مستقبلٌ متفلّت يلوح في الأفق

الكتابة عن مستقبل أوروبا في الوقت الحاضر مثل ركوب حصان بري. لا تعرف أبداً ما سيحدث في الثانية التالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن مؤشرات البيئة الأوروبية التي تسيطر عليها أجواء من التقلب وعدم اليقين والتعقيد والغموض تتجه نحو الإرتفاع؛ هناك دائماً لحظات يمكن أن يلمع فيها شيء ما. بسبب حدثين مقبلين، إنتخاب رئيس الولايات المتحدة وبريكست (أو بالأحرى سلوك رئيس الوزراء البريطاني)، يمكننا بالتأكيد محاولة النظر في الكرة الكريستالية طمعاً باستشراف مستقبل الاتحاد الأوروبي. دعونا نتوقع النتيجة أولاً ثم نقدم التفسير بعد ذلك.

ينمو الاتحاد الأوروبي بسرعة، ويمكن أن يقسّم إلى عدة أجزاء وسيكون في خطر. بعبارة أخرى: يقبل الاتحاد الأوروبي دوره كواحد من أقوى الأقطاب في العالم، ولكن نظراً لقوى الطرد المركزي الداخلية وقيود السياسة الخارجية، سيتم تقسيم الاتحاد الأوروبي إلى ثلاثة أجزاء بفعل ما يواجهه من تهديد دائم للسياسة الأمنية. هذه التطوّرات لم تأت بين عشية وضحاها ولن تظهر بين عشية وضحاها. هذه العمليات التي استمرّت لسنوات وقرون ستستغرق أيضاً سنوات حتى يتبلور هذا السيناريو المحتمل. وبالطبع لا يُقال إنّ الأمر سينتهي على هذا النحو. إذ يتضمّن كل مسار أيضاً فروعاً وشروطاً متشابكة. ومع ذلك، يوجد حالياً الكثير مما يمكن قوله. ولأنّ هذا هو الحال ولا يمكن لدولة في هذا العالم الاستغناء عن حلفاء أو شركاء، يجب على المرء قراءة هذه السطور باهتمام كبير.

 

التركيز على أمريكا

إذا كان على المرء أن يصف مرحلة التطور الحالية للاتحاد الأوروبي، فسيكون القياس التالي مناسباً: إن الاتحاد في الثلث الأخير من سن البلوغ أو في حركة انفصال عن الأخ الأكبر السابق!. لقد أدرك الاتحاد الأوروبي أن عليه الانفصال عن أمريكا كوصي. على الرغم من أن المسار الذي يجب اتباعه ليس مرئياً بالكامل بعد، إلا أن المواقف ووجهات النظر المختلفة تفرق بين الشركاء. هناك قوى، ولا يهمّ من سيفوز في الانتخابات الرئاسية، ستستمرّ في العمل بعد 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2020. في بعض النقاط سيبقى الأوروبيون والأمريكيون شركاء، وأيضاً ثمة عدد من جوانب المشاركة سيكون راجحاً بينهما. إذن ما هي أوجه التقسيم؟.

أحد الجوانب هو الثقافة. بشكل عام، يجب فهم الثقافة على أنها الكلّ المعقّد، والذي يتضمن المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والأخلاق والعادات بالإضافة إلى جميع الأنشطة والعادات الأخرى التي اكتسبها البشر كأعضاء في المجتمع. إذا كانت طريقة النظر إلى هذه النقاط والنمط المُعاش تبتعد كثيراً بين مجتمعين، فهناك علامات على الإنفصال. لتوضيح هذه الحقيقة، سأشير إلى بعض الحقائق.

 

