حوار مع رئيس الحكومة: تحرير محمد مهدي عيسى

***

قد تكون حكومة حسان دياب واحدة من أفضل نماذج مصير "التغيير من داخل النظام" ومآله. فمن خلال تتبع وإحصاء العقبات والأزمات التي اختبرتها، والتحولات في آمال "الإصلاح" التي انحدرت من "الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد" واستعادة الأموال المنهوبة، إلى الإعلان عن تفوّق منظومة الفساد على الدولة في خطاب الاستقالة، يمكننا فهم الكثير.

لقد ولدت الحكومة في أصعب الظروف وانتهت في أصعب الظروف، فيما كانت حياتها القصيرة تبياناً للشراكة العميقة بين أطراف "المنظومة"، وتعاونهم الخفي/الواضح حين يقترب سياسي من الخطوط الحمر التي رسمت خلال ثلاثة عقود على الأقل. لقد تكتلت الأطراف المختلفة ضده في سبيل إسقاط مشروعه وأهدافه أولاً، ثم "إسقاطه حرفياً" ثانياً، أي إبعاده عن لعبة السياسة، بل وتشويه تاريخه السياسي والسعي لضمان عدم تكرار تجربته بعد تحويلها إلى ذكرى سيئة.

في لقائه مع "الخندق"، يوضح رئيس الحكومة المستقيل كيف "خُذلت" حكومته من أطراف متعددة داخل وخارج الحكومة. لم تتلق الحكومة أي دعم من ساحات الحراك الشعبي، أو لنَقُل بصيغة أخرى، خُذلت الحكومة من الحراك "الذي جرى التأثير عليه لاحقاً من قبل أطراف خارجية"، خاصةً في الملفات التي كان المتظاهرون يطالبون بها، كمحاسبة حاكم مصرف لبنان، ورفع السرية المصرفية، والتدقيق المالي، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. في الآن عينه خُذلت الحكومة من بعض الحلفاء داخل الحكومة نفسها، الذين لم يسهموا في إنجاح المهمات التي لا تحتمل التأجيل، أو لم يسهموا في دعم الحكومة بصلابة في الظروف الاستثنائية التي مرّت بها.

كثيرة هي الشواهد على مواجهة دياب "للمنظومة" المستحكمة فساداً في لبنان من مختلف الأطراف والتوجهات. يكفي أن نعي آلية تنسيق بعض الوزراء مع حاكم مصرف لبنان في تعطيلهم جهود الحكومة لنتلمس حجم العوائق التي أحاطت عمل الحكومة. حتى في مشاريع صغرى، كالدعم الذي اقترحه الرئيس دياب لأهالي الطلاب في المدارس، كانت جلسات رئيس الحكومة مع كل من وزير المالية وحاكم مصرف لبنان أشبه بجلسات "حوار الحلقات المفرغة". يوافق وزير المالية على شيء، ويهز الحاكم برأسه موافقاً ومثنياً. ثم يخرج الإثنين ويتفقان على تعطيل المشروع بحجج واهية. هكذا هي السياسة في لبنان. "كنت أتوقع أن أواجه من قبل خصومي السياسيين، هذا أمر طبيعي" يقول دياب، "لكني لم أتوقع أن أُطعن من قبل الحلفاء والقوى المشاركة في الحكومة نفسها" يضيف.

لا يشعر دياب بالرضا عن كامل نتيجة الأشهر السبعة التي قضاها في السرايا الحكومي كرئيس، لكنه يجد السلوى في مسألتين: الأولى أنه أتى إلى السرايا عالماً بأن عقبات هائلة ستعترضه؛ وهو القادم من العالم الهادئ والمنظم للجامعات وهندسة الحواسيب إلى فورة الحكم والشارع. والثانية أنه استطاع أن يربك منظومة الفساد، التي سعت إلى إسقاطه ثلاث مرات ولم تنجح إلا في المرة الرابعة عند تفجير المرفأ.

هناك نقطة أخرى ربما لم تولَ اهتماماً كافياً عند الحديث عن تجربة حكومة دياب القصيرة والمليئة بالتحديات الخطرة والقاتلة (الدين العام، الأحداث الأمنية، فيروس كورونا، انفجار المرفأ)، وهي إعادته لموقع رئاسة الحكومة بعضاً من الكرامة والاستقلالية (لنتذكر بيان الاستقالة المذل للحريري في الرياض) من خلال ترسيم حدود واضحة بين "الشراكة" والتعاون مع الدول الأخرى، ودفعه الإملاء والتدخّل الذي يتخطى الأعراف الدبلوماسية بل السيادة نفسها. لا ننسى ضغط الولايات المتحدة الأميركية لإعادة تعيين محمد بعاصيري نائباً لحاكم مصرف لبنان، فعارض الرئيس دياب بالقول إن هذا الأمر يتعلق بالحكومة. كان صلباً في تجنّبه الرسائل المتكررة التي كانت تصله كما كانت تصلهم رؤساء الحكومات السابقين، والذين كانوا يجدون في سعد الحريري مثلاً، أفضل ما يرغبون به لفرض شروطهم وإملاءاتهم. "أنا لست سعد الحريري لأنفذ تعليماتك" قال دياب لوزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان خلال زيارته لبنان في تموز الماضي. أما دوروثي شيا فقد "لزمت" حدودها الدبلوماسية الطبيعية، بعدما وعت طبيعة الرجل الذي يترأس الحكومة في القصر الحكومي.

