يعمل قطاع الاتصالات اليوم بين شوطين، انتهى الأول بتسليم شركتي "أوراسكوم" و"زين" إدارة القطاع للدولة اللبنانية خلال شهري أيلول وتشرين الأول الماضيين، أمّا الثاني فسيبدأ مع استقدام شركتين أجنبيّتين جديدتين تكملان النموذج "المؤقت" الذي وُلد في العام 2002. قد تستمرّ هذه الفترة لأكثر من عام، فعلى فرض تشكّلت حكومةٌ مّا قبل رأس السنة، لا يزال أمامنا رحلةً بيروقراطيةً طويلةً تبدأ بإعداد دفتر الشروط ثم استقدام العروض وفضّها، انتهاءً بتوقيع العقود مع شركات جديدة لتشرع بعدها بعمليّة الإدارة. لكن وللمفارقة، قد يكون هذا الوقت الميت في صالح الشعب والقطاع واقتصاد الدولة، بشرط أن يتمّ تقييمه جيّداً، أو أن توجد النية لتقييمه أصلاً.

منذ إعفاء الشركتان المشغّلتان من مهامّهما رسميّاً ولغاية تاريخ كتابة هذا المقال، أي على مدى شهرين تقريباً، لم يشتكِ مستخدمو شبكتي الخلوي من أيّ أعطالٍ غير اعتياديةٍ أو مشاكل جديدة، لا زال أداء قطاع الخلويّ على حاله، دون تحسّنٍ أو تراجع. هناك حقيقةٌ قد يجهلها البعض، وهي أنّ الموارد البشريّة التي تعمل في قطاع الخلويّ في لبنان ثابتةٌ على نحوٍ مّا، فهي لا تتغيّر مع تغيّر الشركات المشغّلة، إنّما لاعتباراتٍ ثانية، فبعض أؤلائك الموظّفين مثلاً بدؤوا مشوارهم مع ولادة القطاع في العام 1994 وما زالوا إلى اليوم. لا تأتي الشركة الأجنبية بموظّفيها الفنيّين، بل تأتي بأعضاء مجلس إدارةٍ لا يتخطّى عديدهم الخمسة أفراد لتدير بهم الكادر البشريّ العامل. حتى وإن كانت هي من تعطيهم رواتبهم كما كان الحال قبل عام 2012، لا يُسمَح لها بالاستفادة منهم خارج قطاع الاتصالات اللبنانيّ دون إذنٍ مباشر من وزارة الاتصالات، كما أنّها تقوم بنقلهم إلى ملاك الشركة الجديدة قبل رحيلها. وفي حالة وقتنا الميّت اليوم، فإنّ موظّفي قطاع الاتصالات باتوا على ملاك شركتيّ MIC1 و MIC2. هاتان الأخيرتان لمن لا يعرف قصّتهما، تحملان العلامات التجارية Alfa و Touch تباعاً، شركتان تجاريّتان أسّستهما - لصالح الدولة وبناءً على طلبها  - شركتا (LIBAN CELL و CELLIS) الـBOT، قبل رحيلهما ووُضعتا بالائتمان لدى مصرفين هما عودة وفرنسابنك. على أن تكونا حلّاً مؤقّتاً (لخمس سنوات) فيصار عندها إلى تلزيم إدارتهما وتشغيلهما لشركاتٍ خاصّةٍ لحين اكتساب عديدهما الخبرة الكافية لإدارة وتشغيل القطاع، ليتمّ استرداده كليّاً من قبل الدولة اللبنانية في نهاية الأمر. مرّت السنوات الخمس ومرّت أكثر منها لكنّ "نهاية الأمر" هذه لم تصل بعد، أو أنّها وصلت لكن لا نريد أن نعترف بها. الفريق الذي قام بتجهيز وتطوير تكنولوجيا الجيلين الثالث والرابع من داتا الاتصالات ليس ناضجاً بما يكفي بحسب أصحاب القرار. قد يكون ذلك صحيحاً، لا أدري. كما أنّ إبرام عقودٍ مع شركاتٍ عالميّةٍ كبرى وذات تجربةٍ رائدةٍ ليس خياراً أحمقاً من ناحية المبدأ دون شك، خاصةً لبلدٍ صغيرٍ باقتصادٍ هزيلٍ وبمقوّماتٍ بشريّةٍ فذّةٍ لطالما اعتبرها نَفطه الذي يمشي ويتكلّم. لكن تعالوا إلى أرض الواقع، أين نحن من المنطق والطبيعي؟ ماذا قدّمت لنا الشركات الأجنبية المتعاقبة؟ أو دعونا نسأل ماذا استطاعت أن تقدّم لنا وأين وضعتنا؟ ماذا فعلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة في ملف الاتصالات؟ حتى أكثر وظائف القطاع بداهةً – أقصد الجباية – هي في تراجع! ناهيكم عن الاستثمار والتطوير وتدعيم الاقتصاد. لا يمكنني، عندما أريد أن أفاضل بين الخبرات الأجنبية والخبرات المحليّة، أن أترك هذه الأسئلة جانباً، لا يمكنني أيضاً إلّا أن أقرأ التجربة التي حصلت أمامي.

