(ترجمة هادي حطيط)

***

قد يتذكر قراء الخندق مقالتي الكئيبة - وإن كانت مفعمة بالأمل - "ليلة في برونكس"، والتي تناولت الاحتجاجات التي تبعت مقتل جورج فلويد في الولايات المتحدة وتداعياتها. واستناداً إلى محادثاتي في الشارع وفي السّجن فقد أعربتُ حينها عن أملي في أنّه، وأخيراً، بدأ يظهر إجماع متكامل حول وعي دور العرق والطبقة في الولايات المتحدة. وبحلول وقت طباعة هذا المقال، كانت احتجاجات جورج فلويد قد شاركت بالفعل ضمن سلسلة من الرموز الأدائية - في رسم شعارات حركة "حياة السود مهمة" في الشوارع ومحو الشعارات والرموز العنصرية من الأماكن العامة في الولايات المتحدة وإعادة تسمية بعض المباني وغير ذلك من الأعمال.

مع انتشار أخبار انتصار جو بايدن بفارق ضئيل على دونالد ترامب في جميع أنحاء البلاد، كان الملايين من المتظاهرين الذين هتفوا "كل رجال الشرطة أوغاد" يحتفلون بوصول شخص معروف بسيرته الإجرامية طيلة حياته السياسية مع نائبه المدعي العام السابق إلى البيت الأبيض. في هذه المرحلة، يجب على أيّ منظّر أو عالم أو ماركسي جيّد أن يتوقف قليلاً ويعيد التفكير في الأمور ملياً، ويصدر نقداً ذاتياً قوياً وجاداً. لقد أمضيتُ السنوات الأربع الماضية في محاولة الدفع باتجاه فهم سياسي مبني على المنهج النظري والتاريخ والاقتصاد السياسي. حسناً، لقد فشلت فشلاً ذريعاً، وما زالت "نظرية الرجل السيئ" تهيمن على الواقع السياسي في هذا البلد.

في أبسط أشكالها، تخبرنا نظرية الرجل العظيم (التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفيلسوف الاسكتلندي والفاشي المؤسس توماس كارلايل) أنّ القادة يولدون ولا يُصنعون، وأنّ هؤلاء القادة هم المحركون الأساسيون للتاريخ. ونظراً لأن التاريخ هو في الأساس ثنائيّ القطب، فإنّ حالة الهوس بالتفاؤل الذي يرافق نظرية الرجل العظيم الذي يصنع التاريخ العظيم، تفسح الطريق أمام حالة مقابلة من الكآبة العميقة المنبثقة عن نظرية الرجل السيئ - أي فكرة أنّ أمراض التاريخ وعلله هي مرتبطة بالأفراد الفاسدين وغير الأخلاقيين الذين جاؤوا وأفسدوا فيه. منذ الأيام الأولى لحملة ترامب لعام 2015، عندما اندفع كل مقدّم برنامج حواري ليبرالي على التلفزيونات الأميركية وغير الأميركية لإلقاء نكاتٍ مبتذلة حول يديه أو لون بشرته، إلى الرقص في شوارع بروكلين الليلة الماضية – كان الصوت الجماعي لأصحاب نظرية الرجل السيئ يرتفع بقوة، أعلى من صوت أيّ شخص يعتقد أنّ فهم قضايا أميركا يتطلب أكثر من بضع دقائق من التحليل السريع.

في العام الماضي، بدأت مقاربة الخطاب الأميركي بناءً على مفاهيم نظرية الرجل السيّئ في الكشف عن بعض المفارقات المذهلة حقاً. بحلول أواخر عام 2019، بدأ الأميركيون المصنّفون ضمن يسار الوسط أخيراً باستخدام كلمة "فاشية" في وصفهم لترامب. وبعد حوالي عام، بدا الأميركيون مندهشين حقاً عندما اكتشفوا أنّه قد يحاول سرقة الانتخابات - وهو خطر محتمل لا تسمح لي طبيعتي الإيرانية بتجاهله. إذاً يمكن للمرء أن يصف ترامب بأنّه فاشي بينما يبقى يتجاهل حقيقةَ أنّه قد يقوم بسرقة نتائج الانتخابات، لأنّ هذا التوصيف لم يستند إلى أيّ تعريف ذي معنىً لمصطلح "الفاشية". إنه قائم على تصوّر أنّه إذا كانت سياسات الرجل السيئ سيئةً بما فيه الكافية ، فإنّه سيصبح في النهاية فاشياً.

