تشكل منطقة القوقاز محطة عالمية رئيسية لنقل النفط والغاز، وتلعب كل من روسيا، تركيا، جورجيا، إيران، وآذربيجان، فضلاً عن دول الحافة الشرقية لبحر قزوين دوراً مهماً، مباشراً وغير مباشر، في نزاع القوقاز. وكانت تقارير دولية عدة، منها ما أورده موقع "أويل برايس" قد لفتت لخطورة اندلاع الأعمال العسكرية في منطقة "توفوز" واقتراب الاشتباكات من فجوة غانجا (Ganja Gap)، الممر الذي لا يزيد عرضه عن الستين ميلاً في شمال آذربيجان، والذي يبعد حوال 300 كيلومتر شمال "ناغورني قرباخ". إذ يعبر من خلاله سنوياً ما يزيد عن الـ6 مليارات متر مكعب من الغاز (الرقم قابل للارتفاع بشكل طردي في الأعوام القليلة القادمة)، ونحو 300 مليون برميل نفط باتجاه كل من تركيا وأوروبا.

منطقة "توفوز" مسرح للاشتباكات الحالية:

الأكثر أهمية بالنسبة للمجتمع الدولي من نيغورني قرباخ، هي منطقة توفوز. تقع منطقة توفوز على الحدود مع منطقة تافوش في أرمينيا، القريبة من خط أنابيب جنوب القوقاز والمعروف اختصاراً باسم "SCP". ونظراً لموقع توفوز الاستراتيجي، فإنه لا يستبعد احتمال التدخل العسكري التركي في هذه المنطقة إن وصل الصراع إلى مستويات غير متوقعة.

ويمر خط الأنابيب الرئيسي (خط أنابيب جنوب القوقاز، أو خط غاز باكو – تبيليسي- أرضروم)، إلى جانب خط أنابيب الغاز عبر الأناضول (تاناب، TANAP) فيها. ويشكلان معاً المكون الرئيس في جهود أنقرة لتخفيف اعتمادها على الطاقة الروسية باهظة الثمن. ولمعرفة مدى الأهمية الاستراتيجية لهذين الخطين، ومخاطر الحرب في توفوز، سنعرج على الخطين، قبل تقييم عائدات الحرب السلبية والإيجابية على كل خرائط الطاقة في القوقاز.

خط أنابيب جنوب القوقاز:

هو خط إمداد للغاز، تم الاتفاق عليه بين تركيا وأذربيجان في عام 2001 بطاقة تشغيلية قدّرت بـ6.6 مليار متر مكعب وبطول 980 كلم، وقد بدأ تدفق الغاز فيه عام 2007، مروراً بالأراضي الجورجية. وشكل هذا الخط مصدراً للنزاع والتنافس الشديدين، إذ اقترحت روسيا التخلي عنه ونقل الغاز الأذربيجاني عبر البحر الأسود من خلال خط السيل الأزرق إلى تركيا، ( والأخير عبارة عن خط غاز بحري تم الاتفاق عليه بين تركيا وروسيا عام 1997، من خلال مد أنابيبه في أعماق البحر الأسود)، لكن واشنطن أوصت أذربيجان بالحفاظ على إمكاناتها التصديرية وعدم الاعتماد على خطوط محتكرة لموردين آخرين.

وبما أن لخط جنوب القوقاز القدرة على ربط خط أنابيب الغاز عبر بحر قزوين إلى كل من تركمانستان وكازاخستان، فقد اقترحت أذربيجان توسيع طاقته إلى نحو 60 مليار متر مكعب، مع إفادة دول العبور على نسبة تصل إلى 5% من تدفقه السنوي.

خط أنابيب تاناب:

وقعت أذربيجان وتركيا مذكرة تفاهم بشأن خط تاناب لنقل الغاز في 24 كانون الأول عام 2011، ثم وقعتا على اتفاقية نظام خط أنابيب "تاناب" في 26 حزيران 2012 في اسطنبول، بعد أن تمت الموافقة عليها من قبل الهيئات التشريعية ذات الصلة في البلدين. تبلغ تكلفة مشروع تاناب قرابة 7 مليارات دولار ويمتد الخط بطول 3500 كلم، مروراً بثلاث دول هي آذربيجان، جورجيا، وتركيا، لينتهي عند الحدود التركية - اليونانية في ولاية أدرنة.