في التجربة، هناك محرلتان أساسيّتان، الأولى بدأت مع انتهاء عقود الـ BOT في العام 2002 وإنشاء شبكتيّ الخلوي ميك1 وميك2. كانت العقود آنذاك تنصّ على تحميل "أوراسكوم" و"زين" كلفة إدارة وتشغيل الشبكات وفق خطَةٍ واضحةٍ ومدروسة تشمل النفقات التشغيلية والرأسمالية (OPEX + CAPEX). وبمعزلٍ عن أصل فكرة الاعتماد على شركاتٍ أجنبيّة، كان ذلك النوع من العقود مقبولاً إلى حدٍّ مّا، إذ أنّ له شكلاً واضحاً وأسلوب إدارةٍ ممنهج، وأضعف الإيمان أنّه كان ينظّم صلاحيات كلٍّ من الشركتين مقابل الدولة اللبنانية ممثّلة بوزارة الاتصالات ويسمح بتوزيع المسؤوليّات بشكلٍ جيّد. ما حصل بعدها كان سيئاً جدّاً، إذ تمّ في العام 2012 تعديل العقود الموقّعة مع الشركتين المذكورتين، فتمّ نقل النفقات التشغيلية والرأسمالية إلى عاتق الدولة، حينها أصبحت "أوراسكوم" و"زين" تصرفان من جيب الدولة لا من جيبهما، أو بعبارةٍ أكثر إنصافاً للحقيقة: حينها باتت وزارة الاتصالات هي التي تملك قرار الصرف والقرار الفنّي بشكل غير مباشر. بات موظّفو "أوراسكوم" و"زين" المزروعين في قطاع اتّصلاتنا يحصدون المال لصالح شركتيهما مقابل مهامّ إداريةٍ فقط، في حين أنّه كان من الأجدى حين ذاك إنهاء العقود وتكليف شركتي ميك1 وميك2 بمهامّ الإدارة والتشغيل، ثم الاستعانة بخبراتٍ استشاريّةٍ أجنبيةٍ عند الحاجة، لما في ذلك من حفظٍ للمال العام وضبطٍ للمسؤولية. أو بأسوأ الأحوال إجراء مناقصاتٍ جديدةٍ تحافظ على الوضع القديم. هذا النموذج الذي أصبح واقعاً متكرّراً في ظلّ غفلة أهل السلطة أو تغافلهم، لم يكن ليناسب أيّ شركةٍ عالميةٍ في أحوالٍ أخرى، لكنّ نظام المساكنة الذي يحكم الاقتصاد والسياسة في لبنان كان أكثر إغراءً من الاحترافية. فلا شيء في العقد يُلزم الشركتين بتنفيذ قرارٍ إداريٍّ أو فنيٍّ مخالفٍ لرؤيتهما لمصلحة القطاع والدولة حتى لو أتى من الوزير شخصيّاً، لكن خارج بنود العقد كان هناك حقيقةٌ واحدةٌ ثابتةٌ لم يَصعُب على الشركتين استساغتها: المال مال الدولة وهي أدرى كيف تصرفه، فـ "ربطوا الجحش مطرح ما بدو صاحبه"!

إنّ نموذج إدارة قطاع الاتصالات بالمساكنة قد مات على ما يبدو. جميلٌ أنّ هذا النموذج صار خلفنا، ومرعبٌ أنّ هذه السلطة قادرةٌ على صنع الفانتازيا كلّ مرّة. هنا في هذه الضيعة الضايعة التي اسمها لبنان، لا مكان للمنطق والطبيعيّ مهما بدا منطقياً وطبيعيّاً، لذلك ليس أمامنا إلّا أن نضرب يمنةً ويسرةً هيكل هذه المنظومة ونعرّيه ونستمرّ في إبلاغه بأنّنا يقظون، الآن وغداً وبعد غد.. حتى ينهض الهمّلالي.