تأثير الولايات المتحدة يتضاءل. يبدو أنّ إمكانيات السياسيين في واشنطن لتقرير ما سيحدث في جميع أنحاء العالم قد بدأت تنحسر. عندما ينتهي شيء ما، مثل ما يحدث مع إمبراطورية الولايات المتحدة، يسأل المرء بطبيعة الحال السؤال الأساس: كيف بدأت هذه الإمبراطورية العالمية التي قامت على جعل سياسيي الدول الأخرى على استعداد للعمل لصالح أجندتها؟

كان الرئيس ويليام ماكينلي (1843 - 1901) هو الذي بدأ بهذه السياسة. قبل انتخابه، كان يؤيد سياسة خارجية سلمية. قال في خطاب تنصيبه (اقتباس مأخوذ من سيرة ماكينلي التي كتبها روبرت دبليوميري): "لم نعد نريد حروب غزو. يجب أن نتجنّب إغراء العدوان الإقليمي". كان ماكينلي عضواً في الحزب الجمهوري. كان العديد من الأعضاء المؤثرين في حزبه يؤيدون سياسة خارجية توسعية من أجل الحفاظ على وحدة حزبه، والتي كانت ضرورية لجعل إعادة انتخابه ممكنة، قبل الرئيس أفكارهم الإمبريالية. أيّد جزءٌ كبير من وسائل الإعلام الأمريكية هذه السياسة بقوة.

كان هنري كابوت لودج أحد الشخصيات التي أرادت أن تصبح الولايات المتحدة قوة استعمارية، وهو يمثّل ولاية ماساتشوستس الأمريكية في مجلس الشيوخ. شخص آخر كان ثيودور روزفلت من نيويورك، وهو صديق مقرب لكابوت دودج. ساعد السيناتور لودج روزفلت في أن يصبح، عام 1897، مساعد وزير البحرية في إدارة ماكينلي الجديدة. كلاهما أراد أن تتوسع الولايات المتحدة على غرار القوى الأوروبية الكبرى، التي استحوذت في ثمانينيات القرن التاسع عشر على مستعمرات في إفريقيا والمحيط الهادئ.

كان روزفلت سليل عائلة ثرية من نيويورك من أصل هولندي. كان شخصية موهوبة ومثيرة للإعجاب، مليئة بالطموحات. ساعد في ترشيحه في وزارة البحرية أنه نشر كتاباً عام 1881 ("الحرب البحرية لعام 1812") والذي يعتبر حتى اليوم "مؤلفاً كلاسيكياً في تاريخ البحرية".

عندما كان لا يزال شاباً، أخبر صديقاً أنه قد يصبح يوماً ما رئيساً للولايات المتحدة. عندما كان طالباً أرسله والداه إلى ألمانيا لدراسة اللغة الألمانية؛ توقّع الأشخاص الذين استضافهم أنه سيصبح يوماً ما رئيساً للولايات المتحدة. تم تقديم تنبؤات مماثلة له عدة مرات في الولايات المتحدة، حتى من قبل صحيفة قريبة من الحزب الديمقراطي. ربما أثّرت مثل هذه التنبؤات على أفعاله اللاحقة. كان عمره 23 عاماً حيم تم انتخابه عضواً في مجلس ولاية نيويورك (برلمان هذه الولاية) وأصبح، وهو لا يزال صغيراً جداً، زعيم الحزب الجمهوري في هذا المجلس.

إلى داكوتا الشمالية ذهب لرحلات الرماية وكتب كتاباً عن مآثره في هذا المجال. كما حاول إدارة مزرعة أبقار في "الأراضي السيئة" هناك. نجح كنائب وعمدة لداكوتا في إلقاء القبض على ثلاثة لصوص سرقوا قاربه، وتبعهم أولاً مع عمال مزرعته في طقس أبريل المتجمد، على عوامة مرتجلة لأكثر من 100 ميل في نهر صغير، وأمسك بهم ثم جلبهم إلى القاضي، حيث أُجبروا على السير لمسافة 45 ميلاً خلف عربة نقل فيها السجناء. ساعده هذا الاستغلال لاحقاً في أن يصبح أحد مفوضي الشرطة في مدينة نيويورك.

تم وصف مثل هذه المغامرات مراراً وتكراراً في الصحف الأمريكية. كان يعرف جيداً كيفية التعامل مع الصحفيين بطريقة تجعلهم يكتبون فيها مقالات تدعمه وسياساته. وكثيراً ما كان يتصل بهم لإعطائهم معلومات مثيرة للاهتمام ويدعوهم للانضمام إليه خلال رحلات الحملة في مقصورة السكك الحديدية الخاصة به.

