أثار تصريح لبيل غيتيس منذ عاميين حول وباء الانفلونزا القادم الكثير من الجدل فور انتشار وباء فايروس كورونا، وأعاد الناشطون نشر المقطع على مواقع التواصل بكثرة طارحين علامات استفهام حول كيفية تنبؤه، هل هي مؤامرة أم عبقرية أم قراءة علمية؟!

غايتس وعبر منصةTED  صرح أن العالم ليس جاهزا للوباء القادم، مستدلاً على تجربة ايبولا، ومعبراً أنها جرس انذار لنا للاستعداد، فالعالم إزاء الأوبئة يتعامل باستخفاف بعكس ما يفعل حال الحرب، "لو أخبرتم حكوماتكم الآن أن هناك تهديداً بأسلحة من شأنها أن تقتل 30 مليون شخص، فسيكون هناك شعور بالإلحاح بشأن الاستعداد للتهديد، ولكن في حالة التهديدات البيولوجية فإن شعور العجلة هذا غير موجود"، فالكارثة القادمة التي سوف تقتل أكثر من 10 ملايين شخص لن تكون انفجارا نوييا أو حربا بل سوف يكون فيروس شديد العدوى، مُشيرا إلى أن للدول جيوشاً مستعدة دوماً وجاهزة بكامل عتادها وذخيرتها للانطلاق في أي لحظة، وهذا ما نحن بحاجة له طبياً[1].

"يس" بيل غيتس وحده من كان يعلو صوته محذراً من الوباء القادم، بل كان العلماء ولا زالوا يحذرون من كل التغيرات التي تحدث متسارعة حولنا، وتأثيرها على خلق الأوبئة وانتشارها، وأهمها التغير المناخي.

ففي ظاهرة غريبة حدثت عام 2016 في سيبيريا، توفي المئات من حيوانات الرنة وقد قم أطباء روس بتشخيص اصابتهم بالجمرة الخبيثة، التي قبل أن تكون الجمرة الخبيثة سلاحاً جرثومياً بفترة طويلة، فهي بكتيريا موجودة بشكل طبيعي في التربة لكنها تصبح خطيرة، بل قاتلة، بمجرد ملامستها لإنسان أو حيوان. عندها تتكاثر وتسبب التهابات خطيرة، لكنها كانت قد اختفت من تلك المنطقة منذ أكثر من 70 عاماً حيث، تم القضاء على هذا المرض منذ عام 1941.

بعد أيام قليلة، مات 2500 حيوان، ثم أصاب المرض حوالي 20 شخصاً، وأدى إلى وفاة طفل في الثانية عشر من عمره. اتضح بعد ذلك أن هذه البكتيريا كانت محاصرة لعقود على جثة رنة مجمدة، لكن ارتفاع الحرارة الشديد وتغير المناخ، جعل الأرض المتجمدة،التربة الصقيعية تذوب وتطلق هذه الجمرة.

وجد العلماء أيضاً، آثاراً للجدري، في سيبيريا لا تزال على مومياوات من القرن الثامن عشر، وحتى آثار فيروسات الماموث عملاقة فيروسات غير ضارة، لكن لا يوجد دليل على أنها لن تولد من جديد في يوم من الأيام، مع استمرار التغيير المناخي وذوبان الجليد، كما يحذر علماء أيضا من توخي الحذر، عند اكتشاف المناطق القطبية، فتحت الجليد الذائب كميات هائلة من النفط والغاز، يمكن لآبارها أن تخاطر بإطلاق فايروسات قديمة وتسبب بأوبئة جديدة.[2][3]

وأمام هذه التهديدات، فهل ستجد دعاوى رفع الاستثمرار في المجال الطبي ومجالات البحث العلمي والطب الوقائي آذانا صاغية، أم سنترك أمام الوباء القادم، بلا أسلحة دفاعية ونعيد نشرتصريحات العلماء السابقة كم ينشر توقعات المنجمين حين يصدف تحقق ما تنبؤوا به؟!

فيروسات الزومبي تخرج من الأرض

قبل أن تكون الجمرة الخبيثة سلاحاً جرثومياً بفترة طويلة، فهي بكتيريا موجودة بشكل طبيعي في التربة. يصبح خطيراً، بل قاتلاً، بمجرد ملامسته لرجل أو حيوان. هناك يتكاثر ويسبب التهابات خطيرة: وهو ما يسمى بالفرنسية "مرض الجمرة الخبيثة". ومع ذلك، في هذه المنطقة النائية من سيبيريا، تم القضاء على هذا المرض منذ عام 1941. ومع ذلك، في بداية يوليو، أصيب عدد قليل من رعاة الرنة، كثير منهم في هذه التندرا، بالمرض. منذ ذلك الحين، أعلنت السلطات المحلية وفاة أول ضحية (صبي يبلغ من العمر 12 عاماً)، وحجر عشرات الأشخاص، فضلاً عن ذبح أكثر من 2000 حيوان رنة ملوث

يشكل القطبان 14٪ من المحيط الحيوي للأرض: القطب الشمالي المائي محاط بالأرض في الشمال، والقارة المتجمدة في القطب الجنوبي محاطة بالمحيط الجنوبي. على الرغم من المناخ شديد البرودة بالإضافة إلى التضاريس المتنوعة، فإن المناطق المائية القطبية تعج بالحياة الميكروبية.

