يصنع النص ذاته وينفتح على عين القارئ وقلب المتلقي وعقله. النص ابن حضوره التاريخي، والقراءة تشكل جديد له. القراءة نسيج يجمع اللغة بوظائفها، والأدب بحيثياته، والفنون بتشكلاتها. ومع القارئ ينشطر الكاتب على ذاته ويفجر ذواتاً متنقلة قافزة عبر الزمن بين القديم والحديث، فيتعالق النص مع زمنه الحاضر، تنوعاً وعطاءات بين المكسب والجمال.

بين الهدم والبناء شكل أمبيرتو إيكو "اسم الوردة"، فتجاوز نصه حد اللامعقول من خلال الرواية نفسها. إنه تجديد قديم بتقنية الرؤية الحديثة، فكانت تصويراً لقديم بمفاهيم العلوم الحديثة. أضفى إيكو على السرد والوصف انغماساً جديداً لتقنية أبعدت عن الرواية دوامة البلادة والملل والسقوط في رتابة الحدث، فكانت الرواية إخراجاً سيميائياً انضوى داخلها علم الهندسة، والرياضيات، والأعشاب، والطب، والأدب، والميتافيزيقيا، واللاهوت، واللغة، والفن. رواية "إسم الوردة" أنموذجاً للرواية الجديدة في زمن قديم أحدث شقوقاً للكيان الكلاسيكي للرواية المعهودة، فبدت منفلتةً من الأنموذج النمطي للرواية في إطارها الحكائي.

يظن القارىء أنه أمام رواية بوليسية في أحداثها الغامضة، ويظن آخر أنه أمام رواية تحاكي الانقسام العامودي الذي ظهر في الكنيسة المسيحية وكيفية نشوء المذاهب المسيحية وعلاقاتها المعقدة مع السياسة؛ من الفرنشسكانيين والبندكتيين والبابويين وغيرهم، ويجري شرحاً مفصلاً عن الهراطقة وسلوكهم ومعتقداتهم، وكيف حاكمتهم الكنيسة، معتمداً الانكسار السردي وخرق الأطر السردية وتوسيعها بأطر أخرى تاريخية وسياسية واجتماعية وفنية وغيرها.

غوليالمو وإدسو والمكتبة:

كانت مكتبة الدير - الذي أبقى الكاتب موقعه مجهولاً - عام 1327، هي العنصر الرئيس الذي شكل مسار الرواية في غموضها، والرغبة في كشف ما يكمن داخلها، إذ تدور حول المكتبة أحداث غامضة مرتبطة بجرائم تحدث تباعاً، كان على غوليالمو وتلميذه إدسو كشفها. في تعريفه للمكتبة وإظهار شكلها الهندسي، تنجلي براعة إيكو في طريقة الدمج بين الصور الهندسية، وأحاجيها الخاضعة لسلطة الرموز والشيفرات. يتجاوز الكاتب قدرة البراعة ذاتها في تحصيل الأثر السيميائي للعبارة اللغوية والصورة الممتزجة فيها، فيدخل مباشرةً في الحدث، كأنه عنصر مكمل للرواية، ويبدأ السرد والحوار بالتنامي، ومعه يستعرض الكاتب بلسان الراوي إدسو ما تحتوي المكتبة من كتب، مبيناً مدى تعمق الأديرة المسيحية في العلوم كافة، ومدى اطلاعها على الثقافات المغايرة، من كتاب المناظر لابن الهيثم،  إلى كتب مخمس سليمان، وصولاً لكتاب شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام لأبي بكر أحمد بن علي بن، وحشية النبطي في فك الرموز والحروف الغامضة، يبين الكاتب في ممازجة بارعة علاقة التاريخ بالسياسة والأدب والفن والدين، كلها ممتزجة بالأحداث البوليسية، والتراتيل الدينية، وتفاسير الأحلام ومكاشفة الرؤى، والتباين والالتقاء بين العناصر المحسوسة واللامحسوسة في استراتيجية كاملة للجمع والتفكيك والكشف، لتخلف اللذة المشتهاة التي تجعل من النص الماثل أمامنا كائناً ناطقاً بكل حواسه، يمازج الواقع بالخيال، والقديم بالحديث، والتاريخ بالعصر، فيصبح ممتداً إلى حدود اللانهاية.

