ها هو البطل ماهر الأخرس يفتح فصلاً جديداً في كتاب النضال، وقد سجّل بعزمه وإصراره انتصاراً يضاف إلى سجلّ معركة الامعاء الخاوية. خرج ماهر إلى الحريّة بعد أكثر من مئة يومٍ من الإضراب عن الطعام إعتراضاً على حكم إداريّ لمدة 4 أشهر قابلة للتجديد. ولم يكن هذا الانتصار إلا معركةً في حرب الاضرابات التي بدأت منذ عام 1969 بين الحركة الأسيرة الفلسطينية من جهة وأجهزة مخابرات الاحتلال وإدراة مصلحة السجون من جهة أخرى، والذي قدّر عددها بأكثر من 30 إضراباً.

تستخدم الحركة الأسيرة، بعد الوصول إلى طريقٍ مسدودٍ لتحصيل حقوقها، عدداً من الخطوات الاحتجاجية مثل إرجاع وجبات الطعام ورفض الخروج إلى الفورة وغيرها، قبل الشروع بإعلان الإضراب عن الطعام. لأنها أكثر الخطوات إيلاماً للأسير لما فيها من ضغطٍ نفسيٍّ وخطرٍ حقيقيٍّ على صحة الأسير وحياته. قد تختلف مطالب كلّ إضرابٍ عن آخر، لكنّها تجتمع على أنها حقٌّ إنسانيٌّ كفلته القوانين والإتفاقيات والمواثيق الدولية التي يضربها الاحتلال جميعها بعرض الحائط. ويمكن الحديث بشكلٍ مجملٍ عن عددٍ من المطالب التي يتمّ إعلانها بإجماع كافة عناصر الحركة الأسيرة، مثل الطعام، ظروف الزنازين، الملف الطبي، عيادة السجن، زيارات الأهالي، المحامين، الصليب الاحمر، سياسات العزل الفردي، التفتيش العاري، الاعتقال الإداري، التنقّلات المفاجئة، البوسطة والتعليم وغيرها. وهنا يمكن الإشارة إلى أنّ الاختلاف الرئيس بين الاضراب الفرديّ والجماعيّ في المطالب بحيث تكون مطالب الاضراب الجماعي بالمجمل عن الحياة الجماعية داخل السجن، أمّا الاضراب الفردي يكون بالعادة رفضاً للاعتقال الاداري.

وتبدأ خطوات الاضراب الجماعي ، كما تحدّث الأسير المحرّر رامي ك.، الذي اضرب عن الطعام لأكثر من مئة يوم: " تعلن الحركة الأسيرة في البداية عن اقتراب اضرابٍ عن الطعام ولمن يودّ المشاركة لتقسيم الأسرى إلى جولات. ومن ثم يبدأ الأسير بتحضير نفسه معنوياً من خلال الجلوس بحلقاتٍ ترفع معنوياته وتعزّز فكرة أهمية الصمود في معركة الإضراب، من ثم تحضيره جسدياً من خلال التوقف عن الطعام قبل ثلاثة أيام وشرب السوائل فقط، ومن ثم الانضمام إلى الإضراب الجماعي بتوقف الأسير عن الطعام والاكتفاء بالماء والملح، وفي مراحل متقدمة يتمّ التوقف عن شرب الماء والملح أيضاً، أو أخد المدعمات".

وتردّ إدارة السجون في إعلان حالة الطوارئ باستخدام سلسلةٍ من الهجمات والتنكيلات الوحشية  المنتظمة لكسر إرادة الأسرى معنوياُ وإنهاكهم جسدياً لإنهاء الاضراب، بإجراء عزل لقيادات الاضرابات، وقياداتٍ ومؤثرين من التنظيمات الفلسطينية، لإضعاف قرار استمرار الاضراب، بقطع خطوط التواصل، وكسر الأسرى معنوياً من خلال بث الإشاعات عن خيانة القيادات للإضراب، مثلما قامت بنشر فيديو مفبرك للقيادي مروان البرغوثي عام 2017 بأنه قام بفك إضرابه سراً. ومن ثم تبدأ إدارة السجون بالضغط على الأسرى بشكل فردي، وفي هذا السياق تحدّث الاسير المحرر "مالك القاضي" الذي خاض إضراب عام 2016 ": تعمل في البداية على عزل جميع الاسرى، وسحب جميع الأدوات من داخل الزنازين ليتبقى فقط "فرشة" لكل أسير، وتعمل على التفرد بالاسرى عند زيارة العيادة بمحاولة إقناعهم بأن وضعهم الصحي خطر ويجب عليهم فك الاضراب. وفي اليوم الواحد يتعرض الاسرى لأكثر من خمس هجمات تفتيش من قبل وحدات خاصة، برفقة كلاب بوليسية، وفي كثير من الأحيان يتم التفتيش العاري للاسير. و تقوم بتلف جميع ممتلكات الاسرى، كما تمنع زيارة الأهل وزيارة المحامين، وتفرض غرامات باهظة على الاسير". وحدّثنا احد الأسرى ممّن جرّبوا الاضراب عن الطعام:" إن احقر ما قامت به إدراة السجون في إحدى الاضرابات هو قيام الجنود بعمل حفلة شواء بالقرب من الزنازين، وطهو الطعام في ساحة الفورة، وقامت بإدخال الطعام إلى الزنازين". وأضافت إلى ذلك الاسيرة المحررة "هبة اللبدي": "عندما كنت مضربةً عن الطعام قام ضابط بتهديدي إذا لم أنهِ الإضراب بأنّهم سيقومون بتخديري واغتصابي، وقاموا بتهديدي بإيذاء عائلتي".

