"إن علاقاتنا بآذربيجان أهم بكثير من علاقتنا بفرنسا"

وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق أفيغادور ليبرمان

***

مهّد انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور دول مستقلة في القوقاز الطريق أمام القوى الدولية والإقليمية للتغلغل والتنافس على النفوذ والمكاسب الاستراتيجية في تلك المنطقة، والتي تشكل "فناءً خلفياً" لروسيا؛ هذا ربما ما شجع "إسرائيل" كي تصبح الدولة الأقرب كيانات القوقاز المستقلة حديثاً مطلع التسعينيات، إن كان لناحية السياسة أو الاقتصاد. حتى إن بعض تلك الدول نظرت إلى "إسرائيل" كنموذج يحتذى لدولة صغيرة الحجم والإمكانيات لكنها متقدمة وقوية.

وكانت الحرب الروسية - الجورجية عام 2008، قد كشفت بعضاً من مظاهر الحضور الإسرائيلي في تلك المنطقة؛ إذ استطاعت تل أبيب استخدام عنصرها البشري في توجيه السياسة الخارجية والدفاعية لجورجيا؛ فوزير الدفاع الجورجي "ديڤيد كيزراشڤيللي" درس في "إسرائيل" وحصل على الجنسية الإسرائيلية، وعاد إلى جورجيا مع مجموعة من اليهود الجورجيين الذين هاجروا إلى تل أبيب من قبل، ثم عادوا إلى جورجيا ليصبحوا رجال أعمال، وأصحاب دور مؤثر وعميق في السياسات الجورجية الخارجية.

هذا ما يمكن لحاظه في العلاقات القوقازية الإسرائيلية، التي تنامت وانعكست في غير مستوى ومجال (أمني، عسكري، اقتصادي)؛ فطوّر الإسرائيليون الجيش الجورجي سعياً لتأهيل تبليسي لعضوية الناتو، وأفادوا الجيش الآذربيجاني بالخبرات والقدرات. كما أفادت "إسرائيل" القوقاز في غير مجال ومستوى (في زراعة القطن طويل التيلة ترشيد إنفاق المياه المستخدمة في الزراعة في جورجيا كمثال)، مقابل حصولهم على تسهيلات عسكرية للتجسس على إيران وبرنامجها النووي.

ومن الأهمية بمكان ألا نختزل التسلل العسكري الإسرائيلي في الجانب التسليحي، فما بين تل أبيب والقوقاز أعمق وأكبر. إذ تعمل تل أبيب مع كل من آذربيجان وجورجيا على  تحجيم دور إيران في واحتواء خطر الإسلام السياسي ومنع انتشاره في القوقاز آسيا الوسطى. ولعل المتابع لخطوات "إسرائيل" الدبملوماسية في آسيا الوسطى يتيقن بأن محاصرة الإسلام السياسي في أوزبكستان، كازاخستان، تركمنستان، طاجيكستان، وأذربيجان هو الهدف الأول لكل من جورجيا، آذربيجان، و"إسرائيل"، فهي كلها تشترك في خوفها من النفوذ الإيراني والإسلام السياسي في قلب القارة الآسيوية.

على الجانب الاقتصادي، سعت تل أبيب منذ مطلع الألفية الثانية للحصول على نقل نفط وغاز بحر قزوين عبر كل من جورجيا وتركيا (خط باكو جيهان). الفكرة بدأت مع حكومة "اسرائيل" التاسعة والعشرين برئاسة شارون عام 2000، التي طرحت فكرة مد خطوط النفط والغاز من ميناء جيهان التركي إلى ميناء عسقلان وصولاً إلى إيلات، ومن ثم تصديره إلى الشرق الأقصى. لكن المشروع توقف بعيد انهماك تل أبيب باكتشافات حقول الغاز الكبيرة شرقي المتوسط عام 2009، ومع تردي علاقة بين تل أبيب وأنقرة.

