لدى جدّتي "قمطة بشناشيل" كتلك التي لبستها فيروز في لقائها الرئيس الفرنس إيمانويل ماكرون تماماً. في الواقع، لقد صنعت لي "قمطتين" مشابهتين أيضاً في مرة من المرات، إحداهما قرمزية والأخرى فيروزية، أحتفظ بهما في علبة في الخزانة. لعلّ التي تلبسها فيروز أثمن من حيث القماش والسعر وما إلى ذلك، ولا أمنع نفسي من التفكير كيف أنّ ثمن منديل الرأس هذا يتضاعف مرات لمجرّد أنها وضعته على رأسها، فيما هو يخسر من قيمته مجرّد أن يصير مُستعملاً من أيّ منّا نحن العاديّون، العاديون يعني الذين لن نشرب القهوة مع ماكرون وفيروز والكاميرات. أستغرب "القمطة" وتعجبني، هي والعباءة المطرّزة، وأفكّر في أنهما خيار صائب لم يكن من الممكن أن يتخذه أحد سواها. بدت غير متكلّفة في مظهر جداتنا، غير أنها ليست جدّتنا وغير أنها (أذكّر نفسي) تلبس ثياباً أغلى وأفخم.

لعل لقاء فيروز بماكرون كان فخاً، ولكنّ مريدي "الست" وقعوا فيه حباً وطواعية، فسرّهم مرآها في صور قليلة. على مواقع التواصل، انطلقت حملة قصقصة عفوية واسعة النطاق ألغت ماكرون من الصور وقرّبت الصورة على الجدّة المبتسمة بخفر. الرئيس الولد "الحرحار" القافز ذهاباً وإياباً فوق ردم بيروت "ليقطف" ديكور لزوم ما لا يلزم في وجودها هي. هل كان هذا اللقاء خطأً؟ هل كان مخاتِلاً؟ هل كان هزءاً بنا؟ ربما كان، ولكنّ سرور المريدين برؤية "الست" نهاد حداد في بيتها، وبقدرة قادر، تجاوز انزعاجهم.  

ولأنني أريد تجاوز اللقاء برمّته، ولأننا جماعياً ما زلنا عالقين في لحظة 4 آب المؤذية التي لا تداويها صورة أو بسمة (من خلفِ قناع بلاستيكي وقايةً من فايروس كورونا أيضاً!)، فالنص الذي يلي متخفّف من كل ما سبق، بل تابعٌ لزمنٍ ماضٍ قد كُتب فيه احتفاءً بفيروز، لا لحدثِ أو مناسبة سياسية، بل لكونها فيروز الملازِمة (وربما المتلازمة- أشبه ب"سيندروم" لبنانية حقيقية لها إشكالياتها)، ولكن الساحرة دائماً.

***

أحبّ فيروز، هذه حقيقة. وذلك الرجل الذي يطلع صوته في التسجيل المشوّش يحبّها أيضاً، لكنّه أصدق تعبيراً في ذلك.

وجدتُ في فضاء الانترنت تسجيلاً من حفلة لفيروز في بيت الدين عام 2001، تغنّي فيه توزيعاً جديداً بالغ الجمال من زياد الرحباني لأغنية "بعدَك على بالي" (رافقها زياد في ذلك العام على البيانو). لا بدّ أنّ مشاغِباً عمَدَ –مشكوراً - إلى التسجيل سرّاً ما تيسّر له من أغنياتٍ إذاَ. المقطع الصوتي "غير نظيف"، ونسمع أصوات تعليقات من الجمهور القريب وسعالَ أحدهم المتقطّع فوق الأغنية كذلك. ما يحدث مع المرء في محاولات سماعه لتسجيلات كهذه غريبٌ بعض الشيء. في السماع الأول، تنتظر صوتها وتنزعج بشدة من أي صوت صادر عن الجمهور (خصوصاً ذلك السعال الفظيع المتكرّر)، تُثار أعصابك وتحاول حذف الشوائب في رأسك والاحتفاظ بالأغنية الصافية. في السماع الثاني تسأل نفسك لماذا لا تعود لتسجيل الأستوديو وتريح نفسك من هذا. في السماع الثالث أو ما يليه تجد أن تلك الأصوات والشوائب باتت جزءاً من توقّعاتك التي صرت تنتظرها وتحفظها. لقد صار شيءٌ منها أليفاً، صار لهذا التسجيل السرّي الرديء حياةً خاصة به.

