شكّل انفجار مرفأ بيروت وما سبقه من انهيارات متسارعة في الواقع اللبناني بوابة عبور للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتثبيت نفوذ فرنسي في لبنان. زيارتان في غضون شهر، تخلّلها لقاء مع السيدة فيروز ذات الرمزية العالية في وجدان اللبنانيين، جولة في بقعة الانفجار، تزكية رئيس الحكومة وصياغة بيانها الوزاري وبرنامج عملها. كلّها دلالات تشير إلى تصميم الرئيس الفرنسي على تلقّف الفرصة والتزام الملف اللبناني بكافة تفاصيله. سلوكٌ يأتي ضمن مسار بات شائعاً في الآونة الأخيرة: دول متوسطية ترزح تحت حروب أهلية وفوضى عارمة، يعقبها تدخّل قوّة خارجية والتأسيس لحضور دائم (روسيا في سوريا، تركيا في ليبيا، وصراع غير محسوم في قبرص). الكل يريد موطئ قدم في المتوسط.

لفهم أعمق لخصائص البحر المتوسط لا بد من إطلالة على الكتاب الموسوعي "المتوسط والعالم المتوسطي في زمن فردينان الثاني" للمؤرخ الفرنسي فرناند بروديل. العمل الذي بدأ كأطروحة دكتوراه عام 1923 لم يبصر النور إلا عام 1947 على شاكلة مؤلف ضخم من جزئين و1200 صفحة. 24 عام لم تكن كافية للإطلاع على كامل أرشيف المتوسط وتصنيف محتوياته وهي مهمة يلزمها بحسب تعبير الكاتب "عشرون عمرٍ مثل عمري أو عشرون باحثٍ مثلي يخصصون لها أعمارهم كلها". الكتاب وإن استحال تلخيصه في بضعة أسطر، إلا أننا سنستعرض أبرز ما ورد في صفحاته.

 

رواق مائي محاصر بالجبال

على الخارطة، يبدو البحر المتوسط كانخساف يمتد من جبل طارق إلى قناة السويس، محاط بسلسلة جبال على شكل نصف دائرة من شمال غرب أفريقيا حتى جبال لبنان مروراً بأوروبا: الأطلس، البيرنيه، الألب، الألبيني، البلقان، طوروس ولبنان. ينقسم الرواق المائي إلى 4 بحار فرعية: الأسود، إيجه، الأدرياتيك، والتيراني. أما البر المتوسطي فينقسم إلى 5 أشباه جزر لكل منها خصوصياتها: شبه الجزيرة الأيبيرية، إيطاليا، البلقان، آسيا الصغرى (الأناضول)، وشمال أفريقيا. الحضارة صنيعة المدن والمناطق المنخفضة، أما في الجبال، يعيش السكان منغلقين على أنفسهم على هامش الحضارات وغير وثيقي الصلة بها. فالتيارات الحضرية لا تدخل الجبال إلا على نحو سطحي لا يطاله العمق. الحضارة الرومانية وهي إبنة السهول، ظلت الجبال العالية مغلقة في وجهها وفي وجه الكاثوليكية. كذلك حال الإسلام، فبربر شمال أفريقيا لم يكونوا مسلمين إلا على نحو سطحي مثلهم مثل الأكراد في جبالهم. هكذا، تظل الجبال مصنعاً خصباً للأقليات وملاذاً لها وللخارجين عن القانون والثوار على الدولة الحديثة. غير أن الجبال بسبب شح مواردها مضطرة دائما لقذف فائضها البشري نحو السهول. وبدورها السهول والمدن كانت بحاجة لهؤلاء المهاجرين، على الرغم من خوفها منهم وسخريتها من سلوكهم وأخلاقهم. الجبال هي مصنع الرجال في خدمة الآخرين، مصنع غذّى تاريخ المتوسط كله وربما قام هو نفسه بصناعة هذا التاريخ. فالحياة الجبلية هي، على الأرجح نواة الحياة في المتوسط.

 

