تتجاوز حتى مواقفه السياسية. لقد عاش مارادونا وسطع نجمه في احدى أكثر حقب الرأسمالية أهمية. للبعيدين عن مقاربات التاريخ السياسي والثقافي، تجمع الكثير من الدراسات التاريخية الحديثة على كون حقبة الثمانينيات والتسعينيات من أبرز محطات تاريخنا السياسي أهمية. دايفيد هارفي نفسه، في كتابه عن حالة ما بعد الحداثة يكاد يجزم بكون السبعينيات والثمانينيات من الأهمية إلى درجة تجعلها بمصاف العقدين الثامن والتاسع من القرن الثامن عشر. عقدي الثورة الفرنسية وما تلاها من تغير سياسي واقتصادي وثقافي في أوروبا والعالم بأسره. ليست كتابات هارفي ما يعنينا الآن. بل أثر مارادونا في عقدين لهما الكثير من الأثر في بناء السرديات الثقافية والسياسية اليوم.

أهمية مارادونا، ستزداد إذا ما قورنت تجربته –مثلاً- بلحاظ إسهام كل من جيل دولوز وبيير غاتاراي في نقدهما الحداثة والرأسمالية. في كتابهما الشهير "ألف ربوة" أو ما بات يعرف في ما بعد بـ"الرأسمالية والشيزوفرينيا" يتوقف الرجلان عند الرأسمالية وأثرها في ولادة نظام علم النفس العيادي. إن من مصلحة الرأسمالية المعاصرة الفصل بين "الرغبة والإنتاج" يقولان، للرأسمالية مصلحة في الفصل بين المجال الخاص والمجال العام. يضع النظام الرأسمالي الرغبة في المجال الخاص أما الإنتاج فهو نظير المجال العمومي (المعمل والمدرسة والشارع، كلها مجال للعمل لا الرغبة). تعلم الرأسمالية أن التحليل النفسي يحقق لها الكثير. وهي تدرك أن الرغبة تهدد الإنتاج، فقونَنَت الأمر وضبطته من خلال نظام العيادة النفسي. هذا ما يفسر ربما ولادة علم النفس العيادي كعلم رأسمالي. إن ما يهم الرأسمالية هو آلة الإنتاج. وهذه الآلة قد تكون يدك أو قدراتك العقلية والحسابية أو حتى إمكاناتك الجسدية. أما الحديث عن رغبات من قبيل (اللعب، الحلم، الحب، الفن) فلا مكان لها في النظام الرأسمالي. لذا تقوم الرأسمالية بتحجيم الرغبات وتهميشها، أو حتى اقصائها. مرة جديدة ليست كتابات دولوز ولا غاتاراي ما يعنينا في هذا المقام، بل مارادونا نفسه بلحاظ كتابات الرجلين.

كتاب "ألف ربوة" أو "الرأسمالية والشيزوفرينيا"، قد يكون العنوان الأصلح لاستقراء حياة مارادونا خلال عقدين شهدا صعود كل من مارجاريت تاتشر في بريطانيا، ورونالد ريغن في الولايات المتحدة؛ أي صعود أقصى مراحل الجشع الرأسمالي (النيوليبيرالي) في التاريخ الغربي، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي، وظهور فلسفات نهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية الأميركية.