 

العلاقات الإسرائيلية - الآذربيجانية:

"إن علاقات آذربيجان مع إسرائيل تشبه جبل الجليد: تسعة أعشاره غائبة عن الأنظار"

الرئيس الآذربيجاني إلهام علييف

***

تعود العلاقات الدبلوماسية بين باكو وتل أبيب إلى نيسان 1992، عندما تبادل البلدان المكاتب الاقتصادية. أما في عام 1993، فقد افتتحت "إسرائيل" سفارة لها في باكو. وقد مرت العلاقات بين اسرائيل وآذربيجان بعدة مراحل هي:

المرحلة الأولى (1992 - 1994): كانت "إسرائيل" تعتبر آذربيجان ممراً طبيعياً للعلاقة مع الدول الإسلامية، فآذربيجان كانت أول دولة إسلامية مهتمة بتطوير العلاقة مع اسرائيل، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. في تلك الفترة، كانت العلاقات مع أذربيجان جزءًا لا يتجزأ من الجهود التي بذتلها الدولة الصهيونية لتحسين صورتها على المستوى الدولي. يقول إلهان شين أوغلو، مدير مركز أطلس للأبحاث السياسية في باكو: "إن إسرائيل بحاجة إلى علاقات ودية مع دولة مسلمة". وهذا ما دفع بتل أبيب لدعوة باكو لأن تكون جسراً بين "إسرائيل" والعالم العربي، ووسيطًا في الصراع العربي الإسرائيلي.

المرحلة الثانية: (1994 – 2002): عمل ممثلو الجالية اليهودية في هذه المرحلة على تقديم المساعدة لآذربيجان، لإطلاع الأسرة الدولية على حقيقة الأمور في نيغورني كاراباخ. يقول إيليا بيرتمَن الباحث في مركز بيغين - السادات الإسرائيلي للدراسات: لعب اللوبي اليهودي في واشنطن في تلك المرحلة على إبطال سياسة اللوبي الأرميني المناوئ لآذربيجان، والرامي إلى الحد من المساعدات الأميركية إلى باكو. ونتيجة لنشاط اللوبي اليهودي في أميركا، ألغت وزارة الخارجية الأميركية عام 2002 حظر مبيعات الأسلحة إلى أذربيجان المعمول به منذ عام 1993، كما خصصت الحكومة الأميركية في منتصف العقد الأول من القرن الحالي منحة قدرها 4.4 مليون دولار لمساعدة الجيش الآذربيجاني.

المرحلة الثالثة: (2003 – 2015): بعد عشر سنوات من العلاقات، لم يجد النائب الآذربيجاني علي محمد نورييف حرجاً من الإعلان أن إسرائيل هي أحد شركاء آذربيجان الإستراتيجيين، داعياً قيادة بلاده إلى توسيع التعاون مع الدولة العبرية في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

عرفت هذه المرحلة إقامة منتدى إسرائيلي - أذربيجاني للأعمال في باكو عام 2009، كما عرفت نشاطاً إسرائيلياً متميزاً على مستوى التسليح في جنوبي القوقاز، وعملاً اسرائيلياً دؤوباً لمركزة قواعد الاتصالات والتنصت على إيران في باكو. وقد حصلت شركة "إلبيت سيستمز" الإسرائيلية، والتي تمتلك شركة سولتام، على عقود بتوريد مدافع الهاون؛ بينما سيطرت شركة "تاديران" (ملكيتها مشتركة بين وزارة الدفاع الإسرائيلية ومجمع كور) على كامل منظومة أجهزة اتصالات العسكرية الآذربيجانية؛ والأمر نفسه بالنسبة إلى "IMI" التي أشرفت على تطوير القدرات الصاروخية الآذرية.

أما عام 2012، فقد توج الطرفان علاقاتهما وذلك بتوقيع أضخم عقد بين البلدين بمبلغ يفوق 1.5 مليار دولار. ووفقا لهذا العقد، فقد تسلمت أذربيجان على مدى أعوام 2013، و2014، و2015 طائرات من دون طيار من طراز "هيرون-1" و"سيرتشير-2". وكذلك، صواريخ "غابريل-5" المضادة للسفن، ومنظومة الدفاع الجوي "باراك-8" ومحطة الرادار للإنذار المبكر "EL/M-2032"، كما تم تأسيس مصنع مشترك لطائرات "هيرون" من دون طيار، ورشاشات "تار-21" في آذربيجان. كل ذلك كان من ضمن خطة تل أبيب لتطوير قدرات الجيش الآذري والإشراف على تدريبه وتأهيلة.

المرحلة الرابعة (2015 – وصولاً إلى اليوم): لا شك توسعت العلاقات وارتفع التعاون الأمني والاقتصادي والسياسي ليصل إلى أعلى مستوياته عام 2018. وباتت آذربيجان تؤمن حولي 40% من حاجة "إسرائيل" من النفط الخام. في المقابل صارت باكو من أهم زبائن السلاح الإسرائيلي. إلا أن وضعية آذربيجان وأهميتها الاستراتيجية، تراجعت من كونها حاجة ضرورية وملحّة، بالنسبة للإسرائيليين، إلى حاجة ذات أهمية ليس إلا. ويعود السبب في ذلك إلى جملة عوامل منها:

  1. اكتشاف كميات الطاقة الكبيرة في شرقي المتوسط.
  2. التنافس التركي - الإسرائيلي على خطوط إمداد الطاقة نحو أوروبا في شرق المتوسط، مع علم تل أبيب بعلاقة آذربيجان التبعية لأنقرة.
  3. انفتاح العالم العربي أمام الإسرائيليين، والتقارب الخليجي الإسرائيلي، الذي أفقد باكو أهميتها كدولة – ثغرة في جدار العزلة الإسرائيلية عربياً وإسلامياً.

