أغلق الثوار الطرقات؛ أثبتوا قدرتهم على شل آلة السلطة، وإسقاط القداسة عن الزعامات والمنتفعين  ("كلن يعني كلن") ولأول مرة منذ نهاية الحرب الأهلية في لبنان تمكنت حركة احتجاجية على أن تجمع أناساً من طوائف ومناطق مخلتفة (ولكن هذه المرة ليس "كلهم يعني كلهم") ليرفعوا مطالب مشتركة حتى وإن كان هذا يعني الصدام مع زعمائهم. (المفارقة أن آخر مرة حدث فيها أمر شبيه كانت ظاهرة ميشال عون أثناء "حرب التحرير" ومظاهرات "قصر الشعب"). ولكن ماذا بعد؟

لا أنكر أن هذا السؤال كثيراً ما يطرح، في لبنان وغيره، بنيّة خبيثة، لتحميل الناشطين مسؤولية إصلاح أخطاء النظام الذي يثورون ضده، أو كأن المطلوب من الناس حين ينزلون إلى الشوارع محتجين، أو حالمين، أن يكون لديهم خطة مفصلة للمرحلة الانتقالية وتكييفاتها الدستورية والتوافقية. ليس هذا ما أقصده بالسؤال، ولكني أقصد "ماذا بعد؟" بشكل أكثر عملية: كيف تنتقل االانتفاضة من مرحلة شلِّ السلطة إلى مرحلة الوثوب عليها وتغييرها جذرياً، إن كان هذا ما تنوية. وصراحة أرى أن عزوف أي حركة تصر على تسيمة نفسها بالثورة عن هذه الخطوة هو تخل عن المسؤولية: مسؤوولية الثورة تجاه بنيها، أولاً، الذين سيكون مصيرهم الإحباط، إن لم يكن التنكيل على يد السلطة القائمة، إن لم تصل الثورة إلى منتهاها - أو بشكل أكثر واقعية إن لم تتحول الانتفاضة إلى ثورة ثم تجاه الكادحين، من الطبقات الدنيا والوسطى، الذين تتوجه الثورة إليهم بالوعود، والذين يصبح سؤال "ماذا بعد" أكثر إلحاحاً لديهم، إذ يؤدي تأجيل الإجابة إلى تعطيل الأشغال والأرزاق. مرة أخرى لا يعني هذا الكلام تحميل "الثوار" مسؤولية انقطاع الأشغال أو حبس الأموال، فالسؤال هنا برسم رموز السلطة والفساد كما هو برسم البنوك ولكن لا شك أن القدرة على الصمود هنا ترتبط بمصادر الرزق.

نعم من حق الثورة، أي ثورة، أن تطلب من الكادحين أن يصمدوا ويصابروا معها ولكن ليس من حقها تأجيل هذا السؤال ما دام تأجيله يأتي على حساب الكادحين.

هذا السؤال يواجه كل الثورات وكل الحركات الاحتجاجية في أي مكان في العالم، ولكنه في الحالة اللبنانية يصبح أكثر تعقيداً وأكثر وضوحا في الوقت ذاته.

أولا، السبب الأبسط والأكثر عملية، هو أن بعض الناقمين على "الثورة"، أو غير المتحزبين لها، أو الذين تستخدمهم قوى الوضع القائم لضرب الثوار، هم من الذين ترتبط أرزاقهم أو منافعهم بشكل مباشر بشبكة المصالح الطائفية والمناطقية، وهي نفس شبكة المصالح التي تقوم عليها بنية الدولة اللبنانية (دولة ما بعد الطائف بشكل أساس، ولكن أيضا دولة الميثاق الوطني، أي دولة لبنان الكبير منذ مولدها).

