علت أصوات الفرنسيين ضد الرئيس الفرنسي فيما كان ماكرون يجول موزعاً قبلاته في شوارع بيروت عقب انفجار الميناء في الرابع من آب الماضي. لقد وجه سياسيون وصحافيون فرنسيون انتقاداتهم الحادة لماكرون مطالبين بعدم عودته والتوقف عن التدخل في مشاكل الآخرين، كما والعمل على حل مشاكل فرنسا الأكثر إلحاحاً لاسيما الوضع المتفجر في مالي حيث يتواجد أكثر من خمسة آلاف جندي فرنسي منذ عام 2012.

فبعد أيام من زيارة ماكرون لبيروت نجحت مجموعة من الضباط الماليين في إسقاط الرئيس المالي الموالي لفرنسا "أبو بكر كيتا" بانقلاب عسكري في 18 آب، وأدى وزير الدفاع السابق العقيد المتقاعد باد نداو (70عاماً) اليمين الدستورية رئيساً للسلطة الانتقالية، لمدة 18 شهراً، أمام المحكمة العاليا في باماكو العاصمة في 26 أيلول متعهداً "بانتقال مستقر وهادئ وناجح للسلطة" ومؤكداً حرصه على التزامات مالي الدولية والاتفاقات الموقعة ونيته مواصلة الحرب ضد قوى الإرهاب والجريمة المنظمة فيما بدا واضحاً أنه رسالة طمأنةٍ إلى فرنسا والمجتمع الدولي.

شكل الانقلاب ذروة الأزمات التي عاشتها مالي خلال السنوات الماضية التي شهدت انقلاباً عام 2012، واحتلالاً لشمال البلاد لتسعة أشهر من قبل الجماعات الإسلاموية عام 2013، وتكاثراً لحركات التمرد والجماعات الجهادية وميليشيات الدفاع عن النفس، إضافةً إلى الأزمة السياسية والاجتماعية العميقة التي تفاقمت منذ نيسان الماضي على الأقل. إذ جرى في نيسان انتخابات أجريت بالرغم من انتشار الكورونا، فشهدت نهباً لمراكز الاقتراع وأعمالاً عنفية أخرى، ليس أقلها اختطاف زعيم المعارضة المالية.

الأوضاع في مالي ليست بخير، فالانتخابات قادت إلى عصيانٍ مدني في تموز الماضي، تلتها اضطرابات مدنية سقط فيها قتلى من المتظاهرين ضد الرئيس كيتا الموالي لفرنسا، والذي شكل في ذاكرة الماليين رمزاً لعجز الدولة، والفساد، والركود الاقتصادي. ومع ذلك ظلت فرنسا تفضله مقابل الاستمرار في جني مكاسب وجودها، فوضعت ثقلها في دع م رئيس الوزراء السابق "سوميلو مايغا" المعروف بفساده خلال ترؤسه للحكومة ووزارتي الدفاع والخارجية وجهاز المخابرات، ثم راهنت لاحقاً على خليفته "بوبو سيسي" الذي لم يتأخر الماليون لينتفضوا عليه.

وكانت الإدارة الفرنسية قد سارعت لاستدراك الوضع فبادر ماكرون للاتصال بالقادة الأفارقة وأضاف الملف إلى جدول أعمال المجلس الأوروبي، ودعت فرنسا (والنيجر) إلى جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي، لكن أوساطٌاً فرنسيةٌ وصفت ما جرى بأنه تتويجٌ لفشل السياسة الفرنسية في مالي التي اعتمدت بشكلٍ رئيسٍ على الحل الأمني وتغاضت عن التجاوزات التي شابت إعادة انتخاب "كيتا" وهو ما ركزت عليه الصحافة الفرنسية التي اعتبرت ما جرى "انتكاسةً للسياسة الخارجية الفرنسية"، وحدثاً خطيراً جداً يستوجب اهتمام الإليزيه أكثر بكثير من انفجار بيروت.

أما الانقلاب فقد لاقى إدانةً من المجتمع الدولي، والاتحاد الأوروبي وفرنسا، وتم تجميد عضوية مالي في الإكواس وفُرضت العقوبات عليها، فيما أعلنت الولايات المتحدة وقف جميع أشكال التعاون مع الجيش المالي على لسان مبعوثها الى ساحل غرب أفريقيا. البنتاغون بدوره وصف ما جرى بـ"أعمال تمرد"، وفي حين ألمحت إذاعة فرنسا الدولية إلى دورٍ روسي محتمل بالإشارة إلى أن اثنين من كبار الضباط "مالك دياو" و"ساديو كامارا" عادا من روسيا قبل أسبوع واحد من الانقلاب أكدت وزارة الدفاع الأمريكية أن الضابط الذي أعلن نفسه مسؤولاً في مالي بعد الإنقلاب ""أسيمي غويتا" قد تلقى تدريباً  لدى فرنسا وألمانيا ولدى القيادة الأمريكية لغرب أفريقيا Flinktock وشارك سابقاً مع قوات العمليات الخاصة الأمريكية.!

السلطات الانتقالية، بدورها، أبدت قدراً من المرونة حيث سمحت للرئيس المخلوع "أبو بكر كيتا" بمغادرة البلاد إلى الامارات العربية المتحدة للعلاج إثر إصابةٍ مزعومةٍ بجلطةٍ دماغيةٍ خفيفة خلال وجوده في الإقامة الجبرية داخل معسكر "كاتي"، بعد أن أبدى عزوفه عن الحياة السياسية وعدم رغبته بالعودة للحكم ما أعطى دفعاً لجولة مفاوضات مع المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إكواس) وبالتزامن مع تظاهرة حاشدة مؤيدة للضباط وداعمة لموقف العسكر، في ساحة الاستقلال وسط العاصمة. كما أعلن الإمام النافذ "محمود ديكو" عودته إلى مسجده بعد أن لعب دوراً كبيراً في تعبئة الجماهير ضد حكم الرئيس "كيتا" خلال الأشهر التي سبقت الانقلاب لاسيما في حراك الخامس من يونيو.

بالعموم، بات الوجود الفرنسي الذي يرعى عمليات النهب المنظم لثروات مالي مهدداً فعلياً، وبات الشعب المالي أكثر وعياً لما يجري وأقل تقبلاً له. فقد اعترفت هيئة الأركان الفرنسية عقب الانقلاب بأنها تتوقع ضربات موجعة للغاية في المرحلة القادمة بسبب عدم الرضى الشعبي عن الوجود الفرنسي الذي صار عرضة للانتقاد الدائم مع تنامي مشاعر العداء للفرنسيين، ومع ربط وجودهم بالماضي الاستعماري لبلادهم. فهل تحظى مالي فعلاً باستقلالها الاقتصاي أم سيعاد سيناريو ترهيب الشعب بفزاعة الارهاب وإغراقه في صراعاتٍ داخليةٍ متجددة؟