بعد بضعة أشهر من دخول إدارة ماكينلي، ألقى مساعد وزير البحرية الجديد محاضرة عامة في الكلية الحربية البحرية في نيوبورت، في ولاية رود آيلاند. وطالب في خطابه ببناء سفن حربية أكبر وأكثر في أسرع وقت ممكن. قال إن هذا ضروري من أجل الحفاظ على السلام، حيث أن العديد من الدول الأخرى كانت على وشك بناء سفن حربية كبيرة. سيكون للسفن الأمريكية الكبيرة الجديدة تأثير رادع. لكنه شدد في نفس المحاضرة على أنّ "انتصارات الحروب الكبرى" ستكون دائماً أكبر من انتصارات السلام. واستخدم في خطابه 62 مرة كلمة "حرب". نشرت جميع الصحف الأمريكية المهمة ما أعلنه في نيوبورت بالكامل، مما قلّل من تأثير أولئك في إدارة ماكينلي الذين كانوا ضد السياسة الخارجية التوسعية وفضّلوا استراتيجية أقلّ عدوانية.

قبل التحدث علناً في نيوبورت، طلب روزفلت من كلية البحرية الأمريكية إخراج جميع الخطط المتعلقة بكيفية شنّ حرب ضدّ أعداء محتملين للولايات المتحدة مثل اليابان وإسبانيا من أرشيفها. تنبأت خطط الكلية الحرب ضدّ إسبانيا بعيد هجمات أمريكية ضد كوبا والفلبين التي كانت تابعة لإسبانيا. في كلا البلدين كانت هناك تمرّدات ضد الحكم الإسباني. وجد المتمردون في كوبا الكثير من الدعم بين المواطنين الأمريكيين ووسائل الإعلام الأمريكية أيضاً بسبب الإجراءات القاسية للجيش الإسباني ضد السكان الكوبيين. وفقاً لموظفي التخطيط البحري، يجب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على "التحكّم" في مستقبل المستعمرات الإسبانية خارج أوروبا. لا تزال السيطرة على الدول الأخرى هي هدف السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى اليوم.

كان رئيس الكلية الحربية البحرية، قبل بضع سنوات، ألفريد تي ماهان، مدافعاً قوياً عن سياسة أمريكا التوسعية، ومؤرّخاً للقوة البحرية، واستراتيجياً للحرب البحرية كما كان صديقًا لثيودور روزفلت. كانت السياسات الأخرى التي اقترحها ألفريد تي ماهان هي إنشاء قواعد بحرية في وقت السلم بالقرب من المواقع الاستراتيجية والسيطرة البحرية على التجارة البحرية للولايات المتحدة.

في أيلول/سبتمبر من عام 1897، نجح روزفلت في إعادة نشر السفن الكبيرة من سرب المحيط الأطلسي التابع للبحرية الأمريكية في كي ويست، فلوريدا، استعداداً لمهاجمة كوبا. كما قام بتجميع السفن في المحيط الهادئ في هونغ كونغ للتحضير لهجوم ضد الفلبين. مع مثل هذا التركيز للقوات، طبق روزفلت نظريات ماهان حول ضرورة "المعارك الحاسمة" لتقرير الحروب البحرية. كما طلب روزفلت بنجاح شراء المزيد من الذخيرة للسربين. وقال في مذكراته: "عندما تأتي الحرب، يجب أن تأتي أخيراً بمبادرتنا وبعد أن يكون لدينا الوقت للاستعداد". واقتناعاً منه بأن الحرب ضد إسبانيا ستبدأ في المستقبل القريب، طلب من الرئيس ماكينلي السماح له بمغادرة منصبه كمساعد وزير والتجنيد في الجيش الأمريكي في اللحظة التي تبدأ فيها الأعمال العدائية.

في هافانا، في كانون الثاني/ يناير 1898، حطّم الضباط الإسبان مطابع أربع صحف محلية كانت قد نقلت انتقادات للقوات الإسبانية. وتلا ذلك أعمال شغب قام بها آلاف الكوبيين المحافظين، وكثير منهم ولدوا في إسبانيا. أبلغ القنصل العام الأمريكي في المدينة الكوبية وزارة الخارجية في واشنطن أن حياة المواطنين الأمريكيين في كوبا في خطر. لهذا السبب، أرسل الرئيس ماكينلي البارجة الجديدة "ماين" إلى هافانا. وأعلن الرئيس للدبلوماسيين الأسبان، أن زيارة البارجة كانت "عملاً ودياً". بعد وصول ماين إلى هافانا، توقع السناتور هنري كابوت لودج صديق روزفلت التالي: "قد يكون هناك انفجار في أي يوم في كوبا من شأنه أن يحسم أشياء كثيرة".