النخب والتأسيس

في أمريكا، أثبتت النخبة وجودها على المستوى السياسي خلال العقود القليلة الماضية، والتي تتحكّم في مصير البلاد كما لو أنّها عشيرة حاكمة. وبما أن النظام الأمريكي لا يسمح إلا بحزبين، فمن الصعب بالطبع على القوى السياسية الجديدة كسر هذه الكتائب وتنفيذ أفكار جديدة في النظام السياسي. إذا كنت لا تتّفق مع الجمهوريين أو الديمقراطيين من حيث الرأي، فإن الخيار الوحيد المتبقي عادة هو الاستقالة. أصبحت هذه المجموعة من الناس بشكل لا شعوري عاملاً محدداً في النظام السياسي على مدى العقود القليلة الماضية. أدرك دونالد ترامب ذلك وتمكن من تسجيل نقاط مع الناخبين من خلال الدعوة لمحاربة الدولة العميقة. وقد أوفى بكلمته. خلال فترة ولايته، طرد نخبة مؤسّسة سابقة من مناصبهم على أساس أنّهم لم يعودوا يمثلون مصالح الشعب. من ناحية، كان على حق. اتّسعت الفجوة بين النخبة السياسية والشعب. من ناحية أخرى، يمكن للمرء بالتأكيد أن يطرح السؤال عما إذا كان يمثّل حقاً مصالح الناس أم أنه يسعى فقط إلى تحقيق مصالحه الخاصة. ما هو علني أن ترامب غير قادر على تمثيل مصالح الناس (الصحة والضمان الاجتماعي) فيما يتعلق بكورونا. لكن هذه مجرد وجهة نظر أوروبية بشأن الأمور. بينما في أوروبا، على الأقل في أوروبا الغربية والشمالية وأجزاء من جنوب أوروبا، يُنظر إلى الدولة على أنّها خادمة للشعب، وهذا الموقف غريب على العديد من الأمريكيين. لأسباب ثقافية وتاريخية، لا يزال الأميركيون ينظرون إلى الدولة على أنها خطر ويفضلون الاهتمام بشؤونهم الخاصة، حتى لو جاءت هذه النزعة مصحوبة بتقصير العمر الافتراضي للإنسان الأميركي. وبناءً على ذلك، فإن ترامب يحقّق حلماً طال انتظاره للعديد من الأمريكيين: تجريد المؤسسة الحاكمة من قوّتها، بغض النظر عن التكلفة.

 

أمريكا أولًا:

يرمز هذا الشعار إلى عملية الانسحاب والعزلة التي بدأت منذ سنوات. من منطلق الشعور بأنّ النّخبة السياسية لم تعد تفعل أي شيء من أجل شعبها، فقد نشأ فعل من القفز فوقها، والذي يحدث الآن في مجالات عديدة؛ على سبيل المثال في سياسة المناخ والسياسة الأمنية والاقتصادية. اكتسب دونالد ترامب سمعة طيبة كصانع صفقات بفضل برنامجه التلفزيوني. دعونا نترك الإجابة عن مدى صحّة هذا الإدعاء مفتوحةً، سواءً كان الوضع كذلك بالفعل أم لا. كانت أرقام البطالة في أميركا قبل كورونا أقل مما كانت عليه منذ عقود. يحب الأمريكيون عقد الصفقات. ومع ذلك، لا ينبغي للمرء أن يسأل عما إذا كان معظم السكان يستطيعون بالفعل العيش بغير أجور. للقيام بذلك، بالطبع، كان من الضروري إحياء الصناعات القديمة مثل الفحم والصلب. لماذا عفا عليها الزمن؟ حسناً، لأنها، من ناحية، لم تعمل بالكفاءة المطلوبة، ومن ناحية أخرى، وضعت عبئاً هائلاً على المناخ باستخدام التقنيات القديمة. لكن لكي يقوم ترامب بذلك، كان عليه حلّ اتفاقية باريس للمناخ وتوقيع اتفاقيات تجارية جديدة مع مجموعة واسعة من البلدان. في النهاية، أدّى هذا أيضاً إلى الحرب التجارية مع الصين. وترامب كان ولا يزال مستعداً للتضحية بالبيئة والمناخ وتعريض سمعة أمريكا الدولية كشريك موثوق به للخطر. العديد من الأوروبيين يقاومون بالفعل هذين الجانبين. في أوروبا، تلعب قضايا البيئة والمناخ دوراً رئيسياً ولا يمكن تخيّلها خارج العملية السياسية. وبالمثل، فإن جانب الأنانية غير مرحب به. بالتأكيد، حتى في أوروبا المعركة صعبة، وغالباً ما تسود مصالح الدول الأكبر. لكن على الأقلّ فإنّنا تعلمنا أنّه لا يمكن للمرء أن يعيش إلا ضمن شبكة وأن رعايته الخاصة تعني أيضاً الاهتمام بالمجتمعات الأخرى.

 

السياسة الأمنية والدبلوماسية

على مدى عقود، ظل الأمريكيون يطالبون الأوروبيين بالمساهمة أكبر في الناتو. إلا أن ثمة تعليقات ثلاثة على هذه المسألة. أولاً، هم على حق. المساهمة الأوروبية صغيرة للغاية والعبء الرئيسي يقع على عاتق الأمريكيين. ثانياً، ترامب هو أول رئيس فقط يوضح ذلك. ثالثاً، تطوّر اتجاه في أوروبا يعتمد بشكل أكبر على الدبلوماسية والقيود الاقتصادية. لا يزال السلوك العسكري هو النظام السائد اليوم ولكنه أصبح يتمّ بشكل مخفيّ عن السكان.

