"هل تدرك السعادة التي جلبها لنا نحن الفقراء؟ لا تعرف ذلك"، قال أحد محبي دييغو مارادونا لمحاوره أثناء إشعاله شمعة جديدة لروح الراحل. رجلٌ آخر حمل صليباً ثبّت عليه تمثالاُ لـ"يد الرب"، وسار في شوارع الأرجنتين مغنياً: "أوه أمي، هل تعرفين لماذا قلبي يخفق كذلك؟ رأيت مارادونا! وقعت في الحب!".

ربما البحث عن المهارة في حالة مارادونا لا تكفي، إذ لم يكن الأخير مجرد لاعب وإنما صانعاً للعب وقبل ذلك صورةً للإلهام والثورة. "غيفارا الملاعب" هكذا وصف مارادونا نفسه غير مرة، دون أن يجانب الصواب. ففي سيرة الرجلين ليس الفوز هو ما يظلل السيرة، وإنما شحن حياة الفقراء و"الجماهير" بالأمل، والذهاب بعيداً في مغامرات غير محسوبة وغير متوقعة؛ شطحات خيال جامح مرةً يلاعب الكرة وأخرى يباغت الأنظمة.

لا ينبغي أن نفلسف "الطفل الذهبي" كثيراً، ولا أن نذهب بعيداً في تأطيره، فالرجل عاش متحرراً وملتزماً في آن، وهذا ما يجعله أقرب إلى جمهوره من أي "بطل" آخر فوق المستطيل الأخضر. مشاكل مارادونا الكثيرة، مشاكساته، الفوضى والنزاع الذي أخرجه من نادي برشلونة عام 1984، ثم تورطه في تعاطي الكحول والمخدرات.. كل ذلك جعله قريباً من الصورة المثالية للبطل العادي، ذاك الذي لا يمكن بلوغ مواهبه لكن مانعاً رقيقاً فقط يحول دون الإمساك به.

علاوة على ذلك، رفع مارادونا من قدر الرياضة ليجعلها على اتصال بقضايا العالم، ووظف "أيقنته" لصالح دعم المشروع التحرري والمعادي للاستعمار والاضطهاد، تماماً كما وظف مهاراته الكروية لخدمة فريقه لا العكس. نتذكر هنا لقاءاته الحميمة مع فيديل كاسترو وهوغو تشافيز وإيفو موراليس، بالإضافة إلى معارضته للتجارة الحرة والحرب الأميركية على العراق ودعمه للحق الفلسطيني بالاستقلال والحرية.