لا يتوقع المراقبون الإسرائيليون اقتراب لحظة توقيع اتفاق السلام بين السعودية مع الإسرائيليين. فـ"انتظار توقيع اتفاق تطبيع مع السعودية بأنفاس منبهرة من اللهفة، يمكن أن يطول قليلاً" يقول تسيفي بارئيل في "هآرتس". التأخير يعزوه معلقون في وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى الخلاف الذي اندلع بين الملك سلمان وابنه محمد بشأن التسوية الإسرائيلية - الفلسطينية. فبينما يحتفظ سلمان بالمبادرة العربية التي تشمل إقامة دولة فلسطينية "ولو على مستوى شكلي"، يدفع ابنه محمد بن سلمان نحو تسريع التطبيع مع "إسرائيل" كجزء من رؤية الأخير السياسية والاقتصادية. جهات استخباراتية أميركية تقول إن بن سلمان لم يتردد في وضع والدته في الإقامة الجبرية خوفاً من أن تعمل ضده، وهو لن يتردد في أن يفعل المزيد شرط أن يضمن عرشه.

في تل أبيب، شرّع كلام سلمان بن عبد العزيز السؤال واسعاً: هل أراد الملك سلمان أن يثبت أنه لا يزال الحاكم الذي يحدد السياسة الخارجية؟ وهل نشهد اليوم صراعاً بين الأجيال في السعودية؟.

لا تحظى الإجابة على هذا السؤال بنتيجة محددة. فالسعودية دولة غامضة في كل ما يتعلق بعمليات اتخاذ القرارات فيها يقول برئيل، والعلاقات بين أبناء العائلة المالكة، واعتبارات السياسية الداخلية والخارجية مسألة غاية في التعقيد.

قبل بضعة أسابيع فقط، وبعد زمن قصير من إعلان التطبيع مع الإمارات تنبأ مستشار الرئيس ترامب وصهره جارد كوشنير أن تكون السعودية هي الدولة التالية التي ستدخل مستنقع السلام مع "إسرائيل"، وكوشنير هو الأكثر قرباً من بن سلمان في واشنطن. إلا أن تأخير إعلان السعودية التحاقها بـ"المبادرة الإبراهيمية" لا يبدو واضحاً بالنسبة للكثير من المراقبين في تل أبيب. هل التأخير مبدئي - أي إلى حين قيام دولة فلسطينية -، أو أنه تأخير مؤقت إلى أن ينجح بن سلمان في إقناع والده؟. هو سؤال رهن الوقت.

اليوم ، يبدو واضحاً في تل أبيب حاجة السعودية إلى "السلام الدائم" مع واشنطن. والواضح للسعودية كذلك - بحسب الإسرائيليين -، أن العلاقة بواشنطن تمر من خلال تل أبيب.

 

اليمن يمرغ أنف ابن سلمان بالتراب:

يتمحور سبب الخلاف المركزي بين كل من واشنطن والرياض حول الحرب في اليمن التي بدأت مع تعيين سلمان ملكاً سنة 2015. لقد أظهرت هذه الحرب مدى الوحشية التي استخدمها جيشا السعودية والإمارات ضد السكان المدنيين (راح ضحيتها أكثر من 125 ألف شخص حتى الآن)، وهذا أمر محرج بالنسبة للسياسة الأميركية. الضغطان الشعبي والدولي أديا إلى اتخاذ الرئيس باراك أوباما قراراً عام 2016 بتجميد صفقة سلاح للسعودية بهدف الضغط عليها لتغيير تكتيكها الهجومي في اليمن. بعد مرور عام، ألغى الرئيس ترامب القرار وفتح الباب أمام التسلح السعودي بالسلاح والقنابل الأميركية. عام 2018 تعرضت السعودية للانتقادات مجدداً في أعقاب قتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. منذ ذلك الحين مُنع بن سلمان من زيارة واشنطن: وقيل أنه شخصية غير مرغوب فيها في الكونغرس، وباستثناء البيت الأبيض ثمة شك في أن يكون هناك مَنْ يريد الاجتماع به.

مؤخراً طُرحت الحرب في اليمن وسلوك السعودية على جدول الأعمال بعد التقرير السري الذي وضعه مراقب وزارة الخارجية بشأن تدخل الولايات المتحدة في الحرب في اليمن. وتدل الأجزاء العلنية من التقرير، التي نُشرت في وسائل إعلام أميركية، على حجم جرائم الحرب التي ارتكبتها السعودية والإمارات والمرتزقة التابعة لهما طوال سنوات الحرب، إلى حد أنه يوجد تخوف حقيقي من ملاحقة الولايات المتحدة في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وقد وصلت تحذيرات بهذا الشأن إلى آذان ترامب ووزيري خارجيته، ريكس تيلرسون ومايك بومبيو. لكن ترامب قدم الجواب التالي: "ليس لديهم (للسعوديين والإماراتيين) شيء آخر سوى المال. هم يدفعون لنا في مقابل خدمات وحماية وأمور أُخرى". وفيما يتعلق بقتل المدنيين في اليمن أوضح أن السعوديين لا يعرفون كيف يستخدمون السلاح، أضاف ترامب.

لم يقبل الكونغرس الأميركي تفسير ترامب، وفي نيسان 2019 اتخذ الحزبان، الجمهوري والديمقراطي، قراراً بإنهاء التدخل العسكري الأميركي في اليمن. فرض ترامب الفيتو خاصته على القرار والتف على قرار منع بيع السلاح إلى السعودية بإعلان حال الطوارىء مع إيران، الأمر الذي سمح له بمواصلة الاستجابة لطلبات السعودية. فيما خصصت الإدارة الأميركية ميزانية تقدّر بـ750 مليون دولار لإعداد مقاتلين وطيارين سعوديين للقتال في أماكن آهلة بهدف منع المس بالمدنيين، لكن السعوديين لم يتأثروا بهذه الخطة حتى اليوم.

بخلاف السعودية، يبدو أن الإمارات قد أدركت الخطر الذي يتربص بها جراء التدخل في الحرب في اليمن، وقررت سحب قواتها. هكذا نجحت في إلغاء منع بيعها طائرات أف-35 وصفقات سلاح أُخرى. وتغلبت على العقبة الإسرائيلية بواسطة اتفاق السلام معها. بن سلمان الذي بادر مع والده إلى الحرب في اليمن، لازال غارقاً في الوحل اليمني الذي يعقّد علاقاته مع الولايات المتحدة. ويضاف إلى ذلك إخفاقاته المدوية في إدارة السياسة الخارجية، من لبنان إلى قطر، مروراً بحرب النفط الفاشلة مع روسيا، وليس انتهاءً بتخلّيه عن القضية الفلسطينية. عند هذه النقطة يقف الإسرائيليون ملياً. بإمكان بن سلمان التفكير بنفس النحو الذي فكر به صديقه محمد بن زايد. وبإمكانه العبور من خلال تل أبيب إلى واشنطن لتثبيت أواصر حكمه. باستطاعة الملك سلمان إلقاء خطاب تأييد للشعب الفلسطيني يقول الإسرائيليون، لكنهم يضيفون، أن ابنه وزير الدفاع، لديه القوة أيضاً للقيام بانقلاب ضد والده، وهذا لن يكلفه أكثر من "سلام دافئ مع تل أبيب".