هنالك ثلاث خيارات أمام الاسير خلال إضرابه عن الطعام، فإمّا أن يعود فاقداً لأحد أعضائه، أو يعود شهيدأ، أو الخيار الأخطر بأن يعود منكسراً، وهذا ما تخشاه الحركة الأسيرة. لكنّ هذا القرار غير واردٍ ضمن خيارات الأسير الفلسطيني كما أكّد الاسير القاضي عند بدء إضرابه: "يا الدار، يا القبر".

وكما اسلفنا سابقاً عن المخاطر الجدية على صحة الأسير، تبدأ بتلف الأنسجة، وقصورٌ وتوقفٌ في عمل أعضاء الجسم الرئيسية، وغيرها من الأعراض التي أوضحها مالك القاضي: "في البداية تبدأ العصارة الصفراء تخرج من الجسم، والوجع أصعب من أن تصاب برصاصة، فقدت تسعة عشر كيلوغرام من وزني، وتوقفت أمعائي عن العمل، رفضت أخذ مدعّمات فانهالوا عليّ بالضرب المبرح وأنا مقيّدٌ على السرير، من ثمّ توقّف قلبي أربع مرات، ودخلت بغيبوبةٍ لمدة عشرة أيام، وفي آخر أيام كنت قد فقدت الذاكرة ولم أبدأ بتذكّر أهلي إلا تدريجياُ". وما يزيد الأوضاع سوءًا هو ظروف العزل القاهرة التي يوضع بها الأسير، ووضّحت اللبدي:"عُزلت في معتقل الجلمه، كانت زنازين صغيرة نادراً ما تجد فيها نافذة مّا، حيطانها سوداء، رائحتها قذرة، مليئة بالحشرات، حمّاماتها مكشوفة، ويوجد في الزنزانة أربع كاميرات، لا أرى الشمس في الداخل ولا في الخارج، فقد كانوا يغمضون عينيّ بقطعة قماشٍ، وعلى سرير المشفى كانوا يربطون قدميّ ورجليّ لساعاتٍ طويلة، وكان من المستحيل أن أنام بسبب الاستمرار في الصراخ، أو هزّ السرير بشكل جنوني  بقوة".

إن معركة الأمعاء الخاوية ليست معركة الأسير وحده أو معركة الحركة الأسيرة منفردة، فهي أكبر من أن تنحصر بحدودٍ زمنيةٍ وجغرافية. وبالنسبة للأسير الذي يقرّر خوضها، و يفسّرها على أنها معركة مفاهيم الإنسانية فإنّه يربطها بمبادئه من التمسك بالكرامة والحرية ورفض الاستعمار والاستعباد وما يلحقهما من أساليب وحشية للسيطرة على الإنسان. يحاول الاحتلال عزل الأسير عن عالمه الخارجي حتى بإضرابه، لكن الأسرى أكدوا على أنّ أهمّ عوامل الانتصار بجانب الصمود هو الضغط الجماهيري الفلسطيني والعالمي، والدعم الإعلامي، لأنّ ما يخشاه الكيان الإسرائيلي هو قدرتنا على إظهاره على حقيقته أمام العالم والمحافل الدولية.

ويذهب الأسير إلى المعركة بقراره الشخصي الإرادي، وبكامل قناعاته بأن الكرامة، والتي هي سبب وجوده بالسجن، لا تُهان ولو كان ثمنها الدماء. وارتقى في سبيل ذلك في معارك الأمعاء الخاوية عدد من الشهداء، وهم: الشهيد عبد القادر أبو الفحم الذي استشهد  عام 1970 خلال إضراب سجن عسقلان، وهو أول شهداء الحركة الأسيرة خلال الإضراب عن الطعام، والشهيد راسم حلاوة وعلي الجعفري اللذان استشهدا بتاريخ 1980 خلال إضراب سجن نفحة، والشهيد محمود فريتخ الذي استشهد على أثر إضراب سجن جنيد عام 1984، والشهيد حسين نمر عبيدات والذي استشهد بتاريخ 1992 في إضراب سجن عسقلان.