انقطاعات وتبادلات

يمكن تقسيم المتوسط إلى حوضين: شرقي وغربي شكّلا الرابط بين الشرق والغرب من الناحيتين الجغرافية والسياسية. البحر الأيوني من الجهة الشرقية (طريق إسلامية) ينطلق من السواحل الألبانية ويعبر من شرق صقلية نحو البر الليبي. بحر سردينيا (طريق مسيحية) يمتد من صقلية حتى اسبانيا والمغرب. ما يقال عن حواجز متراكمة بين الحوضين الشرقي والغربي باعتبارها حتمية جغرافية تفصل أحدهما عن الآخر ليست أقولاً خاطئة كلها بقدر ما تنحو نحو المبالغة والتضخيم. فبالرغم من تجارب التمازج بين شعوب الحوضين من الفينيقيين الذين وصلوا قرطاجة، إلى العرب الذين وصلوا إلى إسبانيا، وانتصارات الصليبيين في الشرق، إلا أنها ظلت نجاحات آنية أعقبها قطيعة، ولم تدم. يبرز هذا على نحو جلي في القرن السادس عشر الذي نجحت فيه الإمبراطورية الإسبانية من السيطرة على الحوض الغربي بنحو شبه كامل مقابل سيطرة عثمانية على الحوض الشرقي. لذا وقعت المعارك بين هاتين الإمبراطوريتين على حدود (خطوط تماس) هذين الحوضين: طرابلس (1511، 1551)، مالطا (1565)، ليبانت (1571). إتسعت الهوة تدريجيا بين العالمين خصوصا مع تقدم الغرب الصناعي مستفيدا من مناجم الذهب في أمريكا. لكن بقدر ما أصبح التفاوت كبيراً، بقدر ما تبقى تيارات التكامل ضرورية: الصناعات الغربية بحاجة لأسواق الشرق، والشرق بحاجة لتطور الغرب التقني. كأن هذه الانقطاعات والتبادلات هي التي تقيم التوازن في المتوسط وتحرك كل شيئ فيه.

 

هيمنة متنقلة

كانت الهيمنة السياسية والحضارية والإقتصادية تنتقل دائما من شبه جزيرة إلى أخرى. لكن عناصر الهيمنة نادراً ما كانت تتوافر مجتمعة في شبه جزيرة بعينها. قد يبدو تعبير شبه جزيرة متطرفاً، لكن قوى المتوسط بالرغم من أن المياه لا تحيط بها بشكل كامل، إلا أنها تعيش كعوالم تعزلها حواجز أرضية لا تبقي لها مخارج فعلية إلا في البحر وتحملها عزلتها إلى أن تبحث الواحدة منها عن الأخرى. بهذا المعنى، أليست المغرب جزيرة؟ يحاصرها الأطلسي والصحراء والمتوسط؟، وأليست سوريا التاريخية جزيرة تمتد بين الصحراء والمتوسط؟ سوريا التي كانت مقلعاً للتقنيات والإمبرياليات والحضارات والأديان، والتي أعطت العالم الأبجدية وصناعة الزجاج والصباغة، هذه كلها تحملنا على القول إن البحر الفينيقي كان أول متوسط تاريخي.

 

وحدة فيزيائية وبشرية

في المتوسط عوالم متشابهة تفصل بينها مسافات طويلة، وتتنفس من الرئة نفسها. إذ ينجم عن وحدة المناخ تشابه في الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يحمل بلدان المتوسط على التزاحم لتصريف انتاجها (قمح، زيتون، عنب) وتوسيع شبكات تبادلاتها التجارية. ظل المتوسط حتى القرن العشرين عند حدود سوء التغذية. فالتربة المتوسطية كلسية، ومساحات واسعة منها شديدة الملوحة، وأخرى تصعب حراثتها. وفي المتوسط كانت نواحي الحياة كلها، حتى السياسية منها تنقلب رأساً على عقب تبعا للمناخ والفصول. هذا ما جعل المتوسط بفقره وتقلباته بطناً خصباً لإنجاب الإمبرياليات، كأن ولادتها فيه كانت أمراً غريزياً يعبر عن حاجة البشر إلى البحث خارج الحدود في بلاد بعيدة تساهم في إطعام سكانه وإنعاش اقتصاده.

على المستوى السكاني، ألقى التزايد السكاني بثقله على الحياة الإقتصادية فبدأت تظهر أعمال اللصوصية والنهب والقرصنة. ولولا انفتاح حدود المتوسط باتجاه الأطلسي بشكل خاص لكان على المتوسط إيجاد حل لمشكلة تضخم عدد سكانه إما عن طريق حذف (إبادة) الفائض منهم أو عن طريق إعادة توزيع ذلك الفائض داخل حدوده. فمحاولات طرد اليهود ابتداءً من القرن الخامس عشر من المدن الإيطالية، ومن إسبانيا، كانت مؤشراً على التضخم السكاني في المتوسط. كذلك عمليات طرد الموريسك (مسلمي إسبانيا) في عهد فيليب الثاني. ولم تكن تشذ عن ذلك سياسة التضييق على البروتستانت في عهد لويس الرابع عشر أو هجرة نحو مئة ألف إسباني اتجاه أميركا.