وبغضّ النظر عمن سيفوز في الانتخابات، فإن الناتو في شكله الحالي مهدّد بالتفكّك إذا انسحب الأمريكيون منه. الإجابة الأوروبية هي أنه يجب عليك إما تسليح (الجيش الأوروبي) أو ترك هذا المجال لقوى أخرى. حروب المستقبل لن تحدث بعد الآن في ساحة المعركة. بدلاً من ذلك، فإن الفضاء الرقمي والمعركة الإعلامية هي التي تتحكّم اليوم في مصير البشرية. ولا يزال الأمريكيون جناةً وضحايا على حد سواء في هذه المسألة.

 

خلق حقائق جديدة

هناك عبارات لها قيمة حقيقيّة، وهي صالحة دائماً بغض النظر عن السياق. علينا أن نقول وداعاً لفكرة أنّ التطورات يمكنُ عكسها. بعد فترة طويلة من الاستقرار والأمن، علينا أن نقول وداعاً لعدم الاضطرار للتّحرك. لا يهمّ من يتمّ انتخابه في أمريكا. من المؤكّد أن الرّئيس الديمقراطي سوف يصحّح العديد من الجوانب ويذهب في طرق أخرى. ومع ذلك، فإن الجزء الرئيسي من التطوير لا رجوع فيه بسبب الحاجات التي تتراكم مع السير الحالي، وبالتّالي فحتماً سيكون المستقبل مختلفاً. سيتعيّن على أميركا أن تعزل نفسها أكثر أو حتى تنسحب. المشاكل السياسية الداخلية داهمة، ترامب يتحدث علانية عن فترة ولاية ثالثة في المنصب (خرق للدستور)، روجر ستون (مستشار ترامب السابق) يدعو إلى قلب الديمقراطية، وتجري بالفعل مناقشة حرب أهلية محتملة في المجلات ومراكز الفكر ذات الصلة. ولكن هناك جانب واحد مسؤول عن تغيير النظام السياسي بشكل كبير وسيعيد تشكيله بشكل أكبر في المستقبل. وهذا الجانب سبق أن توقعه ألكسيس دي توكفيل في كتابه حول الديمقراطية في أمريكا منذ ما يقرب من 200 عام وهو: سيطرة السلطة السياسية على النظام المالي بالتعاون مع الشركات بسبب الإفراط في التركيز على عامل الحرية.

لقد نجح ترامب في إزاحة النخبة القديمة بالكامل تقريباً من المناصب المختلفة. كمثال: من بين حوالي 800 قاضٍ فيدرالي، قام بالفعل بتعيين 200 قاضٍ جديد ينتمون إلى خطه السياسي، أي المسيحي المحافظ. وخلف ترامب يأتي القطاع المالي. وبالتالي، من المفترض أن تصبح الفروق بين أمريكا وأوروبا واضحة جزئياً.

 

التركيز على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) وبوريس جونسون.