وهذه الأمور كلها، كانت عاملاً مساعداً في محاولة "إسرائيل" موازنة علاقاتها مع جارة آذربيجان الند، أرمينيا.

 

العلاقات الإسرائيلية – الأرمينية:

"كيف يمكن لأرمينيا وإسرائيل المضي في خطوات مشتركة نحو المستقبل تعزيز العلاقات الثنائية بين الدول؟ لا أرى بديلاً عن المشاريع الإنسانية التي تعمل كقوة دافعة وحافز لضمان التعاون المستدام والمنتج والمتعدد الأطراف".

السفير الأرميني في "إسرائيل" آرمين سمباتيان (18  أيلول 2020).

***

عرفت العلاقات الأرمينية – الإسرائيلية تطوراً ملحوظاً منذ إستقلال أرمينيا عن الإتحاد السوفيتي عام 1991، إذ مثلت البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية الموجودة في جورجيا المصالح الإسرائيلية في العاصمة الأرمينية يريفان. فيما شهدت تل أبيب زيارات أرمينية رفيعة المستوى، منها زيارة الرئيس الأرميني السابق، روبرت كوتشاريان، إلى تل أبيب عام 2000. وزيارة كاثوليكوس الأرمن، كاريكين الثاني، لـ"إسرائيل" عام 2003، ولقاؤه الحاخام يونا ميتزجر الذي عاد وزار نصب الإبادة الأرمينية في يريفان عام 2005. ثم زيارة وزير الخارجية الأرمني إدوارد نالبانديان إلى تل أبيب عام 2015.

على المستوى الاقتصادي، شهدت العلاقات الأرمنية الإسرائيلية تطوراً ملحوظاً من الناحية السياحية حيث سعت أرمينيا إلى فتح خط رحلات مباشرة بين يريفان وتل أبيب. لكن تطور العلاقات الأرمنية – الإسرائيلية تصاعد بشكل واضح بعد قدوم رئيس وزراء أرمينيا الجديد، نيكول باشينيان، إلى السلطة حيث قام الأخير بتوقيع إتفاقيات من بينها نقل السفارة الأرمنية في "إسرائيل" إلى القدس مطلع هذا العام. كذلك شهدت هذه المرحلة توقيع إتفاق بين غرفة التجارة الإسرائيلية ومجلس مدينة كيومري الأرمينية ينص على استثمار أكثر من 30 شركة إسرائيلية في أرمينيا، بما يؤدي إلى خلق 10000 فرصة عمل، بمشاريع تبلغ قيمتها 23.8 مليون يورو.

 

الحرب الآذربيجانية – الأرمينية ودبلوماسية تل أبيب الحذرة:

تحاول "إسرائيل" من خلال أزمة "نيغورني كاراباخ" تغطية الفراغ الذي أحدثه غياب استراتيجية واضحة لواشنطن في القوقاز، في الوقت الذي تجد فيه تل أبيب أهمية استراتيجية لتلك المنطقة وأهمية أكبر في إمكانية تأثير القوقاز على الشرق الأوسط. واقع الأمر، لم تعد الحرب المستعرة في أعالي قمم آرتساخ تخيف عواصم كطهران وموسكو فحسب، بل امتدت إلى تل أبيب التي باتت تُراقب عن كثب التطورات وتخشى من عواقب تلك الحرب على خارطة الطاقة والسياسة الأوراسية. وحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، تشكل منطقة جنوب القوقاز، منطقة عمليات ونشاط استخباراتي مهم لـ"اسرائيل" في مُواجهة طهران، كما أن الدور التركي البارز في دعمها اللامتناهي لباكو يثير مخاوف تل أبيب أكثر فأكثر.