لكن هذه الاستقلالية – التي تعززها ثقة الرجل بنفسه - لا تنفع مع ممثلي الدول الذين اعتادوا على ممارسة دور الوصاية، وهذا ما يبرر بالإضافة إلى أسباب أخرى، تحوّل الحكومة إلى هدف للرماية السياسية والإعلامية، بدءاً من وصفها بـ"حكومة حزب الله" وما يعنيه ذلك من حظر المساعدات المالية عنها وحتى استهداف رئيسها ووزرائها بشكل مباشر وشخصي من قبل إعلام السلطة/الثورة.

يقول دياب أنه وعند لقائه وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، سأل الرئيس دياب: لماذا تصفون الحكومة بأنها حكومة حزب الله، وأنتم تعرفون أنها ليست كذلك!، بينما كان الحزب ممثلاً في الحكومات السابقة ولم تصفوها بهذا الوصف؟ أجاب هيل قائلاً إن الوصف هو وصف "سياسي"؛ أي أنه لا يعبّر عن حقيقة بقدر ما يهدف إلى تحجيم الحكومة و"تشويه" صورتها.. بمعنى آخر: إفشالها.

يؤكد دياب أن علاقته اليوم بالأميركيين جيدة وعلى أفضل ما يُرام، لكن هذه العلاقة قائمة على أسس من الاحترام المتبادل. لا تخلو "دهاليز" القصر الحكومي من الشواهد والاختبارات اليومية لسيادة الدولة.

لكن الإعلام اللبناني كان أكثر وقاحةً في التعاطي مع الحكومة ورئيسها، مرةً من خلال إقصائها عن المشهد العام ثم تحميلها أعباء عقود من النهب المنظم، وأخرى عبر شنّ هجوم عليها وصل بشخص كمارسيل غانم، الذي تربطه صداقة متينة بكل أعمدة النظام ورموزه، حدّ رفع شعار "ارحل يا حسان" ووصف إنجازات الحكومة بـ"التافهة". فيما ظلّ دياب مكتفياً بـ"الصمت المدوي" وفق قوله، لأنه يعرف أن الإعلام خاضعٌ بمجمله لما يصفه بـ"سياسة النفاق" في لبنان.

راهناً، يرى دياب أن أفق تشكيل الحكومة الجديدة غير واضح، ولا شيء يوحي بالتفاؤل في أن يباشر الحريري العمل بدلاً عنه. هو لا يُخفي حماسه لتشكيل حكومة تريحه من الإنهاك المضاعف بعد بدء حكومته بتصريف الأعمال، خاصةً وأن من كان بالإمكان إلزامه سابقاً ببعض الأمور، صار يراهن على فوات مدة الحكومة، بل ويبتز أطرافاً فيها من أجل ممارسة المهام الرسمية. أحد مصادر السرايا، يذكر بهذا الشأن لـ"الخندق"، كيف أن حاكم المصرف المركزي طلب، في وقت سابق، من بعض أطراف الحكومة ومَن يمثلون، أن يكفوا عن مهاجمته، مقابل صرف الأموال اللازمة لإزالة النفايات عن ضواحي بيروت.  

ليست حكومة دياب أفضل الممكن بالطبع، وربما كان على الأكفاء فيها أن يكونوا أكثر شراسةً في الدفاع عن موقفهم والذهاب بعيداً في مصارحة الرأي العام بما يثنيهم ويعرقلهم في متاهات اتخاذ القرار، لكن ذلك لا يعني أنها لم تكن من أقل الحكومات فساداً وأكثرها استعداداً للمخاطرة (يكفي أن تطرح استقالة سلامة ومسألة التوجه إلى الصين لنتلمس بعضاً من جدية توجهاتها)، وأن رئيسها الذي يقول إن حكومته استلهمت من شجاعة إميل لحود ونزاهة سليم الحص الكثير، لم يحتفظ لنفسه بأكثر من قول مأثور - لطالما ردده الحص طوال سنين حياته -: يبقى المسؤول قوياً حتى يطلب شيئاً لنفسه. قد نختلف في تقييم تجربة دياب، وأشهر حكومته الصعبة؛ لكنه وللانصاف يظل قوياً؛ فهو ببساطة، لم يطلب شيئاً لنفسه.