سيكون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صعباً، وهناك احتمالات كبيرة بأن لا تحصل معاهدة على إثره ما لم يسقط بوريس جونسون. لكن أولاً فلنركّز على الحقائق. كما هو الحال في الولايات المتحدة، ساد شعور في إنجلترا أقنع المواطن الإنجليزي العادي بأنه يتمّ استغلاله من قبل الاتحاد الأوروبي. والسبب في ذلك يكمن في حقيقة أن الحكومات المعنية، من ناحية، قد فشلت في توضيح مزايا الاتحاد الأوروبي للسكان. وقد غذّت ذلك وعزّزته الصحافة التي صوّرت، منذ الأيام الأولى للعلاقة مع المجموعة الأوروبية (ما قبل الاتحاد الأوروبي) الأمر نفسه على أنه كارثة بالنسبة للبريطانيين. سوف يلاحظ القارئ اليقظ أننا نتحدث عن الإنجليز والبريطانيين. وهذا صحيح، هذا مؤشّر على وجود خلاف بين البريطانيين (الويلزية، والاسكتلندية، والأيرلندية الشمالية، والإنجليزية) حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وكيفية التعامل مع المعاهدات حالياً. ويمكن لهذه التناقضات أن تضع بريطانيا والمملكة المتحدة موضع التساؤل. لكن دعونا نعود إلى بوريس جونسون. تماماً مثل ترامب، انتهز الفرصة أيضاً وبدأ عملية سياسية أوصلته إلى منصب رئيس الوزراء. تماماً مثل ترامب، هو يقوّض النظام السياسي المعتاد، مما يجعل الأمر أسهل بالنسبة له من دونالد ترامب الأمريكي. من المعروف أن بريطانيا العظمى ليس لديها دستور. تحكمها القوانين والسوابق القضائية. رئيس الوزراء البريطاني ليس أكثر من ديكتاتور ديمقراطي. إذا كان لديه الأغلبية في مجلس النواب خلفه ويمكنه السيطرة عليها، فلا شيء يقف في طريق طموحاته. وما هي طموحات جونسون؟ حسناً، أولاً: البقاء في السلطة، سيفعل أي شيء من أجل ذلك. ثانياً، تم تدريبه هو وزمرته السياسية إلى حدّ كبير في مدينة لندن. مدينة لندن مكان له خصوصية بشكل لا يصدق. وهي مستقلة عن حكومة المملكة المتحدة في كثير من النواحي وهي ذاتية الإدارة وتتمتع بالحكم الذاتي. يمتدّ سبب ذلك إلى تاريخ إنجلترا. في وقت مبكر، أنشأ الملوك الإنجليز مكاناً في لندن يمكن أن يتداول اقتصادياً بدون قيود وضرائب من التاج الملكي. على مرّ القرون، تم تطوير مركز مالي كبير، إن لم يكن أكبر مركز مالي في العالم هناك. مدفوعة بفكرة تحويل مدينة لندن هذه إلى سنغافورة أوروبية، تطوّرت هذه الزمرة أثناء تدريبهم ودراساتهم في جامعات النخبة في البلاد. كان التصنيع في بريطانيا العظمى في حالة تدهور منذ فترة طويلة، ومنطق التطور عند هؤلاء يعني أن الخطوة التالية هي تضخيمٌ مبالغ فيه للعالم المالي. يجب أن نتذكّر هنا أيضاً أن الثورة الصناعية بدأت في إنجلترا وأن سياسة تاتشر في السبعينيات والثمانينيات جعلت الرأسمالية "النارية" مقبولة. مضافاً إلى الغطرسة والجهل بالواقع، والذي لا يزال منذ الحرب العالمية الثانية يوحي للبريطانيين بأنهم حكام العالم، نشأ مزيج من كل هذه الجوانب، والذي لم يؤدّ فقط إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكنه أيضاً منع المملكة المتحدة من أن تتواصل مع عمقها القارّي الأوروبي. هذه العملية يجب أن يُؤسف لها. المملكة المتحدة تنتمي إلى أوروبا مثل الأصابع في اليد، لكنّ الأمور تسوء. لكي يظلّ جونسون في السلطة، يجب أن يلعب "بطاقة الكلب" الصعبة ويبقي بريطانيا معزولة، حتى بتكلفة تصل إلى حرب. عام 1998، أنهت اتفاقية بلفاست، المعروفة أيضاً باسم اتفاقية الجمعة العظيمة، النزاع في إيرلندا الشمالية، وجلبت السلام بين جمهورية إيرلندا (جزء من الاتحاد الأوروبي) وإيرلندا الشمالية (جزء من المملكة المتحدة). من شأن بريكست أن يسبب نزاعاً مسلحاً في هذه المنطقة مرة أخرى. وهذا بالضبط ما يفكر فيه بوريس جونسون الآن ولا يهتمّ بالعواقب. لكن الأمر يزداد سوءاً؛ اتفاقية الجمعة العظيمة هذه جزء من قراءة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا العظمى، والتي بغض النظر عما يحدث، يجب عدم انتهاكها. بالمناسبة، تمّ التصديق على هذه المعاهدة من قبل الجانبين. يقول القانون الدولي أنه لا يمكنك حلّ المعاهدات الدولية من جانب واحد. لكنّ هذا بالضبط ما ينوي جونسون فعله، وفي قراءة أولى في مجلس العموم، حصل بالفعل على أغلبية لقانون يمنحه الحق في حلّ أحادي الجانب. بعبارة أخرى، يحتلّ قانون المملكة المتحدة مرتبة أعلى من القانون الدولي. في خطابها أمام البرلمان الأوروبي، أكدت أورسولا فون دير لاين بالفعل أن الاتحاد الأوروبي لن يوافق على حلّ العقد الأولي أو إعادة التفاوض. كما أكّدت أنه بدون هذه الاتفاقية الأولية، لا يمكن إبرام اتفاقية تجارية مع بريطانيا العظمى.

