قد يبدو للوهلة الأولى أن العمل على إيجاد مشتركات ونِقاط التقاء بين الشيخ محي الدين ابن عربي المتصوف (1164م -1240م) وجاك دريدا (1930م- 2004م) ضرباً من ضروب العثرة، خصوصاً لجهة الفرق الزمني الشاسع بينهما ولجهة اختلاف المنطلقات والمقدمات التي تميز كل منهما عن الآخر، ولكنك ما أن تهم بقراءتهما تجد أنك على مسطح فسيفسائي كل قطعة فيه تكمل الأخرى.

إن كل من داريدا وابن عربي متفق على معارضة الفكر العقلاني الذي يتخذ من العقل مبدأً حاكماً، فارتياب ابن عربي من الفكر العقلاني الميتافيزيقي، وإدراكه قدرة اللغة على الخلق، وتبصره الرائع بإستناد الهوية إلى الاختلاف، ثم تأويليته الرفيعة وتقديره "الذاتية"، تشكل تقاطعات كبرى بينه وبين دريدا وغيره من فلاسفة الغرب. ولا نريد أن نقول أن ثمة تطابقاً بينهما لأن انهمام ابن عربي روحي بينما انهمام دريدا دلالي محض، لكن ما يتأتى من خلال هاتين المقاربتين واحد،  الخلوص إلى إطلاق حرية الأفكار والنصوص من القيود والمحددات بغض النظر عن غاية كل منهما. الأمر إذن، متوقف على كيفية مقاربة ابن عربي بل التصوف عموماً للإسلام كمقاربة غير تقليدية أعابت على العلماء والفلاسفة المسلمين جنوحهم إلى التحديد والتقييد المرتهنين إلى العقل، ما يفتح كوةً في قراءات لا متناهية للنص الديني.

سنحاول في هذا المقالة أن نتحرى الأرضية المشتركة التي تتأسس من خلال الاعتراض الصوفي والتفكيكي على الفكر العقلاني والميتافيزيقي، وعلاقة ذلك باللغة عند دريدا وابن عربي.

يرى ابن عربي أن الفلاسفة واللاهوتيين لم يفهموا جيداً التزامن بين تنزيه الله وتشبيهه. أما دريدا فيرى أن الميتافيزيقا الغربية لم تضع أبداً كلمة "معنى وضعاً إشكالياً حقاً، ولا تقبلت حقيقة أن العلامات لا تؤدي إلى معان وإنما إلى علامات أخرى. يرى دريدا أن مفكري الميتافيزيقيا يؤسسون أنساقهم وأفكارهم في لحظات حضور ذاتي - وهي غالباً ما تكون غير حقيقية - إذا إن النص لا يمكن تطويقه للولوج منه إلى معنى محدد لأنه لا يفضي إلى المدلول عينه إنما إلى دال آخر وبالتالي فهو انتقال من معنى إلى معنى ومن فضاء إلى فضاء، الأمر ذاته عند ابن عربي الذي يصرح بأن أهل النظر والعقل والعلماء يبنون مفاهيمهم وأفكارهم عن الله بما ينشأ عن تصورهم وتخيلهم وتعقلهم له، إي ليس على الله بحقيقته المطلقة، وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن ابن عربي ودريدا يسعيان إلى الانعتاق من أصفاد النسق المنغلق على ذاته ومن الأحكام المسبقة الموروثة إن كان على مستوى امتناع الحق على المعرفة عبر وضعه في قوالب عقلية محددة، انطلاقاً من الآية القرآنية التي تقول "ليس كمثله شيء" ما يعني استحالة معرفته بالاستدلال العقلي كما عند ابن عربي، وإن على مستوى النص أو الكتابة كما عند دريدا إذ إن النص عنده عصي على التحكم والضبط العقليين، ومفتوح على الغياب الذي يشكل بعدا آخر من أبعاد النص، فما يرنو إليه هو تحرير الكتابة من مقام الأداة المستعبدة فيه إلى أقصى حد ومن تصور أصالة اللغة المنطوقة.