تدور أحداث الرواية في سبعة أيام موزعةً حسب مواقيت صلاة الرهبان، والمحرك فيها اتّباع العلامة وتحليلها، وفك شيفرتها للوصول إلى الدليل، في طريقة لهيكلة الموت، كأسلوب جذب للمشاركة في حل اللغز، فتتكون لذة التشويق البوليسي كي تنجلي أمام القارىء حوارات عدة تعبر عن أيديولوجيا كامنة في ذهن الكاتب.

أحد هذه الحوارات هي بين راهبين من دين واحد، حول نظرية تطبيق العدالة على الأرض، يحاول الراهب يورغ عدم السماح لأحد من الوصول إلى كتاب صناعة فن الشعر لأرسطو، الذي يتكلم عن المأساة والملهاة، وتطهير الروح من الأهواء، وكيفية استعمال المحاكاة المضحكة والمبتذلة. يحوي الكتاب سُماً في صفحاته لقتل كل من يحاول قراءته منعاً لانتشار الكتاب بين الرهبان. الكتاب هو اللغز الذي يحاول غواليالمو كشفه، ومن خلاله سيحاول الوصول للقاتل الحقيقي الذي يقتل كل من يحاول الاطلاع على الكتاب.

يعرف يورغ التسلسل الذي قسّمت على أساسه المكتبة. هو قارئ نهم، عارف للعلوم، حافظ للفلاسفة، ارتكب جرائمه في نسق يتبع أبواق سفر الرؤية السبع، البرد والدم، والماء والسماء، والجماد والعقرب، بحجة أنه ينفذ عدالة الله ويمنع  انتشار الأساطير السخيفة التي يأتي بها الفلاسفة. وفي ظل التراكم المتواتر للأحداث، وبعد اكتشاف غواليالمو للقاتل الحقيقي وهو الراهب يورغ، يعرض الكاتب حواراً مطولاً بينهما، حوار يكون نوعاً من المكاشفة والمناظرة بين قطبين فكريين في الكنيسة المسيحية؛ الأول أستاذه "روجير بيكون/ ruggiero bacon" والثاني صنّف نفسه رسولاً لله على الأرض، مشرعاً لنفسه القتل تحت ذريعة الرسم الإلهي، لاعتقاده أن في كتب الفلاسفة تحطيماً لما جمعته الأديان ولا بد لقوة الكلمة الإلهية أن تثبت وجودها عبر رسلها، لتظهر أزدواجية النظرة إلى الدين والله من البيت نفسه ومن أهل الدين المسيحي أنفسهم؛ في المطابقة والمشابهة بين العلم والدين، وسر الكلمة الإلهية، وفي حجب للعقل تحت ذريعة الامتثال الديني والتطبيق العقائدي، واعتباره الفلسفة فتنة تسقط الإنسان في الهاوية؛ وتمهد الثورة على "نظام الرب"، في جمع بين التدين والإجرام، وتقصي الآخر تحت ذريعة المعتقد المقدس وغير القابل للنقاش.

انتصر السرد وأمبيرتو إيكو في اللعب على مدارج اللذة اللغوية، والمعرفة المنقبة عن نفسها في كل زمن، لينهي روايته بحريق هائل يخفي معالم الدير والمكتبة، للتتآكل الآثار مع الزمن لضرورات روائية، حيث كان حبك الخاتمة خروجاً مدوياً للذكاء الحدثي، فخلق من الرواية عالماً خيالياً ارتهن للواقع بقلم وورقة وبراعة كاتب، لنكون أمام سيرفانتيس جديد وزوربا آخر، استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً للجديد الذي قدمه حيث انتصر النص المحترف للحدث.