تتهيأ وكالات منظمة الأمم المتحدة لنزوح حوالى مئتي ألف أثيوبي إلى السودان خلال الأشهر الستة القادمة في ظل تقاطع تقارير دولية تشير إلى أن الصراع الدائر شمال أثيوبيا قد لا ينتهي قريباً حتى لو انتصرت قوات أديس أبابا بل قد يتطور إلى حرب استنزاف وحشية طويلة الأمد في منطقة هشة سياسياً تهدد استقرار شرق أفريقيا ككل، وقد تدمر مؤسسات الإتحاد الأفريقي المتداعية وتُنهي الحلم الأثيوبي المستجد بزعامة أفريقيا بسبب أزمة إقليم التيغراي.

فقدت عرقية التيغراي (5.7 مليون نسمة) زعامتها التاريخية لثاني أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة وبدأت تشعر بأنها مستهدفة خلال العامين الماضيين، فالتيغراي التي قادت تحالف التنظيمات المعارضة المسلحة ضد نظام منغستو في الثمانينات، حافظت على موقعها القيادي في أثيوبيا لعشرين عاماً بعد سقوط النظام قبل أن تنفجر في وجهها الإحتجاجات الشعبية بقيادة عرقية الأرومو عام 2018 وتأتي بـ"أبي أحمد" ذي الخلفية الأمنية إلى رئاسة حكومة البلاد ويبدأ عهده باستفزاز التيغراي بإجراء تعديلات في قيادات الأجهزة الأمنية لاستبعاد المحسوبين على التيغراي مما أدخل العلاقة في أزمة صامتة تفاقمت بتأجيل أبي أحمد للانتخابات النيابية في آب الماضي بذريعة كورونا ومُضي سلطات إقليم تيغراي بإجراء إنتخابات أفرزت سلطة محلية رفضت الحكومة المركزيةُ الاعترافَ بها وقررت حرمانها من أموالها موازنتها الفيدرالية ومنع التحويلات البنكية بينها وبين باقي الأقاليم، الأمر الذي اعتبره التيغراي عدواناً قوبل برفض الاعتراف بـ"ديكتاتورية قيد الإنشاء" تمثلها حكومة آبي، التي "تُسيء تفسير الدستور وصلاحيات الحكومة الفيدرالية، واستقالات جماعية أبرزها استقالة رئيسة مجلس النواب الذي صوّت على تصنيف الجبهة الشعبية لتحرير التيغراي تنظيماً إرهابياً.

ظلت الأزمة تتوالد لأشهر حتى يوم "الهجوم الصاروخي" في الرابع من تشرين الثاني الماضي على منشآت أثيوبية وإريترية اتُهمت به الجبهة الشعبية فيما اعتبرته الجبهة ذريعة لـ"غزو" الإقليم، عقِب الهجوم قطع فوري للإنترنت عن الإقليم وغارات بالطيران الحربي لتغطية هجوم ضخم للجيش الاتحادي ورغم سيطرة المتمردين على معسكرات وقواعد للجيش الأثيوبي وقصفها لمطارات ومنشآت هامة في أثيوبيا وإريترية - رداً على دعمها للهجوم - إلا أن الجيش الأثيوبي استطاع إسقاط عاصمة الإقليم والسيطرة على حوالى ثمانين في المئة من أراضيه بتفادي التوغل داخل التجمعات السكنية لتفادي حرب المدن والاعتماد على سلاح الجو و الافادة من الميليشيات الشعبية غير النظامية وعلى مشاركة الإماراتعبرطائراتالدرونز الصينية الصنع المرابطة في ميناء عصب الاريتري في قصف إقليم التيغراي بعد أن كانت مهمتها تقتصر على قصف أهداف في اليمن وليبيا بما يعنيه ذلك من إذكاء حالة الإحتقان العرقي التي بدأت تتفاعل في الولايات السودانية الحدودية مع أثيوبيا المضطربة أصلاً.

قدم أبي أحمد نفسه للعالم كرجل إصلاحي ونال جائزة نوبل للسلام عام 2019 لدوره في إحلال السلام مع إريتريا، مع كل ما يعنيه نيل هذه الجائزة من مهام مضمرة، لكنه وضع وحدة أثيوبيا على المحك حيث ينص دستور البلاد على حق أي عرقية في تحقيق مصيرها، ووضع نفسه أم صراع عرقي عميق موغلٍ في القدم في بلد القوميات التسعة والأقاليم العشرة، فالصراع الحالي في شمال البلاد يُنذر بسيناريوهات مرعبة في حال تدحرج إلى حرب أهليةٍ طويلة تفتح المجال أمام تدخلات خارجيةٍ وتُسهم في نقل عدوى الصراع إلى المحيط المتصدع خصوصاً مع استمرار أزمة سد النهضة مع مصر، فهل كان ذلك مغامرةً غير محسوبة أم تنفيذاً حرفياً لدورٍ مرسومٍ مسبقاً لإعادة رسم خريطة شرق أفريقيا؟.