تفجرت الثورة السودانية نتيجة لفشل الأنظمة التسلطية في القيام بوظائفها الاجتماعية وتآكُل مشروعيتها الايدلوجية ودخولها في الفترة المفصلية[1]، لتدشن نهاية أطول حكم ديكتاتوري شهده السودان، وتصنع تاريخاً جديداً عماده المستبعدين الغاضبين الذين تصرفوا كفاعلين تاريخيين في صياغة واقعهم وتحديد مصيرهم. وكانت الثورة السودانية بمثابة استئناف للإرث النضالي المتمثل في انتفاضتي تشرين الأول/ أكتوبر 1964، ونيسان/ أبريل 1985 على مستوى الصيرورة التاريخية التي تقرأ تاريخ النظام السياسي كسلسلة من الانقلابات تفصل بينها حقب من الحكم النيابي الهش وترى فيه مساراً مضطرباً لتبيئة الديمقراطية والتي رد كثير من النقاد تعثر تطبيقها إلى نكوص النخب عن الفعل المنتج وإدمانها على ضرب مميز من الفشل. ومن جهة ثانية تعتبر الثورة السودانية تجلياً متأخراً لحالة "الربيع العربي" بما هي ثورة إصلاحية وامتداداً لموجتها الثانية التي استأنفت مسيرتها في العراق والجزائر ولبنان بعد ارتدادات الثورات المضادة في مصر والفوضى التي ضربت ليبيا واليمن وسوريا (بشارة، 2019).

الافتراضي في العصر الحالي -عبر ما اتاحه من اَليات وتطبيقات مختلفة مثلها الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي- أدى إلى صيرورة من التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي اعتملت داخل نسق الاجتماع السياسي (الجموسي، 2016). فقد لعب دوراً حاسماً في الثورات العربية رغم أنه لم يكن نتاجاً لها كما يقول أنصار الحتمية التكنولوجيا بيد أنه كان حصيلة مباشرة لتناقضات الأبنية الاجتماعية، ومع ذلك لا يمكن إنكاره - أي  العامل الافتراضي - بوصفه عاملاً معززاً ومسانداً ومساهماً بقدر كبير في انجاز الثورة وانجاحها. كونه يمثل فضاءً مفتوحاً يقوم على العلاقات الاتصالية الأفقية بديلاً للعلاقات الاتصالية العمودية. وأدى ذلك لأن يحلّ الفاعل المتصل محل الفاعل الملتزم وحلّ المثقف العمومي الذي يملك استقلاليته ويمارس حريته ويعمل بوصفه مواطناً منتجاً مسؤولاً ومشاركاً، يتحرك ويبادر، يناقش وينتقد، يتصل وينسق، محل المثقف الأيديولوجي الذي يتحرك وفق خرائط لا تمثل الواقع ولا تتمثله. فتحول الافتراضي من فضاء ترفيهى يغلب عليه طابع الإلهاء والتشتت إلى فضاء احتجاحي، مما أدى لأن يتحول الإنسان العادي من وضعية المتفرج المستهلك للمعلومة إلى وضعية الفاعل الصانع المروج لها، وهذا ما أسهم في تشكيل رأي عام أدى لتبلور سلطة مضادة.

سوف نستعرض في هذه المقالة آليات عمل الافتراضي ودوره في الثورة السودانية بما هو أداة للتعبئة السياسية والتغلب على الخوف من الدولة. ومن ثم نحاول أن نجيب أو أن نحرر في أدنى مستوى، كيف تحول التشبيك الافتراضي إلى تشبيك واقعي في الثورة السودانية، وما هي درجات العلائق بين الميديا والميدان ومستويات اضطرادها.

الافتراضي كأداة للتعبئة السياسية

تُمثل التكنولوجيا الرقمية اليوم فضاءً جديداً للعمل السياسي، ليس فقط بإتاحتها المشاركة اليومية المباشرة للحياة السياسية والاجتماعية بل لأثرها النافذ في تشكيل أبنية الوعي بالقضايا وأشكلتها وتغذيتها بأطياف من الدلالات والمعاني والرؤى عبر ممارسة النقد بمعناه الهيجيلي[2]فلم تعد السياسة ميداناً مستقلاً تجري التحولات السوسيو-ثقافية بمعزل عن مخاضاته (الجموسي، 2016). إذ مكنت الطرائق الاتصالية الأفقية من فك احتكار السياسة من قبل النخبة السياسية، الأمر الذي منح الفرصة لتشكل فاعل سياسي مدني ينشد الحقوق السياسية والاجتماعية من حريات وعدالة وكرامة انسانية . ومن هنا نستطيع الزعم بأن اعتلاء تجمع المهنيين منصة قيادة الثورة السودانية أتى في سياق سحب البساط من مجاميع الأحزاب والكيانات الاجتماعية التي كانت منخرطة بشكل أو بآخر في لعبة السلطة وضمن موازنتها، إذ مثل انتقاله كجسم تنسيقي مكون من نقابات ظل معارضة في السلطة التي حرمت المهنيين غير الموالين لها من حق التكوين النقابي، انتقلوا من هامش الفعل السياسي  إلى احتلال مركزه، كان ذلك بمثابة ثمرة مباشرة لهذا التحول في الطرائق الاتصالية من العمودي المؤسسي المباشر إلى الافتراضي الأفقي.

