من المنتصر في الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ هو سؤال محق بعيد كل استحقاق يُنتج رابحاً وخاسراً. بشكل أولي يمكننا الجزم بأن ترامب سقط بشخصه، وقد فاز بايدن، والأخير ليس مشروعاً سياسياً، بقدر ما هو النقيض لترامب. انتخب الناس نقيض ترامب، هذا صحيح. وبعيداً عن الكلام المستفيض حول بايدن ونائبه كامالا هاريس، وكونها امرأة من أصول غير بيضاء/ هندية، وهذا لا يعني الكثير في السياسة، يمكن للمراقب تسجيل جملة ملاحظات نذكرها في ما يلي:

أولاً: ثمة حقيقة ينبغي ألا نغفل عنها؛ هناك حوالي 75 مليون ناخب أميركي صوتوا لترامب. لقد استطاع الرجل وبالرغم من تناقضاته الشخصية الكثيرة أن يحرك مشاعر الكثير من الأميركيين. هو قال لهم أني سأتصدى لللاتينيين والمهاجرين. وفي هذه النقطة كان رابحاً، إذ حاكى الرجل الهواجس التي كان يعيشها المواطنون البيض في الولايات المتحدة. أصر ترامب على شد عصب جمهوره بهذه العنصرية، وكسب في هذه النقطة مخاوف الجمهور الذي يستشعر الخوف ديمغرافياً، و"هوياتياً". ومع ذلك ثمة ما يلفت النظر بقراءة النتائج والوقوف عندها، وهو أمر لم يكن متوقعاً بالنسبة للكثيرين. لقد صوّت الكثير من اللاتينيين والسود لترامب. هذه حقيقة، لم يكن الكثير من المراقبين يتوقعها. النتائج في تكساس وفلوريدا كانت ملفتة وفيها الكثير من الدروس. لقد أبطل ترامب نظرية التحول الديمغرافي وآثاره السياسية في الولايات الجنوبية، وهو ما تبدى بشكل جلي في صناديق الاقتراع، التي أكدت أن اختلال الميزان الديمغرافي لصالح المهاجرين لن يعني الكثير سياسياً في الأمد المنظور.

خلقت هذه المسألة سؤالاً ألحّ بعيد الانتخابات مباشرة: لماذا ينتخب المهاجرون رجلاً عنصرياً أبيضاً؟ والإجابة كانت في أن شرائح واسعة من المهاجرين أيضاً، هي عنصرية بطبيعتها. في مثال مالكوم إكس الشهير، يمكننا فهم جوانب مهمة من المسألة؛ تشبه المسألة إلى حد بعيد المفارقة التاريخية بين عبيد المنازل، وعبيد الحقول، عبيد المنازل كانوا أكثر ولاءاً لسيدهم الأبيض، وأكثر قسوة على من هم مثلهم من عبيد الحقل. لقد خاب الرهان على التغيير الديمغرافي بالمحصلة. لكن نتائج الانتخابات أظهرت عمق الحضور "الترامبي"لدى شرائح واسعة من الأميركيين من غير المهاجرين من جهة أخرى.

ففي انتخابات شهدت واحدة من أعلى نسب التصويت في العالم. حصل ترامب على عدد أصوات لا يستهان به من صافي جمهور الناخبين الأميركيين. ربما يعود ذلك إلى شعور الأميركيين البيض في المدن الأميركية الكوزموبوليتانية، التي تعيش انقساماً حاداً على مستوى الهوية بين سكان المدن الأصليين والنازحين الأجانب فيها. وربما يعود ذلك لمسائل أخرى. لكن الملاحظ أن نسب تأييد دونالد ترامب لدى الرجال البيض ممن لم يحوزوا شهادات جامعية هي الأعلى.

ثانياً: لقد عملت المؤسسة العميقة بكل جهدها لإسقاط ترامب، وكثيرة هي الأسباب التي يمكن أن تدفع هذه المؤسسة للضغط بهذا الاتجاه. أولها، أن الامبراطورية الأميركية العظمى التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية، تعرضت لهزات وصدمات متعددة بفعل سياسة ترامب. لقد ضعضع الأخير أسس الإمبراطورية الأميركية بطريقة غبية. ولنعي منطق الرجل ينبغي ألا نغفل لبرهة عن تاريخه. فترامب مقاول سياسي أولاً، ومن هذا المنظار دخل عالم السياسة. هو حاول التعاطي مع "الناتو" وفق أسس وول ستريت؛ "ادفعوا المال مقابل الحماية" قال لهم. الأمر نفسه بالنسبة إلى كل من الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، اللتان تعتبران من أهم مكتسبات الحرب العالمية الثانية.

