يدخل ألفونسو كابوني المعروف بآل كابوني السّجن عام 1932 بتهمة التّهرّب الضّريبيّ. آنذاك، لم يكُن غسيل الأموال تُهمةً يُعاقِب عليها القانون في الولايات المتّحدة الأميركيّة. 

في الحقيقة، لم يُعرَف هذا المُصطلح بمفهومه الّذي هو عليه إلّا بعدَ أعمال المذكور، الّذي قام بشراء مجموعة مغاسل للألبسة بهدف إضفاء الشّرعيّة على أمواله الّتي حصل عليها من تجارة الخمور والكحوليات بعد قانون منع الإتجار بتلك المواد الّذي فرضته السّلطات الأمريكيّة بين عاميّ 1920 و1930.

كان هدف آل كابوني، ابن الحلّاق، الّذي لم يكن قد تجاوز  الثّلاثين حين كان في ذروة سطوته، أن يُجيب على سؤال بسيطٍ جدّاً؛ من أين لك هذا؟ لأنّه كان يحتاج إلى ما يُثبت أنّ أمواله شرعيّةٌ لا غبار عليها من أجل الاستمرار في تداولها بشكلٍ قانونيّ دون إثارة أيّ شكوك. وبذلك، كان يدمج أرباحه من التّجارة الممنوعة بتلك الّتي حصّلها من مغاسله.

لغسيل الأموال بجميع أشكاله، ثلاث مراحل رئيسة. تُعرفُ المرحلة الأولى بمرحلة الإيداع (placement) وهي قد تكون المرحلة الأخطر، حيث إنّها تُعتبر أوّل احتكاك للمال غير الشّرعيّ مع السّوق الماليّ. تليها مرحلة التّمويه أو التّغطية (layering)، وفيها يهدف الغاسل إلى خلط أمواله بالسّوق، بين بيع وشراء من أصلٍ لآخر ممّا يؤدّي إلى تراكم السّندات والفواتير القانونيّة، وكلّما ابتعد الغاسل عن أصله الأوّل بدا شرعيّاً أكثر. أمّا في المرحلة الأخيرة، المعروفة بمرحلة الدّمج (integration) يصبح الغاسل قادراً على استخدام أمواله المغسولة بصورة جهريّة، ممّا يمكّنه من طرحها في السّوق والتّعامل بها واستثمارها في مشروعات عدّة كالفنادق والنّوادي الليليّة وغيرهما من المصالح عالية الدّخل، فكلّما كان دخله الشّرعيّ أكبر، كان غسل المال الكثير أسهل.

قد تكون هذه الأعمال رائجةً بين غاسلي الأموال، ولكن، من الطّرق الاحترافيّة، لجوء الكثير من غاسلي الأموال إلى شراء اللّوحات الفنّيّة الباهظة الثّمن، والّتي  قد تتخطّى مئات ملايين الدّولارات. إذ إنّ اللّوحات و غيرها الكثير من الأعمال الفنّيّة ليس لها أيّ نظامٍ يفرض تسجيلها، إضافةً إلى ذلك، في معظم الأحيان تبقى هويّة الشّاري مجهولةً، الأمر الّذي يجعل هذا السّوق، فرصةً لا تُفوَّت بالنّسبة إلى الغاسل.

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أنّ لوحة "رقم 5. .1948" للرّسّام الأمريكيّ جاكسون بولوك بيعَت بصفقة خاصّة لرجل أعمالٍ مكسيكيّ يُعرف باسم دافيد مارتينيز بسعر بلغ مئةً وأربعين مليون دولار من قِبل رجل الأعمال الأميركيّ دايفيد غيفين. لمارتينيز سجلّ حافل في سوق الفنّ، فهو دائم السّعي للحصول على لوحات لأشهر الرّسّامين أمثال دي كونينغ وروثكو.

من غير المنطقيّ أن نقتنع أنّ أحداً ما قد ينفق هذه المبالغ بالفعل لمجرّد هوايته في جمع الجداريّات أو حتّى في سبيل تقدير الفنّ. ففي العام 2010، أقرّت الحكومة المكسيكيّة قانوناً يفرض على هذا القطاع إعطاء معلومات أكثر دقّة وتفصيلاً عن هويّات الشّارين وسجلّاتهم. وقد لوحظ بعدها انخفاض لافت في أرقام بيع ذلك السّوق في أقلّ من عام. وقد رجّح أهل الخبرة أنّ السّبب في ذلك هو كون معظم الضّالعين في هذا النّوع من الأعمال هم مكسيكيّو الجنسيّة.

ولكن، كيف يُمكن للشّاري الإفادة من شراء هذه الأعمال الفنّيّة وبسعر كهذا؟ الإجابة ببساطة: بإعادة بيعها. لنفترض أنّ رجلاً ما يملك 5 مليون دولار. يُمكنه أن يشتري عملاً لبيكاسّو فلنقل بمليونيّ دولار. يُمكنه وبمنتهى السّهولة أن ينقل اللّوحة إلى مكان شديد الحراسة والأمان، ليبيعها دون علمِ أحد أو حتّى دون تحريكها من مكانها، ودون أيّ تسجيل. ممّا يجعل مال الغاسل مالاً ناتجاً عن تجارة شرعيّة.

قد يأخذ الأمر بعداً أكثر خطورة، ففي عام 2017، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال"، تقريراً تظهر فيه كيف يسخّر تنظيم "داعش" عدداً لا يُستهان به من الآثار الّتي سيطر عليها أو اشتراها من مصادر له، والّتي يعود بعضها إلى عصور الكتابة المسماريّة، في عمليّات تهريب مُتقنة إلى أوروبا حيث يشتريها أوروبيّون.

 

ربّما لو كان نزار قبّاني على قيد الحياة، لرسم بالألوان لا بالكلمات. ففي زمن كهذا، حين يُسمّى هذيان ريشةٍ فنّاً ساحراً لا بدّ لنا من الرّجوع قليلاً، وتعديل اللّوحة.