تفرض المواجهة بين آذربيجان وأرمينيا حذراً إسرائيلياً شديداً. بالنسبة لعومر دستوري، الباحث في معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية "يبدو أن حرب القوقاز على غاية من التعقيد بالنسبة للإسرائيليين". فمن ناحية، لـ"إسرائيل" علاقات دبلوماسية مع أرمينيا، وهناك تضامن بين الدولتين في موضوعات عديدة، منها الإبادة التي تعرّض لها الشعب الأرمني على يد الأتراك (التي تُذكر إلى جانب المحرقة)، فضلاً عن أن الاثنتين معاً محاطتان بدول إسلامية معادية. كما أن العلاقات بين يريفان وتل أبيب تنامت في السنوات الأخيرة، ومع توتر العلاقات بين تل أبيب وأنقرة، وتقربت "إسرائيل" من أرمينيا وتبادلتا السفراء.

من ناحية ثانية؛ يوجد بين إسرائيل وأذربيجان علاقات مهمة في نظر تل أبيب. وعليه، يجب على "إسرائيل" المناورة بين الاعتبارات المتناقضة وإرضاء الطرفين، يقول دستوري في معاريف. وعليه، تحاول "إسرائيل" العمل من وراء الكواليس إزاء الدولتين للتوصل إلى تفاهمات بشأن تأجيل تزويد أذربيجان بالسلاح خلال فترة القتال. مثل هذا الوضع سيحظى بالتأكيد برضا أرمينيا وأذربيجان. لكن السؤال يظل مراوداً هل تقف "إسرائيل" على الحياد في المشهد العام الملتهب في القوقاز؟

الجواب هو لا بالطبع، فقد صدرت تل أبيب في الأيام الأخيرة من شهر أيلول الفائت طائرتين محملتين بالأسلحة إلى آذربيجان. صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية كتبت أن "الطائرات الآذربيجانية تهبط علناً في القواعد الإسرائيلية العسكرية في صحراء النقب".

إمداد "إسرائيل" التسليحي لباكو، وإخراج خبر إمداد باكو بالسلاح - بموافقة الرقابة العسكرية - ما كان ليمر لولا التأكيد الإسرائيلي على التزامات تل أبيب تجاه العاصمة الآذربيجانية. وينبع ذلك من أمور ثلاث:

  1. تحاول تل أبيب عدم التفريط بتحالفها الاستراتيجي مع آذربيجان. كما تسعى إلى عدم إخلاء الفناء الخلفي لتركيا لأردوغان. "فما لا يُدرك كله لا يُترك جله"، تدرك "إسرائيل" هذه القاعدة جيداً وتعي أن آذربيجان هي البوابة الإسرائيلية في القوقاز وبحر قزوين. الجدير ذكره، أن ثمة تركيزاً دبلوماسياً إسرائيلياً في العقد الأخير لتمتين وتوطيد العلاقات الإسرائيلية مع كل دول المجال الحيوي التركي في البلقان والقوقاز (أرمينيا، البوسنة والهرسك، صربيا، اليونان). وهذه مسألة على غاية من الأهمية بالنسبة لليمين الإسرائيلي، الذي بنى أساس أمنه القومي على توازن صراع الهويات على المستوى الدولي. للتذكير: كان لبيغن مقولة شهيرة منذ أواخر الخمسينيات يقول فيها: يبتدئ الأمن القومي الإسرائيلي من مرتفعات نيغورني كاراباخ.
  2. ترى "إسرائيل" أن النزاع العسكري على نيغورني كاراباخ سيؤدي حتماً إلى تفاقم الوضع الروسي في منطقة القوقاز، لأنه سيخلق مشكلات كبيرة في دول الجوار الروسي. وبالتالي، فإن ذلك سيُضعِف اهتمام موسكو بشؤون الشرق الأوسط، أو سيجعلها في أحسن الأحوال أكثر قابلية للمساومة حول ملفات رئيسة في الشرق الأوسط، ومنها الملف النووي الإيراني.
  3. إن أهمية آذربيجان وإن تراجعت، على المستوى الاقتصادي بالنسبة إلى تل أبيب، إلا أنها تبقى على غاية من الأهمية بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي، طالما ظلت إيران في أعلى سلم المخاطر الإسرائيلية. فالإسرائيليون يدركون تماماً، أنه ومع انكفاء واشنطن عن كثير من بؤر الصراع في الآوراسيا، ثمة حاجة مضاعفة لتدبر شؤون أمنهم بيدهم. وبما أن إيران هي الخطر الأكبر بالنسبة للإسرائيليين. وبما أن ملفها النووي (بانعكاساته الضاغطة على مستوى حلفاء طهران في لبنان وغزة) لم يجد سبيلاً للحل، فإن آذربيجان ستبقى قلعة متقدمة بالنسبة لـ"إسرائيل" لأمد غير منظور.