يؤسس دريدا منهجه التفكيكي على رفض المركز الثابت، والعنصر المسيطر، والثنائيات التي تؤطر الشكل فتجعل له حدودا ثابتة. إن النص في نظره مجموعٌ غير  متجانس. فيما يستعرض ابن عربي جملة من العناوين في سياق رده على المتكلمين منها:
الحق لا مثيل له: استناداً إلى الاية التي أشرنا إليها سابقاً (ليس كمثله شئ)، يقول "حين يفكر الإنسان بعقله في الله، يخلق بتفكيره ما يعتقده في نفسه، ومن هنا يفكر في الرب الذي خلقه بفكره"، وهذا يمكن أن نقابله بالاختلاف المرجئ عند دريدا إذ إن اللامثيل له هو اختلاف لا متناهي، ونفاذ من معنى إلى معنى.
الحق الذي لا يتناهى: يرى ابن عربي أن الله بحر من الصور لا يتناهى فهو يحوي علاقات ووجوها وحقائقَ لا حد لها"، فهو لا يُحد بصفات ولا يُعين أو يُشبه، وهذا يشبه إلى حد كبير مفهوم النص عند دريدا وتوصيفه تحديد النص بوجهة واحدة على أنه مثل المقدمة التي يكتبها المؤلف ليحدد لنا ما يريد من النص.
الحق لا يقبل التكرار: يستند في ذلك إلى الآية الكريمة "كل يوم هو في شأن"، ولكن ألا يشكل الاختلاف والمغايرة وعدم التكرار القاعدة الأساس التي قامت عليها نظيرة دريدا ؟ "differance".
استحالة الحق: يعتبر ابن عربي أن ثمة استحالة في معرفة الحق معرفة نهائية أكان عن طريق أهل النظر من المتكلمين وغيرهم أو كان عن طريق أهل الإشراق، ويشير إلى ذلك في قوله:
فإن قلت بالتنزيه كنت مقيــــدا        وإن قلت بالتشــبيه كنت محددا
وإن قلت بالأمرين كنت مسددا        وكنت إماماً في المعارف سـيدا

في موضوع المحكم والمتشابه واعتراضه على أهل الكلام (الاشاعرة والمعتزلة) يجد ابن عربي أن في المتشابه إحكام وفي المحكم متشابه ويعتبر أن الآية "ليس كمثله شيء وهو اللطيف الخبير" تحمل في ذاتها النفي والإثبات فهي قد جعلت الله كأنه شيء من الأشياء ولكن لا يشبهه شيء آخر، وهذا هو النفي أي نفي الشيئية عن الله ولكن "وهو اللطيف الخبير" اثبات للصفة وهي تشبيه. فلو توغلنا قليلاً في هذا المفهوم، إن المحكم متشابه والمتشابه محكم أي أن المحكم ينطوي على وجهي النفي والإثبات أو التنزيه والتشبيه، وأقمنا إسقاطاً على مفهومي الحضور والغياب والاختلاف والإرجاء الداريديين سنجد أن ما يقوم به ابن عربي هو تفكيك بامتياز. فتفسير ابن عربي لآية (ليس كمثله شيء) نفي وتنزيه كما عبرنا سابقا إي إنه اختلاف وغيرية، بمعنى أن الله مختلف عما تعتقدون وغير ما تظنون، ولكن عندما نرجئ المعنى قليلا لدخول (وهو اللطيف الخبير) التي تقر بالإثبات والتشبيه يصبح المعنى مغايرا، أي أن المعنى من هذه الآية بعد الإرجاء هو أن الله منزه ومشبه في آن. سأورد فيما يلي جملة من المفاهيم التي يتقاطع فيها كل من ابن عربي وداريدا:
أولاً: مفهوم الكلام والكتابة: لقد ميز (روسو) الذي أشبعه دريدا دراسة وتمحيصاً ونقداً، بين نوعين من الكتابة: كتابة حسنة طبيعية وكتابة سيئة، فاحشة وقبيحة. الكتابة الأولى تتصل بالذات الإلهية باعتبار أنها "خط إلهي في القلب والروح"، يشدد روسو على أن الكلام هو أصل اللغة. ولكن لدريدا فيما تقدم رأي آخر، فهو يرى أسبقية للكتابة على الكلام مستلهما من روسو نفسه، ومجيبا عليه، بقوله "إذا كانت الكتابة خطيرة ومقلقة فلأنها بدئية وتدشينية بالمعنى الأكثر فتوة للكلمة"، معتبراً أن الكتابة تقطن أصل الكلام، وأن "الكلام الأصلي كتابة".