هناك تشابه مثير للاهتمام لاحظته بين معظم المهاجرين من الجيل الأول في الولايات المتحدة وهو أنّ معظمنا لديه إحساس ضمنيّ بأنّ هذا البلد هو أرض العجائب - سلسلة من الألغاز الثقافية والاجتماعية المحيّرة التي يصعب حلّها بطريقة ما (أو حتى فهمها) مع كل يوم يمرّ. أحد أكثر هذه الألغاز المحيّرة هو كيف يتغلغل الميل إلى "فردنة" وتفتيت الفهم والأفكار والمفاهيم في كل مستوىً من مستويات الحياة الأميركية – سواءً في المقاربات السياسية، أو في الأساس الفكري الذي تستند إليه هذه المقاربات، أو حتّى في الفردانية المتعلّقة بالحياة اليومية. لا يواجه أقاربي وأصدقائي في إيران مشكلةً في مقارنة نظامهم ككلّ بما هو موجود ويجري في أماكن أخرى في هذا العالم. وفي الواقع، فإنّهم يفعلون ذلك ببهجة، وغالباً بشكل غير عادل. قلّة منهم، إن لم يكن لا أحد، هم من الماركسيين أو الراديكاليين. وفي المقابل، أجدُ أنّ العديد من أصدقائي الأكثر تطرّفاً هنا في الولايات المتحدة، ينجذبون بشكل طبيعيّ إلى نظريات "الألينة" أو آليات ممارسة القوة أو النقد الثقافي، بدلاً من الاهتمام بالاقتصاد السياسي مثلاً أو بالتاريخ المقارن. ولا يزال الفضول الطبيعيّ حول النظريّات المتعلّقة بكيفية تفاعل النظام مع الفرد يطغى على ما هو ما هو متعلّق بكيفية عمل النظام ككلّ.

ومن المفارقات الغريبة الأخرى التي ظهرت في أعقاب احتجاجات جورج فلويد، هي كيف جرى الانتقال من الضجّة الخطابية التي أثير تحول إلغاء نظام السجن، والتي نوقشت بجدية في وسائل الإعلام، إلى الاحتفال بوصول الثنائي جو بايدن - كامالا هاريس إلى الرئاسة، فقط في غضون بضعة أشهر. هاريس، المدعية العامة السابقة في أكثر الولايات الأميركية تبنّياً لأنظمة الاعتقال القاسية، هي ليست حتى من أنصار الإلغاء. واقع أنه يمكن المطالبة بإنهاء وحشية الشرطة والقمع وفي نفس الوقت الاحتفال بنجاح هاريس، ينبع مباشرة من تهميش السؤال والنقاش حول القصة الحقيقية وراء وجود هذا العدد الكبير من السجناء في أميركا، ومدى ارتباطه وتجذّره في الاقتصاد السياسي والرأسمالية النيوليبرالية وحتى العلاقات الصينية الأميركية. ما يحصل في الظلال هنا هو أهم بكثير مما يقوم به أولئك الممثلون في العلن.

كما سنرى في الجزء الثاني، حيث سنحكي قصة الدولة الأميركية السلطوية[1]، فإنّ فهم الاقتصاد السياسي ليس بهذه الصعوبة. يقوم فهم الاقتصاد السياسي للولايات المتحدة على أسس بسيطة نسبياً - أبسط بكثير من النثر والفلسفة المعقّدة لآلان باديو وميشيل فوكو في تفسير قضايا العالم. يحتاج الناس إلى القيام بأمور معينة من أجل حدوث شيء ما. صحيح أنّه يمكن مبادلة الأموال بالسلع والخدمات، وأنّ الرأسماليين يسعون خلف الأرباح القصوى، بينما يسعى العمّال للحصول على الأجور. ولكن هناك الكثير من الخبايا في تلك القواعد البسيطة نسبياً، أكثر مما يمكن أن تحلم به العديد من النظريات الفلسفية.

 

[1]ترجمة تقريبية لـ carceral state وهي تعني الدولة التي تتبنى نظاما قاسيا يتعلّق بفرض السلطة من خلال اطلاق يد الشرطة وصلاحياتها في ملاحقة وسجن المواطنين.