لا أتحدث عن زعران فلان الذين ضربوا الثوار في مناطق كذا وكذا، ولا عن حادثتي إطلاق النار المؤسفتين (وهي كلها حالات بلطجة وجرم ندينها ولا نتخفى وراء التحليل الطبقي أو الطائفي لنهرب من إدانتها)، ولكن على مستوى أقل نفعية، بل قل أكثر صدقاً ونبلاً، لا يستطيع أحد أن يلوم الذين شبوا عن الطوق والعدو الإسرائيلي يقصف مدنهم وقراهم، والذين يعرفون أنهم يعودون لقراهم آمنين متى شاءوا بفضل سلاح المقاومة، لأنهم يتعاطفون مع أحزاب المقاومة أو يميلون إلى طائفيتها أو يتغاضون عنها أو يغفرون لها ما تأخر من ذنب، ولا أن ينكر عليهم الحرقة التي يرفض بها بعضهم أي حديث قد يفهم منه ولو تلميحاً الاعتراف بدولة العدو أو الحياد في وجهها. وفي المقابل أتذكر جيداً أنني عندما كنت أعمل على تفريغ أشرطة لورشة عمل عن ذاكرة الحرب الأهلية ومستقبل المصالحة أن أحد المتحدثين، وهو من رموز "المجتمع المدني" اللبناني الذين يتصدون للـ"ثورة" اليوم، تحدث عن احتفالية عودة الأسرى اللبنانيين وكيف أنها لم ترو غليله لأنه لم تكن  هناك "نشاطات موازية" (قالها بالفرنسية) للمجتمع المدني. للأمانة لم يكن المتحدث ينتقد احتفالية رجوع الأسرى ولكنه كان ينتقد عجز الجمعيات الأهلية اللبنانية عن استثمار الحدث لخلق حالة تجمع اللبنانيين حولها، ولكن اختلال الأولويات واضح بين من يتمنى، بالفرنسية، أنشطة موازية، ومن تمسه انتصارات المقاومة بشكل مباشر، أو من ستترتب عودته إلى ضيعته بانتصار المقاومة أو هزيمتها.كتب الزميل عامر محسن عدة مقالات في الأخبار بهذا المعنى، لكني أضيف على ما قاله عامر بأن عدم التعالي على الذين يخضعون لهيمنة حزبية أو طائفية معينة لا يعني القبول بهذه الهيمنة؛ واجب من يرى نفسه ثورياً هو أن يعمل من أجل إيجاد شبكات مصلحة وهيمنة بديلة، أو لكي نعود لموضوع المقاومة بالتحديد، لا يمكن للثوري أن يكون محايداً في مسألة التهديد الإسرائيلي للجنوب (أي حياد هنا هو حياد مناطقي يسلخ الجنوب عن باقي لبنان) ولا يمكنه كذلك أن يبقى تابعاً للثنائي الشيعي، والواجب الثوري هنا يحتم البحث إما عن ميلاد مقاومة جديدة وإما عن صيغ أخرى للتعايش مع سلاح حزب الله ودعمه.

إلا أن أوجه البساطة والتعقيد اللبنانيين لسؤال "ماذا بعد؟" تمتد إلى بنية الدولة ذاتها. الدولة، في لبنان وغيره، ليست المؤسسات الرسمية وحدها، بل هي شبكة من العلاقات والمنافع تقوم عليها سلطة الدولة وهيبتها وهيمنتها. ونجاح أي حركة ثورية في الوثوب على الدولة يتوقف بشكل كبير على نجاحها في اختراق هذه الشبكة، لكي تستبدل بها شبكة ثورية قادرة على سحب البساط من سلطة الدولة (في كوبا بدأ الثوار بالعمل الاجتماعي والتطوعي قبل أن يثبوا على سلطة باتيستا)، ولكي تدمر شبكات المنفعة والمصلحة التي تعطي اليد العليا للدولة وأزلامها.

وفي لبنان لا يحتاج الثوريون إلى أن يبحثوا عن شبكة العلاقات المهيمنة، فهذه الشبكة، بسبب الطائفية والمناطقية هي شبكة واضحة يتعامل الناس معها بشكل يومي ويتقاسم الضالعون فيها السلطة مع الدولة ومؤسساتها.

ولنفس السبب فالأمر أكثر تعقيداً في لبنان فمصالح الناس تتقاطع مع هذه الشبكة، من حماية الجنوب وحتى الكهرباء ومياه الشرب. لا شك هنا أن شعار إسقاط الطائفية هو شعار نبيل، ولكنه يبقى قاصراً؛ أولاً لأن إسقاطها على مستوى الشعار فحسب يعني إسقاط الانقسامات الدينية، إلا أن الشعار السياسي لن يسقط الشبكات العشائرية والقبلية والمناطقية التي تقوم عليها الطائفية اللبنانية بأكثر مما تقوم على الانقسام الديني، أو التي تتقاطع وتتحالف مع الانقسامات الدينية لتنتج الطوائف، لا بمعنى أصحاب المذاهب ولكن بالمعنى القديم للكلمة في اللغة العربية، من حيث هي مجموعة من الناس يجمعهم شيء ما (في الأندلس قيلت عن المناطق المختلفة وأمرائها، وفي مصر في مطلع القرن العشرين كانت الطائفة تعني مجموعة الناس الذين تجمع بينهم حرفة واحدة). ليست المسألة في لبنان انقساماً دينياً أو مذهبياً محضاً بل هذه المحصلة من الانقسامات العشائرية والمناطقية والقبلية والمذهبية، التي تقوم عليها علاقات سلطة تتمثل في صعود زعامات لهذه المناطق والقبائل والعشائر (لا زعماء المذاهب، فلا شيخ عقل الدروز زعيمهم ولا مفتي السنة قائدهم: علاقة بعض الموارنة بالبطريرك وبعض الشيعة بوكيل الولي الفقيه هي الاستثناء لا القاعدة).

 هذه الشبكات تنظم علاقة الناس بعضهم ببعض وعلاقتهم بالدولة في كثير من الأحيان، وتربطهم كذلك بعلاقات زبائنية واستزلام مع تلك الطوائف وزعمائها. وإن كان هذا هو الحال منذ مولد "لبنان الكبير" فإن الحرب الأهلية قد جعلت من هذه الطوائف كيانات اقتصادية وسياسية لها استقلالها المناطقي الذي تمارس سيادتها في إطاره. من البديهي أن أي ثورة في لبنان سيكون عليها أن تحاول تغيير هذا الوضع الطائفي-الزبائني-الاستزلامي، ولكن شعار إسقاط الطائفية يقفز على عملية خلق الكيانات البديلة الضرورية؛ فلو سقطت الطائفية بمعناها الديني، فإن الانقسام سيستمر نتيجة الانقسامات العملية والمادية القائمة، ولو سقطت سلطة هذه الكيانات الوسيطة، فما الذي سيضمن ألا تتغول الدولة في المجال الذي ستفسحه الطوائف (وهو ما كان قد بدأ في الحدوث أثناء تجربة فؤاد شهاب)؛ طبعاً لا أقول بأن الطائفية هي نقيض الدولة البوليسية؛ ففي كثير من الحالات يعمل الاثنان معاً ويعضدان بعضهما البعض، وفي حالات أخرى تصبح الطائفة أو العشيرة ملاذا للناس من دولتهم البوليسية، ولبنان الآن أمام تحدي مجابهة الاثنين.

تُكتب هذه السطور بينما الكهرباء قد انقطعت عن لبنان بشكل كامل لعدة أيام؛ يعرف اللبنانيون تراجع الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية، وكيف ترتبط شبكات الكهرباء الخاصة، والمولدات وخزانات المازوت، بشبكات المصالح الاستزلامية العشائرية والطائفية. كنا لنقول "لو ألغيت الطائفة من دون تقدم كيانات اجتماعية بديلة، فمن سيأتي للناس بالكهرباء؟" فانقطعت الكهرباء ولم تنقطع الطائفية.

طبعاً هذا الوضع دليل على الفشل المزدوج، الذي يعضد بعضه بعضاً، للسلطة الفاسدة وللشبكات الطائفية والزبائنية البديلة. ويصبح واجب أي تنظيم أو حركة احتجاجية تضطلع بمهمة مجابهة الاثنين أن تعمل على إنتاج بديل، سواء من خلال غزو شبكة العلاقات والمصالح القائمة وتثويرها (مرة أخرى يصبح الاحتمال الثوري لبعض الأحزاب القائمة سؤالاً حاضرا ومُلحًّا، من دون أن يلغي سؤال البحث عن بدائل ثورية خارج الصيغة اللبنانية بشكلها الحالي)،  أو من خلال نسف هذه الشبكة تمامًا.

ولكن يبقى السؤال، حتى وإن افترضنا أن نسف هذه الشبكة، المتغلغلة والتي أنتجت كيانات اقتصادية وسياسية شبه مستقلة بل وأشباه مواطنين علاقتهم بها تشبه علاقتهم بالدولة، ممكن، فما هي أشكال شبكات الضمان الاجتماعي وتوزيع المنافع البديلة؟

ليس المطلوب من الثورة أن تصبح مؤسسة خيرية، ولا حتى أن تنوب عن الدولة في آداء واجباتها، ولكن هذه الأسئلة: أسئلة كيف تتقدم الانتفاضة لتجهز على النظام البالي (بمعنى آخر كيف تصبح الانتفاضة بالفعل ثورة)، وكيف تنتج كياناتها البديلة، وتصورها لشبكات التضامن وتوزيع المنافع، ليست أسئلة من باب الترف، ولكنها أسئلة يترتب عليها فشل أو نجاح الثورة، ويترتب عليها كذلك اجتماع الناس على الحركة أو انصرافهم عنها، في لبنان وغيره. ولكنها تصبح أكثر إلحاحاً في لبنان أمام شبكة من العلاقات الزبائنية، العشائرية والطائفية، المتغلغة والمهترئة في آن.

بعض الناشطين في لبنان لديه تصورات شجاعة وخلاقة في هذا الصدد، وبعضهم يهرب من هذه المسؤولية ويختفي وراء الشعارات أو الشعور بالفوقية الثورية، وبعضهم يخطط وينظّر ولكن تمنعه "الشللية" من مد هذه الشبكات خارج "الأوليغارشية الثورية"، وبعضهم يحتمي بشبكة مصالح مرتبطة بالتمويل الدولي فلا يعنيه سقوط شبكات المصالح الأخرى، وبعضهم درس في الخارج على حساب زعيمه ثم عاد ليحرم على الناس تلقي المنافع من طوائفهم وزعمائهم. إلا أن غياب التنظيم الثوري، بمعنى غياب الجماعة التي تجمع ما بين العقيدة الثورية، وما بين الرغبة والقدرة على مد شبكات اجتماعية وسياسية بديلة، هو ما يجعل الإجابات عن هذه الأسئلة تغيب، بالرغم من جهود من لم يهربوا من هذه الأسئلة. يتحمس الكثير من الناشطين في لبنان وفي عالمنا العربي لفكرة الثورة التي بلا قيادة، وقد أسهم التعامل الإعلامي مع كثير من الحركات الاحتجاجية في خلق تصور زائف بأن الناس حين تجتمع عفوياً في مكان فإن النظام سيسقط والديمقراطية، بشكل أشبه بالسحر، ستتحقق. ولكن الحقيقة هي أن لا حركة احتجاجية تستطيع التقدم لتصبح ثورة من دون تنظيم ثوري ينظم هذه الحركة. لا أتحدث هنا عن القيادة من باب الإملاء، وإنما من باب التخطيط والتنسيق والنقاش وطرح البدائل: أو كما جاء في الأدبيات اللينينية فإن واجب الحركة الثورية هو أن تسبق الجماهير بخطوة، وبخطوة واحدة فقط، لا أكثر ولا أقل.

أما في غياب هذا التنظيم، فبصبح السؤال المفتعل الذي تفرضه السلطة، سؤال "الطائفية أم الفوضى"، سؤالاً واقعاً، وتتحول "الثورة"، على نبل ثوارها، نزهة للناشطين أو إلى مغامرة غير مأمونة العواقب يدفع ثمنها الأكثر فقراً وتهميشاً، ولا يلام الذين يلوذون بطوائفهم وزعاماتهم.