انفجرت السفينة ماين في ميناء هافانا في الخامس عشر من شباط/ فبراير 1898، وقتل ثلاثة أرباع طاقمها. أرسلت البحرية الأمريكية على الفور لجنة تحقيق إلى هافانا لمعرفة كيف حدث هذا الانفجار. وخلص المجلس إلى أن البارجة انفجرت من الخارج بواسطة لغم. اليوم، بعد فحص هيكل السفينة الحربية مرة أخرى وبعد إعادة فحص وثائق التحقيقات السابقة، يُعتقد عموماً أن الانفجار نشأ من داخل السفينة، إما عن طريق الاحتراق التلقائي أوعن طريق اشتعال الفحم في المخزن.

جعل نشر تقرير مجلس التحقيق البحري الحرب مع إسبانيا أمراً لا مفر منه. كان للحرب أغلبية واضحة في الكونجرس ودعم قوي في وسائل الإعلام. أعلن ثيودور روزفلت لصديقه أنّ الولايات المتحدة "بحاجة" إلى الحرب. كان غاضباً من الرئيس ماكينلي الذي حاول في اللحظة الأخيرة إقناع إسبانيا بمغادرة كوبا بدون حرب، ومن خلال التفاوض مع الحكومة الإسبانية. بمثل هذه التحركات، حاول الرئيس إسعاد دعاة السلام في حزبه. روزفلت، الذي كان على يقين من أن الحرب قادمة، ألحّ على وزير الحرب والقائد العام للولايات المتحدة أن يحصل لنفسه على لجنة في الجيش ليتمكن من المشاركة شخصياً في القتال في كوبا.

وقد اختار روزفلت الضابط جورج ديوي لكي يكون قائد سرب مقاتلات الولايات المتحدة في المحيط الهادئ. وقد أثبت ديوي جدارته حيث كان يتخد القرارات الحاسمة دون الرجوع للأوامر الصادرة عن مركز القيادة في الولايات المتحدة. قبل اشتعال الحرب بيوم واحد، تلقى ديوي الأوامر من القيادة التي طلبت منه التوجه بسرب المقاتلات الى الفلبين. في الليل، نجح ديوي في دخول ميناء مانيلا. لم يخطر على بال ضباط البطاريات الشاطئية الإسبانية بأن أحدهم سيتمكن من التسلّل إلى الميناء ليلاً، حيث لم يتمكنوا من استهداف السرب الذي تسلل بقيادة ديوي. وفي اليوم التالي تمكّن ديوي من تدمير سرب المقاتلات الإسبانيّة التي تمّ جمعها في ميناء العاصمة مانيلا.

بالاضافة إلى ذلك، استطاع ديوي احتلال الثكنات العسكرية وتدمير البطاريات التي تتحكّم بالدخول والخروج من وإلى الميناء. كما أنه استطاع أن يجبر السلطات الإسبانيّة على تزويد السفن الاميريكية بالفحم بعد أن هدّدهم بأنّه سيدمر العاصمة مانيلا في حال لم ينفّذوا أوامره. ولكن بسبب أنّه لم يملك العدد الكافي من الجنود، لم يستطع احتلال المدينة وأخذها من القوّات الاسبانيّة. لو استطاعت القوّات الإسبانية جلب المزيد من العديد والعتاد من الجزر الفليبينيّة إلى العاصمة مانيلا لكان بمقدورهم استهداف سرب المقاتلات الاميركيّة المتمركزة في الميناء.

لقد حظي ديوي بتأييد المتمرّدين واستطاع أن يجتمع بقائدهم إميلو أغوينالدو الذي تمّ إحضاره من المنفى على متن سفينة حربية أميركيّة. أكّد ديوي خلال الاجتماع على أهمية استقلال الفليبين وجعله كهدف مشترك بينهم. في الأيام التي تلت هذا الاجتماع، حاصر المتمرّدون العاصمة مانيلا، وفي ظلّ ذلك الحصار أصبحت مهمة الأسبان في تدعيم قوّاتهم شبه مستحيلة. في الشهور التي تلت تلك الأحداث، صرّح ديوي بأنه يجب أن تنال الفلبين استقلالها، مما زاد الشكوك بأن ديوي قد عقد اتفاقاً بينه وبين المتمرّدين حول مستقبل البلاد. فيما بعد، نكر ديوي احتمالية وجود اتفاق.

عندما أيقن المواطنون الاميركيّون حجم الانتصار الذي كان أبطاله قوّات البحريّة الاميركيّة، كسبت الحرب مع أسبانيا شهرة واسعة. وفي تلك اللحظة، أمر الرئيس ماكينلي القوّات الاميركيّة بإنهاء تلك الحرب في أسرع وقت ممكن بسبب خوفه من أنّ القوّات الأوروبيّة سوف تستغلّ الأحداث الراهنة من أجل السيطرة على بعض المناطق التي تقع تحت سيطرة أسبانيا. بعد أن أرسلت بعض الدول الاوروبيّة أساطيلها الى البحر الكاريبي، أصرّ الرئيس ماكينلي على إرسال القوّات الاميركيّة المتمركزة في تامبا، فلوريدا إلى كوبا.