وقد استلهم دريدا أيضاً، من إدموند هوسرل كيف أن الظواهر التي تنطبع في الوعي على شكل ماهيات ومعيشات وعي حاضرة، هي كتابة أولية سابقة على الكلام المنطوق، ولكن يجب التنبه إلى عدم فصلها عن وجودها الحقيقي المتحقق في الخارج أو في المخيلة إذ لا يمكننا أن ننساها لأنها المسوغ الوجودي لها وعليه فإن الكتابة المبحوث عنها -يقول دريدا- موجودة قبل الكلام وداخل الكلام. ولكن ما هو موقف ابن عربي من الكلام والكتابة: على ما يبدو أن ابن عربي لا يقول بأصالة الكتابة على الكلام أو العكس بل يقول بالتلازم لأن التزامن والتعاقب عنده هو في الترتيب العقلي فقط، وليس في الحركة الفيزيائية، وما لم يكن موجوداً بالظاهر فهو موجود بالكمون، ما يعني أن لا أسبقية لأحدهما على الآخر. 
ثانياً: مفهوم الاختلاف والارجاء: اعتبر دريدا أن الدال لا يدل دائما على المدلول واتخذ من المصطلح differance مثالاً على ذلك وهو يجمع بين كلمتين differ  وdefer. يشير الأول إلى حركة مميزة ومفهومة مكانياً، (الاختلاف) ويشير الثاني إلى حركة تأجيل وتريث في الزمن (الإرجاء).
وقد اعتبر النقاد بأن الاختلاف المرجئ عند داريدا هو الله وذلك تأثرا باللاهوت السلبي، على اعتبار ان الحق لا يعرف ولا يتصف بوجود (كما عند ابن عربي)، ولكن دريدا رفض ذلك بشدة معتبراً أن الاختلاف والإرجاء لا يمكن ان يكون الله ولا أي شي آخر، ولا يمكن تحديده ولا تعريفه، وبهذا هو يلتقي مع ابن عربي الذي ينأى بنفسه عن تعريف الحق. 
ثالثاً: مفهموم المرآة: إن الخاصية الأساس التي تدفع إلى المقارنة بين الله في اللاهوت السلبي والإختلاف المرجئ عند دريدا هي أن الغائب ينتج الحاضر أو  إنتاج الهويات والخلق، إنهما يقومان "بوظيفة واضحة هي الإنتاج فالاختلاف المرجئ يُنتج، أو على الأصح يُمكن الخلق من أن يحدث. أنه يُعير نفسه إلى عدد ما من البدائل غير المترادفة، ويجد دريدا أن أفضل مثال على دور الاختلاف والإرجاء في إنتاج الهويات هو "المرآة" التي يتم طلاؤها بالقصدير الفضي من الخلف، لتقوم بدور الإنعكاس، ورغم أن هذا الطلاء الذي يشبهه دريدا بالاختلاف والإرجاء لا يشكل الغاية من المرآة إلا أنه ينتجها، وهذا يشبه الحق عند ابن عربي الذي ينتج الحضور باستمرار وبشكل لا متناهي بينما يُغيب نفسه دائماً وأبداً.