وأفادت وزارة الطاقة الأذربيجانية أنه ابتداء من 30 حزيران 2018، تم نقل 5.8 مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا "في غضون عام واحد" من حقل "شاه دنيز-2" في القطاع الأذربيجاني من بحر الخزر إلى تركيا. كما تم توفير مليارين متر مكعب من الغاز في السنة الأولى من توريد الغاز التجاري إلى تركيا عبر تاناب.

وفي نهاية تشرين الثاني من العام الماضي، شارك أردوغان ونظيره الآذري إلهام علييف مراسم ربط خط أنابيب تاناب الذي يعبر الأراضي التركية، مع خط أنابيب "تاب" العابر للبحر الأدرياتيكي، الفاصل بين شبه الجزيرة الإيطالية وشبه جزيرة البلقان. وبموجب الخط الجديد (البالغ طوله 870 كلم، بتكلفة بلغت 4.5 مليار دولار) سينقل خط أنابيب تاناب 16 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً (10 مليارات متر مكعب إلى أوروبا عبر خط أنابيب "تاب"، و6 مليارات متر مكعب منه إلى تركيا). ومن المتوقع أن تصل طاقة تاناب إلى 23 مليار متر مكعب في عام 2023، و31 مليار متر مكعب عام 2026. لتتحول تركيا من خلاله للاعب محوريّ في تأمين إمدادات الطاقة لجنوب أوروبا.

ارتدادات حرب القوقاز على صفقات الطاقة:

تعتبر تركيا ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي، بعد ألمانيا، إذ وصل حجم الاستيراد التركي من الغاز الروسي إلى حوالي الـ30 مليار متر مكعب من الغاز مطلع عام 2017، وذلك بالاستفادة من خطي أنابيب "السيل الأزرق" - عبر البحر الأسود -، وخط عبر البلقان. ومع ذلك، فقد شهدت مبيعات روسيا من "غاز السيل الأزرق" في السوق التركية تراجعاً في السنوات الأخيرة. إذ انخفض حجم هذه المبيعات العام الماضي بنسبة 35%، وفي النصف الأول من هذا العام، خفضت غازبروم الروسية إمدادات الغاز لتركيا لحوالي الثلث مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي (أي لنحو 4.7 مليار متر مكعب). ويعود ذلك بشكل رئيس لانخفاض سعر الغاز في أوروبا (إلى متوسط 130$ لكل 1000 متر مكعب) مقارنة بتكلفة سعر الغاز الطبيعي الروسي المصدّر إلى تركيا (220$ لكل 1000 متر مكعب)، فضلاً عن سعي أنقرة لتنويع مصادر الطاقة فيها، واعتمادها سياسة استيراد الغاز المسال بدلاً من الغاز الطبيعي.

وفي هذا الإطار، تنتهج تركيا حالياً سياسة متوازنة بين الولايات المتحدة وروسيا في مسائل الطاقة. إذ تستورد تركيا الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة والغاز الطبيعي عبر خطي "السيل الأزرق" و"عبر البلقان" من روسيا. وقد سجل مطلع عام 2020، تراجعاً في الفارق بين حجم استيراد الغاز الروسي وحجم استيراد الغاز المسال من الولايات المتحدة إلى 200 مليون متر مكعب. هكذا نوعت تركيا مصادر طاقتها بين كل من روسيا (21٪)، إيران (15٪)، آذربيجان (16٪) والدول الثلاث تشكل مصادر الغاز الطبيعي عبر الأنابيب، والولايات المتحدة (18٪)، قطر (12٪)، الجزائر (10٪)، ونيجيريا (7٪) وهذه الدول الأربع تشكل بمجموعها مصادر الغاز المسال.

ومن المقدر، أن تنتهي مطلع عام 2021 اتفاقيات تصدير الغاز الروسي إلى أنقرة. الأمر الذي سيفتح شهية كل من موسكو وأنقرة في الأشهر الثلاث المتبقية من عام 2020، لتغيير موازين أمن الطاقة في القوقاز والبلقان، مع اشتعال الأزمة بين آذربيجان وأرمينيا، واتباع سياسة حافة الهاوية بين أنقرة وأثينا شرقي المتوسط. هي معادلة توازن الطاقة إذاً، ورسم معادلات البيع والشراء، في الطاقة والسياسة والأمن.