يُمارس العنف بارتباطاته بالحالة الإنسانية كما يمارس بارتباطاته بالطبقية. في الحالة الأولى، يُدرس العنف بأدوات علم النفس والفلسفة الوجودية. أما في حالته الثانية، فيُدرس بأدوات علوم التاريخ. والدراسة الثانية تحقِّب المراحل حسب قوانين التطور التي تميز مرحلة عن أخرى. ففي المرحلة الرأسمالية أو التسليعية، ونظراً لتسليعها كل ما هو موجود، يُسلَّع العنف كأداة إنتاج، وكممارسة، على حد سواء.

ما قبل الرأسمالية، كانت أنماط الإنتاج تتسم بقلة الانتاج والاستهلاك، كما يقول روسو، وكانت مركّبات اجتماعية تجتاح مركّبات أخرى لقلةٍ أو لطمعٍ بما ينتِجه الآخر. وكان العنف يُمارس بقرار سياسي ذاتي يشكِّل فيه العنف أداةً لإعادة ترتيب علاقات الإنتاج المنوطة بزراعة الكفاف؛ فلا يتغير الكثير لفترات طويلة الأجل. هنا، في مرحلة ما قبل رأس المال، ينحصر العنف كأداة للتراكم وليس كمجال للتراكم، وهذا ما لا يحدث في ظل الرأسمالية.

أما في الحقبة الرأسمالية، أي في الفترة التاريخية المحكومة بعلاقات رأس المال، تُسلع الطبيعة وتصبح بالتسليع ظاهرة سلعية، أو طبيعة اجتماعية. وظاهرة رأس المال هذه، هي هذا الكم المتكاثر من السلع بما يشمل تسليع الإنسان. وهنا يجب الإلتفات، إلى أن الحرب أو العنف بكل أشكاله هو نفسه مجال سلعي ذاتي الدفع. أما العنف والعسكرة فهما عمليّتان صناعيتان تتوسعان بتوسع السوق وبتحقيق السلع العسكرية، بما يشمل تحقيق الإنسان كسلعة تُستخدم كمدخل ومخرج  في هذه العملية الإنتاجية. وبالدلالة على أهمية الدافع الذاتي للعسكرة مثلاً، يجتمع كثر من علماء الاجتماع كبول سويزي، بول باران، ميخائيل كاليكي، على صوابية المفهوم اللينيني القائل بأن الحرب عملية تراكم. وبهذا يفسر هؤلاء العداء للاتحاد السوفياتي على أنه كان قائماً على أرضية توسع العسكرة أكثر منه على أرضية كراهية الرأسمالية للشيوعية. خلاصة القول، العسكرة عملية تراكم، صناعتها تُدعى الحروب. وبهذا يكون القتل بالمعيار الصناعي industrial scale killing صناعة كأي صناعة أخرى بل وأكثر... أكثر بماذا؟

تقلب العسكرة موازين القوى والوعي الطبقي، وهي بهذا تغير قوة الذات البشرية (الفاعل التاريخي). أنها تقلب موازين الإنتاج والتبادل لكل الصناعات. العسكرة هي حجر الأساس لعملية التراكم الرأسمالي لأسباب عدة أخرى، منها التطور التقني، وتخفيض العمل الضروري (أي تكلفة إعادة إنتاج الطبقة العاملة)، مخلفة بهذا قدراً أكبر من فائض العمل الذي إذا ما توسط في عملية تبادل احتكارية خلّف بدوره ربحية عالية.

أمام هذا الأفق اللامتناهي من السلع التي تجسد مبتغى رأس المال، والفاعل التاريخي في مرحلة الرأسمالية، يُطرح السؤال البديهي: ما هي السلعة المتكاثرة باستقلالية عن إرادة المجتمع؟... (يُتبع)

السلعة المتحكمة بمصير الناس هي الشيء أو الفحوى، والعلاقة الاجتماعية التي صنعته، أي هي الذات والموضوع كمفهوم تفرض مادته العلاقة الاجتماعية، والسلعة تتطور بأولوية الذات "the subject" أو العلاقة الاجتماعية المكونة لها، وهذه كلها رأس المال.

في علاقة الذات بالموضوع أو علاقة رأس المال بالسلعة، يفترض الأول، أو الذات، العلاقة المحددة لتكوين السلعة ولتوسعها؛ الذات إذن هي غرض الدراسة، اللهم إلا إذا أردنا أن نكمم (quantify)، عندئذ نستكشف المادة بمفاهيم العلوم الطبيعية.

