لا تبدو "إسرائيل" مطمئنة هذه الأيام. هي تعي سخونة صفيح الشرق الأوسط بما فيه الكفاية. بالنسبة لرون بن يشاي، في "يديعوت أحرونوت"، تبدو الإدارة الأميركية اليوم في أفول: "غروب إدارة دونالد ترامب والفوضى السياسية في الولايات المتحدة هما اللذان يديران الشرق الأوسط حالياً"، يقول بن يشاي. ويبدو أن هذا سيستمر أيضاً بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2021. الوقت إذاً لفرض شروط القوى المختلفة على أرض الواقع في منطقتنا. معظم اللاعبين الإقليميين الكبار، يضيف، يستغلون الوضع في واشنطن للدفع قدماً بمصالحهم الاستراتيجية وتحسين مواقفهم إزاء إدارة جو بايدن، وأيضاً من أجل تقليص مخاطر تبدُّل "الحرس القديم" في البيت الأبيض.

بالنسبة ليشاي، يحاول الرئيس الأميركي المنتهية ولايته ووزير خارجيته مايك بومبيو، تحقيق أهداف خمسة أساسية حتى نهاية الولاية هي:

  1. استخدام كل الطرق الممكنة التي تحول دون رفع بايدن العقوبات عن إيران، ومن ثم العودة إلى الاتفاق النووي. لهذا فرضت إدارة ترامب في الأيام الأخيرة المزيد من العقوبات على شركات ومؤسسات وشخصيات إيرانية مرتبطة بنشاط إيران السياسي، وفي تطوير إنتاج الصواريخ الباليستية. لا يعني ذلك أن بايدن غير قادر على إلغاء العقوبات المفروضة على إيران بسبب نشاطها النووي، من خلال توقيع أوامر رئاسية تقضي بالعودة إلى الاتفاق النووي. لكن وفي كل ما يتعلق بأنشطة إيران لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتحدّي الولايات المتحدة، يحتاج بايدن إلى موافقة مجلسي النواب والشيوخ. ومن غير المؤكد أن بايدن قادر على ذلك في ظل سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ الأميركي. لذا سيصطدم بايدن بجدار الرفض الجمهوري في مجلس الشيوخ فور بدء ولايته، ولن يستطيع إبطال العقوبات التي فرضها ترامب إلى اليوم.
  2. يهدف ترامب لردع الإيرانيين عن زيادة وتيرة تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة الطرد المركزي الجديدة التي تخصّب اليورانيوم أسرع بثماني مرات من أجهزة الطرد القديمة. وتتخوف أوساط استخباراتية في الولايات المتحدة و"إسرائيل" وأوروبا، من أن إيران على وشك القيام بخطوة استفزازية تدفع بها قدماً بصورة واضحة نحو إنتاج سلاح نووي في الفترة المتبقية حتى تنصيب بايدن. إيران تحترف لعب سياسة الأمر الواقع، الأمر الذي سيضع الرئيس الجديد أمام معضلة لن يكون قادراً على مواجهتها بغير رفع العقوبات عن طهران. يضيف بن يشاي، أنه وفي الزيارة الأخيرة إلى القدس قال بومبيو لمحاوريه الإسرائيليين أن الولايات المتحدة مصرّة على منع تقدم إيران في مجال التخصيب. هذا سبب تسريب واشنطن إلى وسائل الإعلام العالمية أن ترامب فحص إمكان مهاجمة المنشآة النووية في إيران في أعقاب تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية، والذي جاء فيه أن طهران تواصل خرق شروط الاتفاق النووي. مسرّبو الرواية قالوا للمراسلين إن مستشاري الرئيس كبحوه بصعوبة كبيرة، ومنعوه من قصف منشأة تخصيب اليوارنيوم في نتانز. بالنسبة للأميركيين، كانت هذه خطوة تهدف إلى ردع الوعي الإيراني، وهو ما جعل المرشد الأعلى [السيد] علي خامنئي يتعامل مع التهديد بكثير من الجدية. وقد انعكس ذلك على سلوك الإيرانيين في العراق. إذ أرسلت طهران كبار المسؤولين في الجيش والحرس الثوري إلى العراق للتحاور مع نظرائهم العراقيين وإقناعهم بمنع الولايات المتحدة من مهاجمة إيران من الأراضي العراقية. لقد شعر الإيرانيون أن الأميركيين جادين في مهاجمة إيران من القواعد الأميركية في العراق، وفي دول الخليج.
  3. منع إيران من تحقيق إنجازات سياسية في العراق، في الوقت الذي تتطلع فيه طهران إلى طرد الأميركيين من العراق، لأن طهران تعتبر وجود قوات برية وجوية أميركية على حدودها الغربية أمراً خطراً. من هنا، يمارس "النظام الإيراني" ضغطاً كبيراً على الحكومة العراقية، ويعمل في المقابل لمهاجمة القوات الأميركية بواسطة ميليشيات يمولها فيلق القدس والحرس الثوري. لقد أطلقت هذه الميليشيات مؤخراً صليات من الصواريخ على القواعد الأميركية في العراق. فيما أعلن ترامب الأسبوع الماضي نيته تقليص عدد الجنود المنتشرين في العراق. وهذا يعطي الإيرانيين أملاً بأنهم قادرون على تحقيق هدفهم الاستراتيجي في الأسابيع المقبلة من خلال الضغط على الحكومة العراقية.
  4. الهدف الرابع لإدارة ترامب هو بلورة وتسليح محور مُعادٍ لإيران في الخليج، على أن تكون "إسرائيل" جزءاً منه. الحديث عن الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى السعودية واجتماعه ببومبيو وبولي العهد السعودي محمد بن سلمان، هي جزء من هذا الجهد، بغض النظر عن حصول الزيارة أم لا.
  5. أما الهدف الخامس لإدارة ترامب، فهو منح "إسرائيل" تقديمات اللحظة الأخيرة بصورة تخدم ترامب وطاقمه على المستوى الداخلي الأميركي، وفي عموم جمهور الناخبين الإنجيليين في الولايات المتحدة في حال قرر ترامب أو بومبيو خوض المعركة الرئاسية في سنة 2024. إن إعلان بومبيو أن الإدارة الأميركية قررت اعتبار حركة الـ"BDS" منظمة مُعادية للسامية، له هدف مزدوج. ففضلاً عما كسبه ترامب داخلياً، هو يريد كذلك تقديم مساعدة اللحظة الأخيرة لنتنياهو في انتخابات ستجري في "إسرائيل"، بعد بضعة أشهر على ما يبدو.