أما إيطاليا، البلد المنشأ للظاهرة مارادونا - لا اللاعب فحسب -، فقد تُركت لما بات يُعرف في الأدبيات السياسية بـ"سنوات الرصاص". هي لم تكن ضمن أولويات برامج إنفاق الناتو. ولمن لا يعلم، كان الاقتصاد الإيطالي قد تضرر بفعل ارتفاع أسعار النفط في السبعينيات، والتخمة العالمية في صناعة الصلب، والتي أدت بدورها إلى تدمير الصناعة في الجنوب الإيطالي بشكل كامل. مدن من مثل نابولي، أو باليرمو، كانت متروكة لنشاط جماعات الاقتصاد الرديف. عرفت تلك المدن كل أنواع الأنشطة الاقتصادية السوداء. الإتجار بالبشر الآتين مما وراء بحر إيجه (البلقان)، المخدرات العابرة للحدود في المتوسط، المهاجرين على اختلاف ألوانهم وأعراقهم، كلهم وجدوا في الجنوب الإيطالي ضالتهم. هنا يسجل لمارادونا أنه أربك المنظومة الجديدة للنيوليبيرالية، أو نظام القسمة الاقتصادي في أيطاليا في تلك المرحلة. فترة وجود مارادونا في نابولي، أصبح جميع سكان نابولي يحبونه ليس بسبب البطولات التي جلبها لهم فحسب، بل لأنه أخرجهم من حالة الفقر. لقد كان رهان رئيس نادي نابولي كورادو فيرلاينو عام 1984 في محله، عندما حاول إقناع عمدة المدينة بأن مدينة في الجنوب قادرة على منافسة اقتصاديات "الجمهورية الثالثة" (في إشارة إلى مدن شمال إيطاليا المنخرطة في الاقتصاديات النيوليبيرالية) من خلال الاستثمار في الموهبة. موهبة مارادونا، أعادت خلط أوراق اقتصاد نابولي والجنوب الإيطالي بأسره. لقد أبدعت الموهبة في مواجهة النيوليبيرالية، وأعادت التوازن ولو بشكل عابر لتوازن الاقتصاد الإيطالي، فترة رئاسة أمنتوري فانفاني للحكومة اليمينية.

***

في الميثولوجيا الثقافية للرأسمالية المعاصرة، ثمة دور محوري للإنسان البورجوازي. كل أدبيات السينما، الدراسة، الفن، وحتى الأكل، معدة من أجل أن يرى الناس في البرجوازي بطلاً أو غواية ملهمة. فهو وحده القادر على صنع الحاضر وسحق الماضي. وقد يكون من الصعب علينا تأمل انحياز لغة السوسيولوجيا الغربية نفسها، وكيف أنها لم تجد دالاً مفرداً لابن "الطبقة الوسطى"، على عكس البرجوازي. نحن نقول "بورجوازي"؛ نحدده، نشخَص بأبصارنا إليه. ونقول ابن الطبقة الوسطى؛ الأخير لا قيمة له بذاته، ليس له وصف، إنه ابن طبقة فحسب.

أما في منطقتنا، حيث لم تر مجتمعاتنا من الرأسمالية وحذلقة النظريات السوسيولوجية غير الطائرات والبوارج، فقد استولدت هذه المجتمعات نمطاً من "الثقافة المضادة" لمواجهة الثقافة الرأسمالية. في منطقتنا، تقرن الناس البرجوازي صاحب الأموال والحياة الرغيدة بجملة سمات: التفاهة، بلادة التفكير، الاستغلال، والطُفيلية أيضاً. فيما يمنح فقراؤنا الفنان الثوري كل ما هو تلقائي وحر وبهيج وذكي. مارادونا كان جزءاً من حصانة الثقافة المضادة. كان شاهد الفقراء على التلقائية، الحرية، البهجة، الذكاء. كان مثالاً شاخصاً على أن "الحياة لا زالت ممكنة". بالله عليكم قولوا لي" في مواجهة صواريخ كروز المنطلقة من حاملات الطائرات لضرب بغداد عام 1990،  و"تعريص" القادة العرب في مؤتمراتهم، وتواطؤ منظمة التحرير بعد اجتياح عام 1982، من كان يؤنس وحشة الجدران المزينة بصور الشهداء والرصاص في بيروت غير "حلم" مارادونا؟ مارادونا فكرة، وصحيح الفكرة لا تموت. أكره استعادة مثل هذه العبارات التي صارت ممجوجة من كثرة ما استخدمت، لكني أعي أنه لولا مارادونا لم يكن مثل هذا القول قابلاً للتصديق. ربما أفصح محمود درويش عن مارادونا بأفضل ما يمكن لنا أن نصفه في هذا المقام:

له وجه طفل، وجه ملاك/ له جسد الكرة/ له قلب أسد/ له قدما غزال عملاق/ وله هتافنا: مارادونا.. مارادونا، فنتصبب اسمه عرقاً.

... إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصباً لعارها في الفوكلاند. سيتوقف الشعور القومي عن الرقص، وستربح انكلترا المغرورة الحرب مرتين. ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة. مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين. وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا في أفراح الماضي.. الماضي البعيد.

... ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟ ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟

الفرد، الفرد ليس بدعة في التاريخ.

يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟.