ماذا سيحدث؟ وماذا سيقول منتخبو جو بايدن؟ وماذا سيقول العالم؟ إذا تمكن دونالد ترامب في نهاية هذه المعركة الدائرة حول عدم نزاهة الانتخابات الأميركية، في أجزاء منها، بحيث تصدر المحكمة العليا قراراً يؤدي إلى اعتبار  ترامب هو الفائز في الانتخابات. فيعود ترامب رئيساً لأميركا للسنوات الأربع المقبلة.

وهكذا بجرة قلم قد يُسقط أربع قضاة جمهوريين من سبعة قضاة، 78 مليون ناخب أميركي، وأغلبية كبيرة من مصوتي الهيئة الانتخابية ممن صوتوا لجو بايدن، وجعلوا فوزه – حتى الآن – حاسماً ونهائياً. مما يوجب على ترامب أن يقر بالهزيمة ويهنئ جو بايدن بالفوز. ولم يفعلها حتى الآن، وربما لن بفعلها إلا خضوعاً لقرار المحكمة.

حقاً إنه لمشهد مفزع سيكون لكثيرين داخل أميركا أولًا، وخارجها ثانياً، وهذا يجب أن يفزع منه كل محب لأميركا من مواطنيها الآسيويين واللاتينيين فضلًا عن السود واليهود والليبراليين. لأنه يعني دخول أميركا مرحلة جديدة بدولة عميقة جديدة، وبأيديولوجيا جديدة. فترامب ليس مجرد شخص نزق وسطحي ومغامر وتاجر وعنصري فحسب، وإنما هو أيضاً ممثل لفئة واسعة من الـ"واسبس" (الأمريكيون البيض البروتستانت الإنكلوسكسون). وهؤلاء يشعرون أن سلطتهم تقلصت لحساب الغرباء والسود والبيض الملوثين بالليبرالية، وفي الأعماق يضيفون اليهود بالرغم من أن الإنجيليين الصهاينة منهم داعمين للوجود الصهيوني في فلسطين كل فلسطين.

ومن هنا فإن تمكن دونالد ترامب من الفوز بالرئاسة الأميركية سيزيد من عمق الانقسام الذي تجلى في الانتخابات الرئاسية 2020 وحولها إلى مهزلة، ولعبة لا تليق بالديمقراطية الأميركية الحريصة على مظهرها الخارجي. طبعاً إذا لم يستطع ترامب أن يفرض فوزه من خلال المحكمة العليا فإن ناخبيه سيتحولون إلى عدائية أشد، وستكون انتخابات 2024 أشد ضراوة ومهزلة من الانتخابات الحالية. لأن الدولة العميقة ومراكز قواها الحالية في عهد جو بايدن سترتب الأمور بحيث لا تتكرر تجربة ترامب مرة أخرى، وهو ما ستفعله الدولة العميقة ومراكز القوى الجديدة في الحزب الديمقراطي إذا ما تمكن بايدن من أن يحكم السنوات الأربع المقبلة، ويحدث التغيير في المؤسسات الإعلامية وأجهزة الدولة العميقة. فاللعبة الديمقراطية الأميركية في أزمة وساءت سمعتها.

كل أميركا انقسمت هذه المرة انقساماً أبشع بكثير من انقساماتها السابقة بما فيها الحرب الأهلية. لأن الحرب الأهلية السابقة وقعت بالرغم من دمويتها ووحشيتها في ظروف كانت فيها أميركا ناهضة وفي حالة صعود. أما الانقسام الحالي فمغزاه الأخطر كونه يحدث وأميركا في حالة تراجع وترهل، وفي مواجهة منافسين خطيرين بالمعنى العسكري والاقتصادي (روسيا عسكرياً، والصين عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً)، الأمر الذي سيزيد من التراجع والضعف والإرباك على عكس الحرب الأهلية السابقة التي عجلت في النهوض والصعود.

