سُجل على مصرف لبنان انه قام بطباعة ما مجموعه 11 الف مليار ليرة في 2020، للوهلة الأولى يمكن اعتبار  أن هكذا رقم هو مبالغ فيه وحتماً قد يقود إلى تضخم فى الأسعار. لكن هكذا تحليل ليس سليماً وسوف نفصله لاحقاً. الغريب أن المصرف المركزي أصدر تعميم في الشهر العاشر محاولاً لجم السيولة بالليرة اللبنانية والذي ادى بدوره لحالة هلع في السوق النقدية اللبنانية. لن نعاود الحديث عن عدم أهلية المصرف المركزي في الإدارة النقدية، فهذا أصبح خارج النقاش، لكننا لا نستطيع التغاضي عن هكذا سلوك، لأن الضرر المباشر وغير المباشر على حياة الناس وقدرتهم على تأمين قوتهم اليومي هو جريمة وليس سوء ادارة.

سوف نقوم بإعادة تعريف بعض المفاهيم لتسهيل الشرح والتحليل. العرض النقدي (M3 Money Supply) بمفهومه المتداول هو مجموع النقد في التداول- من نقود معدنية وورقية- زائد مجموع الودائع المصرفية الجارية والودائع الآجلة.  أما سرعة دوران النقود ((Money Velocity فهي عدد مرات تدوال النقد. على سبيل المثال: لو أراد رب الأسرة شراء الخبز بدولار واحد، فهذا الدولار يتم تداوله عدة مرات لإتمام عمليات شراء عدة، فنفس الدولار سوف يستعمله بائع الخبز لشراء الماء وهلم جرا. أما المضاعف النقدي (Money Multiplier) فهو قدرة المصارف التجارية على خلق النقد. مثلاً عندما تقرض البنوك، يقوم المقترض بإعادة ذاك القرض كوديعة جديدة في نفس المصرف أو أي مصرف آخر، بعد ذلك يقوم المصرف بإعطاء قرض جديد من تلك الوديعة بعد حسم الاحتياطي الإلزامي الذي يحدده المصرف المركزي. عملية الدوران النقدي هي مركزية في العمل المصرفي، كونها تؤدي زيادة في العرض النقدي والتي قد تكون غير مستحبة في حالات تسارع النمو الاقتصادي، وفي الآن عينه تكون مضرة عند لجم المصارف عن الإقراض خلال الأزمات الاقتصادية.

النقود المتداولة في أي دولة من الدول هي الجزء الأصغر في العرض النقدي. مثلاً يبلغ النقد في التداول من الدولار الورقي في الويلايات المتحدة 11% من العرض النقدي، أما في الاتحاد الاوروبي فهو 9% وفي الصين 8.5 % واليابان 7.3%. هنا يجب الإجابة عن السؤال التالي: عندما نسمع أن المصارف المركزية تقوم بطبع العملة فهل يعني طباعة للنقد الورقي؟ وهل كل طباعة تعني زيادة في التضخم؟

الجواب طبعاً، وفي الحالتين هو النفي. عندما تقوم المصارف المركزية بطباعة النقد فهي لا تقوم بطباعة النقد الورقي بل تقوم بذلك عبر زيادة الاحتياطي للمصارف النجارية العاملة في الدولة في حساباتها لدى ذاك المصرف المركزي. لا تصبح هكذا زيادة في حسابات المصارف جزء من العرض النقدي إلا حين تستعملها المصارف التجارية في الاقراض كما ذكرنا آنفاً. أما طباعة النقد الورقي فهي تكون محددة ضمن الطلب على النقد الورقي والذي يتحرك، في كثير من الأحيان، ضمن هامش ضيق يرتبط بسرعة دوران النقود والحركة التجارية النقدية.

في الحالة اللبنانية الموضوع يختلف بعض الشيء، لكنه يبقى ضمن ذات المنطق العلمي. في إصداره الأخير حول الاقتصاد اللبناني قدّر صندوق النقد حجم الاقتصاد اللبناني بحوالي 18 مليار دولار أميركي حسب سعر الدولار السوقي وليس أسعار مصرف لبنان. طبعاً هذا انكماش حاد لم تشهده الجمهورية اللبنانية منذ نشأتها. وهنا يجب التذكير أن الاقتصاد اللبناني كان حجمه 52 مليار العام الماضي. هنا تدخل معادلة طباعة 11 ألف مليار ليرة: هل مجموع النقد الجديد هذا يؤدي إلى تضخم وضغط على سعر الصرف؟ الجواب: لا.

الاقتصاد اللبناني تحول إلى اقتصاد نقدي خالص بعد أن تحولت المصارف اللبناية إلى مصارف "zombie". هذه المصارف فقدت دورها بالمطلق ولم تعد قادرة على الإقراض، وطبعاً أصبحت الودائع المصرفية بحكم غير الموجودة. أي أن العرض النقدي أصبح بجزئه الأكبر النقد الورقي المتداول. وعلى الضفة الأخرى تراجع حجم الاقتصاد اللبناني بشكل متسارع وحكماً تراجع الاستهلاك، وهذا أدى بدوره إلى تراجع سرعة دوران النقود.  فعلى سبيل المثال، وإذا سلمنا جدلاً أن المضاعف النقدي هو الآن في حدود 1، مقارنة بمعدل 7 مرات في الأوقات العادية، فهذا يعني أن الاقتصاد اللبناني تحول إلى اقتصاد نقدي خالص، نقد ورقي، أي لا قدرة لمصارفه لزيادة حجم العرض النقدي.

هنا تصبح زيادة النقد الورقي المتداول ضرورية لملء الفراغ الذي انتجته المصارف. بهذا المعنى، يصبح 11 ألف مليار ليرة، أو ما يعادل 1.3 مليار دولار بسعر 8000 ليرة للدولار، ليس بعامل تضخمي بل حاجة لتسيير العجلة الاقتصادية. السؤال الأخير: هل هذا يجعل مصرف لبنان على دراية بما يفعله؟ الجواب: طبعاً لا. المصرف المركزي لا يتحرك ضمن منطق علمي وخير دليل على ذلك أنه عندما سمع الحاكم بهذا الخبر في الإعلام سارع إلى محاولة لجم السيولة النقدية وبالليرة عبر تعاميمه الرجعية. المصرف المركزي اللبناني يدار من مجموعة هواة تخطوا جميع درجات اللا-أهلية ليصبحوا مجرمين بحق الشعب اللبناني.