خضع إقليم نيغورني كاراباخ ذو الأغلبية الأرمينية والأقلية الآذرية لسيطرة القياصرة منذ نهاية القرن التاسع عشر، ثم أُلحق بعد الثورة البلشفية بجمهورية آذربيجان متمتعاً بحكم ذاتي استمر حتى سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات. ومع مطالبة الأرمن فيه بالاستقلال وإعلان السلطة المحلية المستقلة عام 1991، ألغت آذربيجان الحكم الذاتي وخاضت حرباً ضد المجموعات الانفصالية فيه، ثم ما لبثت أن توسّعت الحرب لتصبح حرباً أرمينية - آذرية مع تقديم العاصمة الأرمينية يريفان الدعم العسكري واللوجستي لمتمردي الإقليم. نجَم عن الحرب التي استمرت بين عامي 1992 و1994 خسارة آذربيجان للإقليم إضافة لِستِّ مناطق أخرى كانت تخضع لسيطرة باكو. وكان من نتائج الحرب أن سقط ما يقارب الـ 30 ألف قتيل وقرابة المليون مهاجر، غالبيتهم من الآذاريين.

 لم تنته الحرب باتفاق سلام نهائي يحل المشكلة رغم اعتبار الأمم المتحدة أرمينيا دولة محتلة. كما لم تنجح وساطات منظمة الأمن والتعاون الأوروبية (OSCE) عام 1992 من خلال مجموعة "مينسك"، ولا حتى مع ترأس كل من أميركا، روسيا، وفرنسا، المجموعة منذ عام 1994. لذلك فقد تجدد الصراع في الإقليم أكثر من مرة، ووصل في العديد منها إلى حافة إعلان حرب شاملة بين البلدين، بالنحو الذي كاد أن يتحقق في 2 نيسان 2016، وبالنحو ذاته الذي نعيشه اليوم.

المواقف الإقليمية والدولية:

يعتبر النزاع في نيغورني كاراباخ أحد أبرز الأمثلة على صراع الهويات في مناطق تخوم الاتحاد الروسي. ويتأثر بالنزاع مباشر عدد من الدول الإقليمية من مثل: تركيا، روسيا، إيران، وجورجيا. ويتأثر بشكل غير مباشر عدد آخر من الدول منها: الولايات المتحدة الأميركية، ألمانيا، الصين، وفرنسا.

قدَّمت روسيا خلال فترة التسعينيات الدعم لأرمينيا من خلال مساعدات عسكرية مباشرة، في حين دعمت الولايات المتحدة وتركيا آذربيجان اقتصادياً وعسكرياً. على المستوى الاقتصادي، قدمت الولايات المتحدة ما يزيد عن الـ20 مليار دولار لباكو/ العاصمة الآذرية، دعماً للأخيرة في مجال استثمار الطاقة والتنمية. فيما أغلقت أنقرة الحدود التركية - الأرمينية، وقدمت كل سبل الدعم للجيش الآذري لا سيما في إقليم نخشوان. لاحقاً، صار بالإمكان الحديث عن محور تركيا – أذربيجان وجورجيا (والأخيرة لها عداء خاص مع روسيا التي احتلت إقليمي أوسيتيا، وأبخازيا الجورجيَين عام 2008)، في مواجهة محور روسيا - أرمينيا وإيران (قبيل الأزمة الأخيرة).

ولكل من تركيا وروسيا تصوراتهما الخاصة حول الصراع، والأسباب الموجبة لانحيازهما نوردها في ما يلي:

بالنسبة لتركيا:

  1. يجمع تركيا وآذربيجان مشتركات واللغة والعرق، حتى تكاد مقولة "شعب واحد في دولتين"، المقولة الأكثر شيوعاً لدى سياسيي البلدين.
  2. ثمة حضور عثماني قوي في الذاكرة الآذرية، ليس أقله دخول جيش القوقاز الإسلامي لحماية المسلمين من البلاشفة والأرمن، بعيد معاهدة الصداقة والتعاون بين الآذريين والسلطنة العثمانية في 4 حزيران 1918.
  3. تشكل آذربيجان منفذاً لتركيا. ويؤثر وضعها في سياسات تركيا تجاه منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى، كما أن وجود آذربيجان محررة وقوية يفتح المجال أمام المشروع التركي البانطوراني (التواصل مع العرق التركي البانطوراني الممتد حتى وسط آسيا).
  4. تشكل آذربيجان، إذا ما خسرت تركيا حضورها القوي فيها، خاصرة رخوة يمكن أن يؤدي ضياعها إلى اهتزاز كل المنطقة المحاذية للمجال الحيوي لشرق تركيا، من جورجيا وصولاً إلى كردستان العراق.
  5. تعتبر أذربيجان سيفاً تركياً مسلطاً في الخاصرة الإيرانية، إذ يمكن أن يؤدي الآذريون، إذا ما احتدم الخلاف التركي الإيراني، دوراً في تهديد وحدة إيران السياسية.
  6. بالنسبة لأنقرة، تعتبر آذربيجان خزان الطاقة الاستراتيجي البديل عن روسيا. إذ تسعى تركيا من خلال آذربيجان إلى تخفيف اعتمادها على الغاز الروسي والإيراني.

بالنسبة لروسيا:

  1. تشكل منطقة القوقاز (وبالتحديد أرمينيا – آذربيجان - جورجيا) مضافاً للقرم، قلب الحضور الروسي المطل على المياه الدافئة، سواء كان بشكل مباشر كما هو الحال في القرم عند البحر الأسود، أو بشكل غير مباشر، من خلال تأثير الحضور الروسي على حدود دول مركزية في خط ملاحة المياه الدافئة (تركيا، إيران وغيرهما).
  2. ضمان عدم لعب باكو ورقة الدور البديل لموسكو بالنسبة للطاقة الأوروبية.
  3. تحتم العلاقات التاريخية والدينية والثقافية التي تجمع كلاً من موسكو وييريفان شراكة أرمينية - روسية استراتيجية على كل المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق يمكننا لحاظ مشاركة أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم بعضاً من جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقاً فضلاً عن وجودها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي.
  4. تحرص روسيا على لعب دور الضامن للأمن والاستقرار في جنوب القوقاز وبحر قزوين. فهي تعلم حجم وإمكانات القوى الدولية (أميركا، وألمانيا تحديداً) على اللعب على تناقضات تلك المنطقة.  من هنا، حرصت موسكو أن تلعب دور المسلح لأرمينيا وآذربيجان على حد سواء. وعلى التوازن أكثر فأكثر في انحيازها لأي من الأطراف المتنازعة هناك.
  5. تحتفظ روسيا بقواعد عسكرية على الأراضي الأرمينية في منطقتي إربوني وغيومري القريبة من الحدود التركية، كما تعتبر الأراضي الأرمينية جزءاً من مظلة موسكو الحمائية عسكرياً.
  6. تسعى روسيا لاحتواء ييريفان ومنع تقارب أرمينيا مع حلف الناتو وأميركا؛ حيث شاركت أرمينيا مع الحلف في مهمات لحفظ الأمن في أفغانستان والبلقان. كما تسعى موسكو للاستفادة من اللوبي الأرميني في واشنطن وبروكسل (عاصمة الاتحاد الأوروبي والناتو).

 

بالنسبة لإيران:

للسياسة الإيرانية أبعادٌ متعددة، يتداخل فيها التاريخي، بالأيديولوجي والسياسي. في أزمة نيغورني كاراباخ، تبدو طهران على درجة عالية من الحذر فيه. إذ تعتبر طهران الإقليم جزءاً من الأراضي الإسلامية الآذربيجانية. هي أساساً تتطلع لكل تلك المنطقة الممتدة من نخجوان على الحدود مع تركيا إلى كاراباخ وصولاً لداغستان باعتبارها جزء من إيران التاريخية. الجدير بالانتباه أن تلك الأرض ظلت إيرانية وجزءًا من الأراضي القاجارية حتى اتفاقية كلستان مطلع القرن التاسع عشر. من جهة أخرى، تعتبر إيران علاقتها بأرمينيا وبحزب الطاشناق على وجه الخصوص، علاقة استثنائية، قدم فيها الأرمن العون لطهران على المستوى الدولي، بمثل ما قدمت طهران لهم من عون طوال تاريخ أرمينيا السياسي. أما باكو، فقد استحالت محطة استخبارات اسرائيلية منذ قدوم حيدر علييف إلى سدة الحكم سنة 1993. ما يجعل إيران تقف موازِنة بين جملة من الإكراهات، والسياسات، التي نستعرض أهم محطاتها في ما يلي:

المرحلة الأولى: مرحلة الدعم الإيراني لآذربيجان:

بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي، أولت الدبلوماسية الإيرانية أهمية بالغة للشراكة التركية الإيرانية في كل من البلقان والقوقاز. كانت طهران تسعى لمزيد من التعاون مع أنقرة في الأقاليم والدول المستقلة حديثاً من نير الاتحاد السوفياتي أو تلك التي كانت "قيد التحرر" من الاتحاد الروسي. وقد انعكس التعاون الإيراني التركي في كل من البوسنة والهرسك، الشيشان، وآذربيجان.

لذا، لم يكن مستغرباً وقوف إيران إلى جانب آذربيجان بعيد اندلاع الحرب في نيغورني كاراباخ سنة 1991، ومع تحرك القوات الأرمينية مدعومة بقوات روسية باتجاه آذربيجان. أرسلت إيران آنذاك مستشارين عسكريين لتدريب القوات الآذربيحانية وتأهيلها، وهو ما فعلته أيضاً في كل من البوسنة والهرسك، والشيشان في ما بعد. عرفت تلك المرحلة أيضاً تكوين مجموعة عسكرية آذرية عرفت باسم "آبون" بقيادة "روفشان جوادوف" الذي عمل بإشراف الحرس الثوري، وكان له دور بارز في الحرب وقتذاك.  وكان الدعم الإيراني قد وصل في تلك المرحلة إلى درجة استنفار القوات الإيرانية على الحدود مع أذربيحان اسناداً للقوات الآذربيجانية، الأمر الذي أدى إلى أن تهدد واشنطن طهران لمنع الأخيرة من دخول الحرب.

 

المرحلة الثانية: مرحلة الخلاف الإيراني الآذري:

بدأت هذه المرحلة بعد تنصيب حيدر علييف رئيساً للجمهورية عام 1993، ومع إعلائه الخطاب القومي "البانطوراني" ومطالبته باستقلال الأقاليم الآذرية شمال غرب إيران. وبعيد طرده المستشارين العسكريين الإيرانيين. عرفت تلك المرحلة أيضاً تحييد مجموعة "آبون" ومهاجمة مقارها عام 1995، وقتل مسؤولها "روفشان جوادوف".

عرفت تلك المرحلة الفراق الأول بين إيران وتركيا في القوقاز. وبدت إيران أحرص على وحدة أراضيها، وموازنة مواقفها من الصراع بين أرمينيا وآذربيجان. فرجحت موقف الأرميني على حساب باكو.

 المرحلة الثالثة: الموقف الحالي:

تنتهج طهران في هذه المرحلة سياسة تصفير المشاكل مع البيئة المحيطة بها. هي تتوخى الانغماس بأي أزمة يمكن أن تمتد نيرانها إلى داخل الأرض الإيرانية. تعي طهران حجم الحضور الآذري، والأرمني على أرضها، لذا تحاول إيران درء مخاطر الصراع بعيداً عنها.

كذلك تعي طهران أن اشتداد الأزمة سيصب في صالح "اسرائيل" و"اسرائيل فقط". إذ سيلعب الصهاينة دوراً رئيساً في تسويق السلاح الإسرائيلي لدى كل من يريفان وباكو، فضلاً عما يمكن أن يستتبع ذلك من حضور إسرائيلي على حدود إيران الشمالية الغربية.

على المستوى الاقتصادي، تشكل الحدود الإيرانية الأرمينية، والإيرانية الآذربيجانية منافذ اقتصادية للعديد من السلع الإيرانية، فضلاً عن مشاريع الطاقة الواعدة هناك. الأمر الذي يمكن أن يرخي بظلاله السوداء على الاقتصاد الإيراني إذا ما طال أمد الحرب.

أفق الحل إيرانياً

ترى إيران أن الحل السياسي للأزمة الأرمينية الآذربيجانية يكمن بالعودة للقرارات الدولية، ذلك أن ما من أحد سيكون رابحاً في هذه الحرب. تحاول إيران من خلال مكتبي الرئاسة والخارجية، تسويق طرحها، بالتركيز على الآثار السلبية للحرب على الأطراف كافة (روسيا، تركيا، آذربيجان، أرمينيا).