والنتيجة: بريكست بدون اتفاقية تجارية (أساس جديد للقانون العام التجارة الدولية) وإنهاء اتفاقية الجمعة العظيمة كحقيقة سياسية. وللتذكير فقط، فإن جمهورية أيرلندا جزء من الاتحاد الأوروبي. ماذا يعني نزاع مسلح بينك وبين أيرلندا الشمالية؟ لكن الرحلة لا تنتهي هنا؛ فهناك اليوم قوى فاعلة في اسكتلندا تتحرّك مدفوعة بعدم فهم دقيق لرئيس وزرائها، بهدف للانفصال عن المملكة المتحدة وبريطانيا العظمى عن طريق إستفتاء الإستقلال. يعتمد الإسكتلنديون على مساعدات الاتحاد الأوروبي للزّراعة وصيد الأسماك. علاوة على ذلك، كان استخراج النفط والغاز في المياه الاسكتلندية من قبل الإنجليز، بما في ذلك تحويل الأرباح إلى لندن، شوكة في خاصرة الاسكتلنديين لعقود. لكن هذه القصة تحتوي أيضاً على توتّرات أكثر بكثير مما كان متوقّعاً. لإجراء استفتاء على الاستقلال، يجب أن يوافق رئيس الوزراء البريطاني أو مجلس العموم. ماذا لو لم يحدث هذا؟ كم عدد الإهانات التي يمكن أن تتحملها الروح الاسكتلندية؟ ماذا لو اندلع الصراع في أيرلندا؟ هل سيكون فيه إذن مصدر إلهام للإسكتلنديين؟ وكيف سيقرؤون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ أنا شخصياً أخشى الأسوأ. وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو مجرد بداية لتقسيم أوروبا.

 

التركيز على أوروبا

ستصبح الجهة الغربية للاتحاد الأوروبي خفيفة مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. أفترض أن البريطانيين سينضمون بطريقة ما إلى الأمريكيين. ولكن ماذا عن الجهة الشرقية للاتحاد الأوروبي. حسناً، يوجد الآن انسجام خادع بين الشركاء. السبب مرتبط في القتال مع البريطانيين. إذا انتهى هذا الصراع، ستندلع المشاكل والصراعات القديمة مرة أخرى. ستعني هذه حتماً أن على الاتحاد الأوروبي، وخاصة الدول المؤسسة له، التفكير في الكيفية التي يريدون بها تشكيل مستقبلهم والقيم على أساسها. مع الرئاسة الألمانية في الاتحاد الأوروبي ومع أورسولا فون دير لاين، بدأت عملية تتّجه نحو اتحاد سياسي. وهذه العملية مهمّة للغاية بسبب الظروف الموضحة أعلاه. لكن على وجه الخصوص، لا تستطيع دول الاتحاد الأوروبي الشرقية ودول البلقان المضي في هذه الخطوة. لا تستطيع هذه الحكومات، التي تتميّز بأسلوب سياسي استبدادي مع سمات يمينية شعبوية وإفراط في التركيز على الجانب الوطني، الموافقة على اتّحاد سياسي لمجرّد الحفاظ على السلطة. هل هناك علاماتٌ للإنفصال؟ دعونا نضع الأمر على هذا النحو: عندما يتحدث الفرنسيون والألمان خلف الأبواب المغلقة حول هذا الموضوع، عندما تكون هناك منشورات سياسية وعلمية حول الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه الاتحاد الأوروبي الآخر بدون الشركاء الشرقيين وعندما يكون هناك رغبة بين سكان البلدين الكبيرين (فرنسا وألمانيا)، ستكون هناك جرأة على فعل شيء جديد، ثم يبدو الأمر سيئاً بالنسبة للاتحاد الأوروبي الحالي. وهنا يجب أن يُذكر أنّ مثل هذا الموقف بالتحديد آخذ في الظهور. لقد أصبح العالم "VUCA"، وينمو الألمان بشكل أسرع من العديد من نظرائهم. لقد أدرك حلف فرنسا وألمانيا أنّ هناك حاجة للتغيير لضمان بقائهم على قيد الحياة. لقد أدركت أوروبا أنّ هناك خطراً لإنهيار وشيك بين أقطاب العالم الكبرى أمريكا وروسيا والصين. تعمل كورونا حالياً كعامل فاعل في تغيير قواعد اللعبة وتحفيزه وتدفع التطورات السياسية إلى الأمام. ستدقّ ساعة التغيير في أوروبا أيضاً عندما يتعيّن على الدول الفردية أن تقرّر أيّ جزء من العالم تريد الانتماء إليه. ومن المعقول أن نفترض أنه سيكون هناك ثلاثة "أوروبات" على الأقل في أوروبا في المستقبل.