وكما كان ينتظر جموع المواطنين الجزائريين إبان ثورة التحرير إذاعة "صوت الثورة"، أصبح السودانيون يفتحون شاشات هواتفهم الذكية لانتظار جداول العمل الثوري والاطلاع على آخر الأخبار بل للمساهمة في عملية التعبئة ونقل الأخبار عبر التغريدات والهاشتاغ "#تسقط_بس و #مدن_السودان_تنتفض" ومشاركة الصور والفيديوهات، استطاعوا بذلك مأسسةً قواعد جديده للتعبئة السياسية قائمة على نقد ما هو قائم والنضال للوصول إلى ما هو أفضل.

الافتراضي كأداة للتغلب على الخوف من الدولة

شكل الافتراضي بما هو فضاءً منفلت من آليات الضبط والمراقبة لجهاز الدولة القمعي، مساحة آمنة للتلاقي والتنظير والتخطيط الاحتجاجي، وصولاً إلى الفعل بناءً على خاصيتين: أولاً العامل المتمثل في مقدرة الفاعل الشبكي على اخفاء هويته عن منظومة المراقبة الخارجية مما شجع نشطاء الافتراضي على التعبير عن تطلعاتهم في العيش في مجتمع تسود فيه قيم الحرية والديمقراطية (خباش، 2013) وقد بدا تجمع المهنيين السودانيين كياناً شبحياً بالنسبة للأجهزة القمعية. يُرى أثره عوض أن يدرك هو إلا بفعله وبما ظهر من قياداته التي أودعت السجن وأطلقت مع سقوط النظام أو بعد انشراخه وانحياز القوى الصلبة فيه إلى مطالب الجماهير الثائرة.

ثانياً: تجاوز وكلاء انتقاء المعلومة، "الذين يعملون على تصريف المعلومات التى تخدم مصالح النظام وحجب تلك التى تشوش عليه" (خباش، الربيع العربي وحكاية انكسار انظمة المراقبة والتحكم تحت وقع شبكات التواصل الاجتماعي، 2013). مما مكن المواطنين من الحصول عليها من مصدرها الأصلى وأيضاً مكن الفاعلين من نقل الأحداث بحمولاتها العاطفية مما أدى لتبلور رأي عام مضاد للسلطة لا سيما وأنه أنشأ جيلاً لا يقبل التعنيف الجسدي فكانت صور وفيديوهات القمع والتعنيف بمثابة دافع لدى الكثيرين للانخراط في العملية الاحتجاجية.

تحول التشبيك الافتراضي إلى تشبيك واقعي

وبما أن لكل ثورة خصوصيتها من حيث طبيعة  بنيتها وأساليبها وفئاتها الفاعلة، فقد كان للإرث النضالي السابق للافتراضي في السودان الأثر الأكبر في تحويل نقل التشبيك الافتراضي إلى تشبيك اجتماعي، فبعد أن كان الافتراضي ظلاً للواقع أصبح الواقع ظلاً للافتراضي.

فكانت تشكل لجان مقاومة الأحياء وفقاً لعلاقات الثقة المتبادلة بين المحتجين في الافتراضي وكانت المواكب تنطلق وفق خرائط تبث عبر صفحة تجمع المهنيين، ومن خلال بياناته تحدد نقاط التحرك ومسارات التظاهر للوصول إلى الساحات العامة، ومع القمع الكبير الذى تعرضت له التظاهرات في الساحات العامة، لعبت لجان المقاومة دوراً هاماً في إطار السعي لتقليل خسائر المواجهات المباشرة مع أجهزة نظامية لا تتورع عن استخدام القوة المفرطة في مواجهة التظاهرات السلمية عبر استراتيجية أشبه بحرب العصابات السلمية عبر قطع الطريق بالإطارات المشتعلة والمتاريس وتجزئه الاحتجاجات لتفادي الآلة القمعية للنظام، مما مكن الفاعلين من المحافظة على جذوته طيلة أربعة أشهر متواصلة وجعلهم قادرين على تخيل أنفسهم كحركة اجتماعية تستطيع ترتيب نفسها بمعزل عن الافتراضٍي، فكانت مظاهرة 30 حزيران يونيو هي الأكبر على الإطلاق بعد قطع خدمة الانترنت فهي نتاجٌ لتحول التشبيك الافتراضي إلى تشبيك اجتماعي واقعي.

خاتمة

يعتبر جدل الميديا والميدان أمثولة الثورة السودانية إذ يغذي الميدان رافداً نضالياً يربد بحراك الفاعلين الثوريين الذين التحموا بأحلام الشارع الكبرى واستلهام أدب الانتفاضات الاصلاحية في تشرين الأول - أكتوبر ونيسان - ابريل وتغذي الميديا أحدث الطرائق في الحشد والتعبئة واستدعاء التجاريب المماثلة. وارتسم في أفق العلاقة الجدلية مفارقات ضاجة منها أن التكنولوجيا أسعفت الذات الثورية الجديدة بأنماط مبتكرة في الفعل والتثوير غير أنها استطاعت أن تستأنف مسيرها رغم المجلس العسكري الذي حاول أن يصفّر العملية السياسية ويعيدها جزعة من جديد، حين أمر أو مرر عملية فض الاعتصام، فكانت مظاهرة 30 حزيران - يونيو هي أضخم عمل ميداني في غياب عمل الميديا. وهو ما يؤكد نفاذ الافتراضي في تشكيل الواقعي وإمكاناته الكامنة في الاستدامة والتواصل.


[1] يشير إلى الفترات التى تضعف فيها تأثير العوامل الهيكلية الاقتصادية والثقافية والأيدلوجية على الفعل السياسي مما يؤدي إلى توسيع خيارات الفاعلين (أحمد، 2015)