واقع الأمر، لم يظهر ترامب منشداً لمهادنة النظام الدولي بشكل كبير طوال فترة ولايته. للرجل رؤيته المختلفة. إن حق الفيتو، والقرار الحاسم للولايات المتحدة في المؤسسات الدولية الكبرى كالأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ينبع من كون واشنطن هي صاحبة الدعم الأكبر لتلك المؤسسات والممول الأكبر لها، وهذا ما تعيه الدولة العميقة جيداً. وهو ما لم يأخذه ترامب بعين الاعتبار بشكل كبير أيضاً.

حتى في موضوع "إسرائيل"، كان تعاطي ترامب معها من منظور رجل يعيش في مانهاتن. هو كان ينظر لـ"إسرائيل" من زاوية ومنظور "آيباك". فكان يكفي أن يقول لكوشنير أعطِ الإسرائيليين ما يريدون، وليُريحوني من الانشغال بهموم الشرق الأوسط. هو مهتم فقط باجتذاب "الآيباك" ويهود الولايات المتحدة لا لكونهم قوة ناخبة بل لكونهم قوة اقتصادية، أما في حقيقة قرار الرجل فقد كان معادٍ للسامية. الأمر الذي أخاف الإمبراطورية العميقة أكثر فأكثر.

كل هذه الهواجس لدى الدولة العميقة دفعت بها عشية الانتخابات، لتوجيه الماكينة الإعلامية الضخمة للدولة ضد ترامب بكل ما أوتيَت من قوة. وحتى عندما أعلن نجاحه بعيد الانتخابات، قامت المؤسسة الإعلامية العميقة في الولايات المتحدة ممثلة بـ: CNN، ABC news، CNBC، بقطع الإرسال، وتعميم المقولة نفسها عنه: "ترامب كاذب"، وهذا التعميم ليس صدفة.

أما العامل النسائي، فقد كان له دوره أيضاً. لقد نزلت النسوة إلى صناديق الاقتراع موقنة أن هذا الرجل القابع في البيت الأبيض لا يمثل أميركا/ الامبراطورية، ولا النموذج، ولا المؤسسات المتخيَلة للدولة الأميركية في شيء.

ثالثاً: في هذه الدراما كلها، ثمة ما ينبغي الالتفات إليه. إنه التغيير داخل الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة.

فعلى مستوى الحزب الجمهوري، بدا أن ثمة شخصيات من مثل ماركو  روبيو، ليندسي غراهام، ميتش ماكونيل، كل هؤلاء ينظرون إلى كون ترامب رجلهم المفضل من جهة، ومنبع مخاوفهم من جهة أخرى. صحيح أنه يحقق مصالحهم، وينفذ أجندتهم على المستوى الداخلي بأفضل ما يكون، وهم في الآن عينه غير ممتنعين أو متحفظين على سياساته الخارجية (سواء لناحية موقفه من الخليج أو السودان، أو السلام العربي الإسرائيلي، أو غيرها من القضايا الخارجية). لكنهم أيضاً خائفون منه. بأي معنى؟ هم يقولون لندعه ينجح في الحياة السياسية الأميركية كي نتمكن من إحكام السيطرة على النظام. فما يريدونه هم، لا يتقاطع مع ترامب إلا من الناحية المرحلية. هم يريدون أن يكون ترامب بطاقة عبورهم لإحكام السيطرة على النظام بشكل كلي، وإن كان لهذه السيطرة عوارض جانبية سلبية من مثل تهشيم صورة الولايات المتحدة خارجياً. عملياً، هم من دفعوا بترامب إلى الواجهة كي "يحرقوا ورقته"، أو لِنقُل، هم دعموه عملياً ليتخلصوا منه.