 

التجارة والنقل: الطريق المحيطي والطريق المتوسطي

لا شك أن النجاح البرتغالي في الدوران حول أفريقيا (الطريق المحيطي)، بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح، قد أثر على تجارة البهار المتوسطية. فالمستورد البرتغالي سيطر بسرعة على قسم من السوق الأوروبي وهنا بدأ صراع متوسطي - محيطي لم يحسم إلا في القرن السابع عشر مع نجاح أشرعة السفن الحربية الإنكليزية والفرنسية من الوصول إلى المحيط الهندي: إنها كارثة الشرق.

وإذا كانت تجارة البهارات تجارة ترف، فإن تجارة القمح هي تجارة حاجة. عوامل عدة جعلت إنتاج القمح واستهلاكه في المتوسط على حال من التقلب: حاجة القمح لأراض زراعية واسعة وجهد كبير بسبب قلة الأمطار، تدخل الدول في تجارته ما جعله سلعة سياسية ووسيلة لتحصيل الضرائب، صعوبة نقله وكلفتها الباهظة ما جعل المدن الكبرى وحدها قادرة على استيراده من مسافات بعيدة. في إيطاليا، قضى عشرات الألوف جوعا عام 1554 قبل أن يصل القمح الأجنبي المستورد. في هذه الفترة كانت أزمة القمح محصورة في الشق الغربي من المتوسط فيما كان الشق الشرقي بسبب تدني عدد سكانه يعوّض الغرب المتوسطي شحة القمح فيه. لكن هذا الحال أدى إلى أزمتين في شطري المتوسط مع حلول القرن السابع عشر. في الحوض الشرقي، دفعت حاجة إيطاليا الدائمة إلى استيراد القمح من تركيا السلاطين والبكوات إلى تملك الأراضي واحتكار بيع القمح للتجار الغريين ومنعهم إياه عن أفواه شعبهم. تحوّل أدى إلى تنامي ملكية الأراضي الخاصة بعد أن كانت ملكية عامة خاضعة لإدارة الدولة بالإضافة إلى التضخم وارتفاع الأسعار. أما في الحوض الغربي، دفعت أزمة القمح إيطاليا إلى إستغلال الهضاب واستصلاح السهول بغية زراعتها بالقمح. هذا ما أدى إلى تغير المشهد الزراعي والاجتماعي في إيطاليا. نقص الأشجار والمراعي أدى إلى نقص الثورة الحيوانية وتقهقر صناعة الصوف. أثرياء المدن الإيطالية بدأوا باستثمار أموالهم في زراعة القمح وبرزت توترات بين الملّاك البرجوازيين والفلاحين على شاكلة قطّاع طرق وارتكاب جرائم.

 

صعود الإمبراطوريات وهبوطها

صعود الإمبراطوريات في المتوسط يتلخص بصعود الهابسبورغ في الغرب والعثمانيين في الشرق. في الغرب، شكّل نهوض الحس الديني وعودة الفكرة الصليبية بالإضافة لبحث برجوازيات المدن عن استتباب السلام لازدهار تجارتها الدافع لتوحيد إسبانيا وإيطاليا. في عهد فيليب الثاني، راحت الإمبراطورية تتمركز في إسبانيا وقل انخراطها في أوروبا لتتجه نحو الأطلسي حيث الثروات المتدفقة. نتج عن هذا التوجه مواجهات مع البروتستنانت شمالاً بهدف السيطرة على الأطلسي، والإيطاليين شرقاً الذين أصبحت بلادهم ثانوية. في الجهة الأخرى من المتوسط، نهضت سلالة بني عثمان من صدف المعارك في آسيا الصغرى. ففي أعقاب غزو التركمان لآسيا الصغرى، أصبحت تركيا بلداً إسلامياً في ظل التحريض والدعاية لاعتناق الإسلام بعد أن كان سكانها أرثوذوكس. ثم إن الحدث الأهم من احتلال القسطنطينية في التاريخ العثماني كان احتلال مصر وسوريا اللتين أتاحت سطيرة العثمانيين عليهما مشاركتهم في تجارة الذهب الأفريقي، القمح الشامي، الفول المصري، وسائر تجارة الشرق مع العالم. عوامل عدة ساهمت في انحلال الإمبراطورية الإسبانية بعد موت فيليب والعثمانية بعد سليمان القانوني. إلى جانب الرشى وتبذير أموال الدولتين في البذخ والترف، كان النظام الضريبي من عوامل إضعاف الدولتين. من الخارج كانت الإمبراطوريات تبدو قوية ومزدهرة، لكن القوة والإزدهار ما كانا يتخطيان حدود مدريد وإسطنبول. ومع نهاية القرن السادس عشر، أفسح المجال لبروز دول ذات مساحات صغيرة وقادرة على إدارة مواردها بمهارة (فرنسا، انكلترا، هولندا) وبدأت مخططات تقاسم الإمبراطورية العثمانية التي عصفت بها الثورات واجتاحتها العصابات.