حتى في المناطق شبه الجليدية، تكيفت الحياة الخلوية مع هذه البيئات القاسية حيث ربما توجد آثار للميكروبات المبكرة على الأرض. نظراً لأن الرعي بواسطة الحيوانات الكبيرة محدود في معظم هذه المناطق القطبية، يتم التعرف على الفيروسات لدورها كعوامل مهمة للوفاة، وبالتالي تؤثر على الدورة الكيميائية الجيوكيميائية للمغذيات التي بدورها تؤثر على ديناميكيات المجتمع على النطاقين الموسمي والمكاني. هنا، نستعرض التنوع الفيروسي في المناطق القطبية المائية التي تم اكتشافها في العقد الماضي، والتي تم الكشف عن معظمها من خلال التقدم في التقنيات التي تدعم الجينوميات، ونفكر في المدى الواسع للقطب الذي لم يتم استكشافه بعد. التنوع الميكروبي و"الغلاف الجوي الغامض".

لأن كل شيء بدأ مع حيوان الرنة الذي كان من الممكن أن يستسلم للجمرة الخبيثة منذ أكثر من خمسة وسبعين عاماً، حسب تقارير سيبيريا تايمز. جثة حيوان يحمل البكتيريا، بمجرد تجميدها في الأرض، كان من الممكن أن تظهر للضوء مؤخراً بسبب ذوبان الجليد الدائم. ثم يستيقظ المرض بطريقة ما من هذا السبات، مثل الزومبي، ليصيب حيوانات الرنة الأخرى، والتي بدورها تصيب البشر.

وهكذا، تم اكتشاف فيروسات كامنة لمدة 30 ألف عام - في عامي 2014 و 2015 من قبل فريق فرنسي روسي في منطقة تشوكوتكا المتمتعة بالحكم الذاتي، الواقعة في الطرف الشمالي الشرقي من روسيا - يواصل أرسين درويل. هل نخشى عودة أوبئة الأجداد؟ يشير الباحث إلى "احتمال"، حتى لو كان "الخطر يبدو مع ذلك منخفضاً جداً: يبدو أن بكتيريا الجمرة الخبيثة كانت كامنة لمدة سبعين عاماً تقريباً. إن خطر إحيائها أثناء الذوبان أكبر بداهة إذا كانت بكتيريا أو فيروسات حديثة ". وبالمثل، فكلما كانت بنية الكائن الحي أكثر تعقيداً، زاد احتمال تعرضها للتلف بسبب التجميد

الأرض تنزلق تحت القدمين

عندما يذوب، فإن التربة الصقيعية لا تطلق فقط فيروساً قديماً أو اثنين. يوضح أرسين درويل: "عندما تذوب التربة الصقيعية، نلاحظ إطلاقاً كبيراً للغاز". تحت أقدام الرعاة في شبه جزيرة Iamal توجد غازات طبيعية بالفعل، ولكن أيضاً مواد عضوية مجمدة: "مع ذوبان الجليد، تبدأ عملية التحلل مرة أخرى، وبالتالي ينبعث منها ثاني أكسيد الكربون والميثان. في بعض المناطق منذ آلاف أو حتى ملايين السنين، تشكل الغاز الطبيعي في الأرض، ومنذ تشكل التربة الصقيعية، حالت طبقة من الجليد المتجمد دون تسرب هذا الغاز وهذا الغاز. لذلك تراكم هذا تحت هذا "السدادة". مع ذوبان التربة الصقيعية، تضعف طبقة الجليد المتجمد التي تحبس الغاز، ويصبح ضغط الغازات مرتفعاً للغاية، كما يتابع الباحث. ضغط الغاز وذوبان التربة الصقيعية، ينتهي الفلين بإفساح المجال (مثل فتح فلين الشمبانيا)، مما يؤدي إلى ظهور الحفر.

 


[1]  https://bit.ly/37OE0RR 

[3] RTL, VirginieGarinet LoïcFargeLe réchauffementclimatiquerisque de libérer des vieux virus, 30/08/2016