لم تكن المواجهة العسكرية بين كل من أرمينيا وآذربيجان أمراً مفاجئاً لمراقبي القوقاز. الحرب وبالرغم من إيقاعها السريع، كانت قد سُبقت بمناورات روسية – أرمينية من جهة، وتركية آذرية من جهة أخرى، في الشهرين المنصرمين، الأمر الذي يفتح المجال واسعاً أمام قراءة هذه الحرب ومسبباتها، بما يتجاوز الأسباب المباشرة لاندلاعها.

المناورات الآذربيجانية- التركي، والأرمينية – الروسية:

في حزيران من العام 2019، انطلقت في إقليم "نخجوان" التابع لأذربيجان، مناورات عسكرية تركية – آذرية مشتركة تحمل اسم "الأخوّة الراسخة 2019"، بمشاركة 5 آلاف جندي ونحو 200 دبابة ومدرعة، و21 طائرة ومروحية من الجانبين، فيما أعلنت باكو أن الهدف من المناورات تطوير التنسيق بين الجيشين ورفع القدرة على تنفيذ عمليات مشتركة، من خلال تبادل الخبرات. وقد شهد عام 2019، عقد القمة الثانية عشرة لقيادة الجيشين التركي والآذري في العاصمة الآذربيجانية باكو، بحضور  نائب رئيس الأركان المشتركة للجيش التركي الجنرال "متين غوراك"، ونائب وزير الدفاع الآذربيجاني الجنرال "كريم فالييف". أما عام 2020، فقد شهد بين التاسع من تموز والعاشر من آب الفائت مناورات للقوات الجوية التركية والآذربيجانية تحت مسمى "النسر التركي الآذري" واسعة النطاق، وقد امتدت المناورات لتشتمل مناطق باكو، ونخجوان، كنجة، كوردمير، ويولاخ.

في الآن عينه كان الجيش الروسي قد بدأ في 31 تموز تدريبات عسكرية مكثفة في ثلاث مناطق "فولجوجراد، روستوف، وشمال أرمينيا". وفي إطار المناورات الروسية - الأرمينية، تدفق إلى تلك المناطق الثلاث ما قوامه 4 آلاف جندي من التشكيلات العسكرية للمنطقة الروسية الجنوبية. كما أجرى الروس خلال شهر آب من العام 2020، تدريبات عسكرية تكتيكية في مناطق عدة داخل داغستان وأوسيتيا الشمالية والشيشان، وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

لروسيا في أرمينيا قاعدتين رئيسيتين هما: قاعدة 102 في غيومري (وهي جزء من "جبهة جنوب القوقاز" السوفياتية سابقاً) وقاعدة أريبونى. بعد عام 2010، عززت روسيا حضورها من خلال نشر الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والدفاعية في القاعدتين. وجاءت تلك التعزيزات بعيد العملية الروسية الخاطفة في كل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية على الحدود الغربية للقوقاز.

وتشير المعلومات إلى أن روسيا كانت قد نشرت سرباً من طائرات مقاتلة "ميج 29" في أرمينيا منذ العام 2016، إلى جانب أنظمة دفاع جوية بعيدة المدى من طراز "S-300 V" (يرجح عملها بإشراف روسي مباشر) وأخرى متوسطة المدى من طراز "SA-6".

على المستوى اللوجستي، عززت روسيا من فعالية حضورها العسكري في أرمينيا من خلال برنامج تسليحي يضمن لها التفوق في القوقاز وشرق الأناضول منذ عام 2010، وذلك من خلال: تدعيم قواعدها العسكرية في أرمينيا بقاذفات الصواريخ المتعددة من طراز "تورنادو-جي" والصواريخ الباليستية قصيرة المدى من طراز "إس إس-26 اسكندر إم". وبنشر الأخير صار بمقدور روسيا استهداف جميع التشكيلات العسكرية التركية في شرق الأناضول، نظرياً. الأمر الذي يفرض على تركيا الاعتماد على قدرات "حلف شمال الأطلسي" إذا ما تصاعدت حدة التوتر في القوقاز.