رابعاً: مفهوم الحيرة: إن مواراة الألوهية الحقة وحجبها، تدعو ابن عربي إلى الشك والحيرة باعتبارهما يقدمان لنا إيماناً يمضي على طريق حر، وهو إيمان يتحرر من الحجب والصور والأصنام. فالحيرة إذن في نظر دريدا وابن عربي أمر مرغوب فيه في كل من التصوف والتفكيك؛ "فحين نكون متحيرين نرى الأشياء التي تفوتنا ونحن نعتقد أننا نعرف ما نفعله تماماً، نرى اختلاف الاختلاف. وحينما يقول ابن عربي "اللهم زدني فيك تحيراً" فهو لا يطلب الشطط ولا العبثية إنما يريد أن يقول : اللهم اجعلني أَصَب بالحيرة والذهول وتجاوز الحدود البسيطة التي حاولتُ حَبْسَك فيها. إن اشتراك التصوف والتفكيك في اعتراضهما على الفكر العقلاني الميتافيزيقي يؤدي إلى نتيجة واحدة خلاصتها تتمثل في: "إذا كانت الميتافيزيقيا تُعمينا وتحجبنا عن الموقف الحقيقي، وإذا كانت الحيرة أو البلبلة تشل رغبتنا العقلانية في النسق، فعندئذ سنبدأ حقاً في الرؤية، بعد أن نكون قد تعلمنا الرغبة في الالتباس والبلبلة وليس الهرب منهما".
بناءً على ما تقدم، نخرج بنتيجة مفادها ابن عربي ودريدا نبتان على أرض واحدة، ترفض الارتكاز على العقل والميتافيزيقا في مقاربة المعنى إن كان "حقاً" أو "نصاً"، كما وترفض الأحكام المسبقة التي تقيدهما، والأنساق التي تبني أسواراً حولهما، ولا شك أن ابن عربي ودريدا بذلا جهداً كبيراً للتشديد على غياب المعنى الواحد في النص، كما أكدا عدم تناهي إمكانات النص الدلالية، وكلاهما يرى التأويل والتفكيك إبحاراً في نصوص بلا سواحل، فكما أن القرآن بحر بلا سواحل عند ابن عربي كذلك النص عند دريدا. لكن، وفي نفس الوقت، وقع كلاهما في التناقض الذاتي، فبالرغم من أن ابن عربي يرى القرآن بحراً فإن ذلك لم يمنعه من استبعاد بعض تفاسيره بحجة أنها فاسدة أو بعيدة الاحتمال، وكذلك دريدا، إذ إن نظرية النص العائم أو التائه على غير هدى عنده، تتقوض بفعل محاولاته الدفاعية التي يحرص فيها على أن تُقرأ أعماله بطرق دون أخرى. 
إن من يتوغل في أعمال كل من دريدا وابن عربي يعرف بأنه أمام مهمة صعبة ومرهقة وشاقة، مهمة مترامية الجهات، يشعر معها بأنه غارق في حيرة وبلبلة، تُحدث في نفسه خلخلة لكل المستقرات والبنى التحتية للفكر، ما يدفعه إلى إعادة النظر بها والشروع في إعادة قراءتها وترتبيها على نحو مختلف، كما لو كانت معلقة في الهواء، إذ هي لا تنتمي إلى أحكام مسبقة ولا تصل إلى معنى محدد وواحد، كما تستفزه لطرح الكثير من الأسئلة الصعبة التي لا يمكن الإجابة عنها بنحو يقيني دقيق، وتنبهُه إلى الثقة الزائدة التي يخدع بها نفسه متى تحدث عن حقائق لم يضعها موضع مساءلة جدية، فهما أي الحيرة والبلبلة، تُثيران فيه توتراً وقلقاً مؤداه أن كل الأمور التي ارتاح إليها عن الله والحقيقة والأدب وغير ذلك لم يفكر فيها تفكيراً حقيقياً وبالتالي تدفعه إلى القفز خارج النص المغلق إلى فضاءات أخرى لاستنطاق الغائب وكشف المعاني المطمورة تحت الأنساق المقفلة.