"السلعة كعلاقة" حالة تتفرد بها الحقبة الرأسمالية. فالسلعة تتمثل في قيمة من خلال التبادل وهي قيمة بذاتها. ما كان لمنتوج ما قبل الرأسمالية أن يكون ظاهرة سلعية ولا أن يكون لتبادل السلع الأرضية أن يعيد إنتاج المجتمع. هذه القيمة هي تجسيد لعلاقة رأس المال، وللعلاقة قائمة في السلعة، وهي الحمض النووي الذي يرسم خطوط عريضة لتكوين المجتمعات. فما هو هذا الحمض أو البذرة التي تنعكس في الأداء الاجتماعي الكلي، أو التي إذا ما وضعت تحت عدسة مكبرة أبانت رموزها النزعات الملازمة لتطور الرأسمالية؟

التطور النظري لا يفسر الظاهرة بما هي ظاهرة، إنما يفسرها من خلال تاريخ الظاهرة ومكوناتها التي توسط تجسدها في الحالة الآنية الـ"mediated immediacy". إن كم السلع الهائل وتطوره بغرض التسليع هما الظاهرة وضرورتها. والضرورة هذه سمة لقوانين العلم التي تتبع علاقة منطقية أو عقلانية. وإذا كانت الظاهرة مشجعاً تاريخياً وعقلانياً وكان من الأفضل أن تدرس بقانون ذهني يربط التاريخي بالعقلاني أو المنطقي، فمن الأسهل على المعرفة أن تخوض في المنطق على أن تخوض في الإلمام بالكل التاريخي؛ اللامتناهي في تفاصيله. إن قانون التوافق العقلاني والتاريخي يخلق مرجعية لما هو قائم في الواقع وبهذا يُلحق النظرية بالممارسة.

وهنا السؤال: ما هو العقلاني أو المنطقي؟ أو ما هو قانون التطور في التسليع؟.

في السلعة هناك "الشيء"، وهناك العلاقة التي كونت الشيء، وهناك التناقضات أو التهافت الذي أسس لحركتها. والسلعة بشكل أولي هي العمل الاجتماعي الضروري أو الجهد المحصَّل من سيرورة العمل. بهذا المعنى هي ليست فقط ساعات العمل التي استبطنت في آخر مراحل السلعة في معمل ما، إنما مجمل التحول الاجتماعي الذي يكثف ساعات العمل الاجتماعي في الزمن الكرونولوجي ليخلق سلعة ما. وتكثيف العمل الضروري في الزمن الكرونولوجي أو الاصطلاحي يخلق زمناً جديداً حقيقياً هو الزمن الاجتماعي، أي الزمن الذي يفرضه رأس المال على المجتمع من أجل فرض علاقات اجتماعية محددة تأتي بالربحية. والربحية محددة في البرهة الأخيرة (أي أنها لا تتحقق عيناً)، وما هو مشهود يمكن اختزاله بمبدأ أولوية السياسة التي تفيد إنتاج علاقة رأس المال بالمجتمع. أما رأس المال، فهو واعٍ لأهمية السلطة ويعمل جاهداً ولو بربحية أقل من أجل تسيده من خلال الهيمنة الأيديولوجية والعسكرة في آن. وهاتان الأخيرتان تفضيان معاً لتحول transference مغذ للأيديولوجيا من خلال إظهار دور العنف الفائق في عملية التحول: فالقدرة على القتل الذي يزيد عن حده يغذي الأيديولوجيا السائدة والعكس بالعكس.

إن ارتباط النظرية بالممارسة أمر منوط بأولوية الأيديولوجيا على النظرية، أي أن كل ممارسة نظرية هي تغطية لممارسة ما أو أيديولوجيا، فلا يستقرأ ما هو نظري إلا في برهة فقد الأيديولوجيا السائدة. نحن هنا في صدد استنباط البناء النظري لظاهرة التسليع؛ أي ما هو راهن، أو بالأحرى الرأسمالية في قيد تطورها. لكننا عرضنا ما هو بديهي، أي علاقة النظرية بالممارسة، لأن نقاش علاقة القيمة أو القيمة ينطلق من ممارسة أيديولوجيا مرتبطة بالتطور الطبقي.

السلعة لدى أيديولوجيا الطبقة المستقلة ليست إلا الشيء أو المادة التي تتمثل بكم أو بسعر ما، فهي مجردة من العلاقة الاجتماعية، ولذا فهي مجردة من التاريخ والزمن الاجتماعي أي الزمن الحقيقي. لكن بناء المفهوم من منظور الطبقة العاملة يرتكز على الانبثاق المتبادل بين الفحوى والذات، بين المادة والعلاقة التي تصنع المادة، وهي ترتكز على تطور الذات لأن التركيز على المادة أو الغرض تشييء، واستخراج الأشياء من الأشياء يضفي عليها صفة الخصوبة، فلا هي خصبة ولا العقول التي تستخرج قوانين الحركة الاجتماعية من مادة أسقطت عنها الصفة الاجتماعية.