ومع ذلك لا تبدو الترامبية السياسية سهلة الأفول. لا بل قد تبدو أكثر حيوية من الحزب الجمهوري نفسه، وهو ما يعلمه الجمهوريون. إن الحزب الجمهوري يشارف على الأفول، فيما البيض أو الجمهور الأبيض ينظر لترامب باعتباره لاعباً من دون قفازات. هو الأكثر شجاعة والأقدر على تمثيل طموحات هؤلاء، وفي الآن عينه لدى الرجل القدرة على قول الأشياء بمسمياتها، ومن دون مسايرة. لذا يبدو ترامب حتى بالنسبة لأقطاب القادة الجمهوريين حالة مقلقة. هي حالة قادرة على الاستمرار حتى مع سقوط الرجل في الانتخابات. وهي قادرة على إعادة إنتاج نفسها عام 2024 (سواء بشخصه أو بشخص أحد أقربائه أو مستشاريه)، مع ما يمكن أن تحدثه مثل هذه الشخصية من شروخ ستتسع داخل الحزب الجمهوري مع الوقت. لذا لا تبدو الأمور سهلة بالنسبة للجمهوريين في ظل عدم سيطرتهم على مجلس الشيوخ اليوم. بالنسبة لكثير من المراقبين كانت انتخابات 2020 أقرب إلى أن تكون الصرخة الأخيرة بالنسبة لكل هؤلاء.

أما بالنسبة إلى الديمقراطيين، فالأمور في تحوّل أيضاً. ثمة أقطاب متعددة داخل الحزب الديمقراطي، وبايدن لا يمثل إلا إحداها. هو يمثل تحديداً القطب الأكثر كلاسيكية بالنسبة لعموم أركان الدولة العميقة والنظام. يعي بايدن النظام جيداً، ويعرف آلية عمل المؤسسات فيه. هو لديه القدرة على إعادة المياه إلى مجاريها في العلاقة مع "الناتو"، ومع أوروبا، و"إسرائيل"، ولدى عموم حلفائه في الشرق الأوسط. فضلاً عن قدرة الرجل على التعامل مع تحديات خارجية كبرى، وأخرى داخلية داهمة. لكن ذلك لا يعطي بايدن الصورة المتوخاة في أذهان الكثيرين في منطقتنا.

بايدن لا يمثل كل اتجاهات الحزب الديمقراطي. وما بين الديمقراطيين كفيل بإشعال الجبهات بينهم في السنوات المقبلة. ألكساندرا كورتيز عضو مجلس النواب، والمرأة الأكثر كاريزماتية في الحياة السياسية الأميركية. إلهان عمر، رشيدة طليب، كل تلك النسوة أحدث صعودهن في عالم السياسة وداخل الحزب الديمقراطي نوعاً من التوتر الداخلي الحزبي. هن قدمن مشروعاً سياسياً تحت عنوان "الصفقة الخضراء -the green deal"، ومعه أنشؤوا حالة سياسية آخذة في التوسع. في الانتخابات الأخيرة استطاعت "هذه الكوتا" إنجاح أربعة مرشحين آخرين من بينهم جمال بومان. اليوم، هناك ثمان شخصيات في الحزب الديمقراطي، تمتلك رؤية غير كلاسيكية جديرة بالقراءة والمتابعة. وهؤلاء لا يملكون نفس رؤى المؤسسة التقليدية للشرق الأوسط. صحيح هم لن يتخلوا عن دعمهم لـ"اسرائيل" مستقبلاً، لكنهم بالتأكيد لن يضعوا كامل آمالهم بالإسرائيليين أيضاً. إلهان عمر، رشيدة طليب يحدثون رعباً لـ"آيباك" اليوم، وهذه مسألة جديرة بالقراءة.

ومع ذلك تبقى خسارة الحزب الديمقراطي أربعة مقاعد مسألة على درجة من الأهمية والحساسية. فمن أصل 232 مقعداً في الدورة السابقة حصل الحزب على ما يقدر بـ226 مقعداً اليوم. وهذه مسألة تخيف الديمقراطيين مع اشتداد حضور الشخصيات ذات الهوى اليساري في الحزب.

وبعيداً عن هذا وذاك من الحزبين، وبالمجمل، فإن محصلة الانتخابات الأميركية يمكن اختصارها ببضع كلمات: لقد أدمت الانتخابات وجه الولايات المتحدة. الحزب الديمقراطي نجح بصعوبة وفشل في حيازة الأغلبية في مجلس الشيوخ. اتسعت الشروخ داخل الحزب. والأمر أشد خطورة عند الجمهوريين. أما الشباب الأميركي اليوم، فصار على الضفة الأخرى من الحزبين.