صحيح أن المؤشرات الأقوى والأكثر حسماً هي في مصلحة هزيمة ترامب وفوز جو بايدن، بل يفترض في حالات غير حالة ترامب أن يكون الأمر حسم الآن لمصلحة بايدن. فقد حاز على الأغلبية في عدد الناخبين والهيئة الممثلة للولايات التي تقرر من الفائز بغض النظر عن الناخبين الأفراد.

ولكن بسبب كونه ترامب، وفي الأصح بسبب ما يمثل في الداخل الأميركي، وبسبب أهمية المحكمة العليا التي يمكن أن تصدر قراراً مخالفاً عملياً لكل المؤشرات التي هي في مصلحة فوز جو بايدن. فقد جاز السؤال ماذا لو أصدرت المحكمة العليا قراراً في مصلحة فوز ترامب؟

ما سيفعله ترامب في في رئاسته إن تجددت يمكن معرفته جيداً في ما يتعلق بإيران ومحور المقاومة. أي سيذهب إلى المزيد من التوتير وصولاً إلى الحرب أو ما يقرب منها. ولكن، بفشل، إن شاء الله. أما ما سيفعله في مواجهة الصين وروسيا وحلفائه فسيشهد تغييراً ولا شك في تصعيد المواجهة مع الصين، ومع روسيا، وسيعمل إلى المصالحة أكثر مع أوروبا واليابان والهند.

على أن الدرجة في التصعيد مع كل من الصين وروسيا سيؤدي إلى دفعهما للوقوف مع إيران ومحور المقاومة أكثر مما هو حاصل الآن، ولا سيما بالنسبة إلى الصين التي تتصرف بإيجابية ولكن بحذر شديد.

أما إذا حسم الأمر، كما هو مرجح من المؤشرات المعطاة الآن لجو بايدن، فلا شك في أن السياسة الأميركية الخارجية ستأخذ مسارات مختلفة عن مسارات ترامب السابقة أو المتوقعة، وذلك بالرغم من أن الاختلاف لن يمس الجوهر ولا المصالح الأساسية لأميركا التي عبر عنها دونالد ترامب. فالحزب الديمقراطي في أميركا لم يكن في تاريخه أقل دموية أو نزوعاً للحرب والانقلابات العسكرية من الحزب الجمهوري، بل تفوق عليه بكونه صاحب إلقاء القنبلتين النوويتين على كل من هيروشيبما ونجازاكي، ولهذا فموقف بايدن من الصين وروسيا لن يختلف عن ترامب، ولا بأقل القليل، بل هو مرشح أن يجعل الصين في موقع الأولوية للاستراتيجية الأميركية، وتأتي بعدها روسيا، إذا فشل في مساومتها على تحييدها، وإبعادها عن الصين.

أما المشكلة مع إيران ومحور المقاومة في عدم حدوث اختلاف في الجوهر وإنما في إدارة الصراع، فترجع لعلاقته بالكيان الصهيوني، ولكون المشكلة مع إيران ومحورها هي في أساسها متعلقة بالصراع مع الكيان الصهيوني، مما يحول دون محاولة التهدئة مع إيران لإبعادها عن الصين. ولهذا ستتوقف العلاقات القادمة على موضوع البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني ودعم إيران للمقاومة في فلسطين ولبنان وسوريا إلى جانب قضايا أخرى، وهو موضوع لا حل له إلا بالتراجع الأميركي والاقتصار على تجديد الاتفلاق النووي (5+1) أو العودة إليه، بمعزل عن الموضوع الآخر. لأن من المحال أن يساوم الموقف الإيراني في الموضوع المواجه للكيان الصهيوني والداعم للمقاومة ضده، بل أن موضوع البرنامج الصاروخي البالستي بالنسبة إلى إيران يتعلق بالأمن القومي الذي لا يقبل المساومة كذلك.

طبعاً سيظل هناك تأثير في الكيفية التي سيتطور فيها الصراع مع الصين، لأنه يمس الأمن القومي ومستقبل التطور الاقتصادي لكل من أميركا والصين. فأن تصبح أميركا الدولة رقم 2 في العالم دونه خرط القتاد. وكثيرون في العالم خرطوا القتاد.