قبل أن تنطِق السيدة لفظ "طلّ وسألني"، وبمجرّد إطلالها على المسرح (نفترض ذلك من تصفيق الجمهور الحماسي فجأة) بمرافقة الموسيقى، يُطلِق أحد الحاضرين الحفل من المستمِعين صرخة "يحرق دينِك!" ثمّ بعدها بثوان قليلة، ولمّا تبدأ فيروز بالغناء بعد، نسمعه يضيف "شو هيدا يا عمّي، شو دينها هالليلة؟!". لا يستطيع الرجل ابتلاع انفعالاته وتهذيبها، ولعلّه أثار سخط المشاغِب الذي كان يسجّل الأغنية على مسجّل أو هاتف محمول، غير مبال بالمحظورات، والذي صودف لسوء حظّه (أو لحُسنه) تواجده قرب رجل غارق في حبٍ لا لجام له. عندما اعتدْت هذا التسجيل، صرتُ أردد مع الرجل في الوقت المناسِب "شو هيدا يا عمي؟ شو دينها هالليلة؟"، وغفرتُ له تشويشه، بل "استهضمته". تبدأ هي الغناء على توزيع مذهل تماماً للإبن الجميل "طلّ وسألني/ إذا نيسان/ دقّ الباب/ خبيت وجّي". يتدخّل مجدداً ليُطلق صفرة طويلة تفيدُ عدم التصديق.

أفكّر كيف كان صاحِب التعليقات مأخوذاً بـ"الطلّة" الفيروزية قبل أن تنطق حرفاً حتى. يتوقّع الجمال الآتي حتماً فور انطلاق الصوت من فمها، يعرفها. يتنبّأ بجمال لاحق بناءً على الطلة المهيبة للسيدة بالفستان الأبيض، مشيتها، مظهرها. المقطع صوتي فقط لا ترافقه صورة، لكننا رأيناها في صور من تلك الحفلة. نقوم بعملية توليف في خيالنا بين الصوت والصورة: خرجت بالفستان الأبيض، لا بدّ أن الرجل انتبه أنه ما زال قادراً على الحلم، لا بدّ أنه فهم أن شيئاً كهذا لا يمكن أن يتكرر كل يوم، وتذكّر أنه على قيد الحياة.
تقول هي "خبيت وجّي/ وطار البيت فيّي وغاب". هي غيبة العقل لصالح الشيء الجارف... طلّتها أوّلاً، ثمّ صوتها. 

***

في فيلم فريدريك ميتيران الوثائقي "فيروز" (1998)، يقول الراوي عن لسان عاصي الرحباني مخاطِباً فيروز - في محاوِلة لطمأنتها إلى المستقبل – "توركواز، يا توركواز، أحببتني في الصيف، أحببتني في الشتاء، وسنكون معاً لمواسم كثيرة جميلة آتية". وأنا أشاهد فيلم ميتيران أوقف الفيديو، أرجعه بضعة ثوان إلى الخلف، وأمعِن الاستماع. هل قال ميتيران "توركواز"؟ أضحك وأشعر بالغيظ قليلاً. لا، اسمها "فيروز"، تقول الفكرة الأولى التي تخطر لي، لكن الفكرة الثانية تستحلي هذا اللعب المحرّم.

إذ يستعمل ميتيران ترجمة اللون الذي هو اسمها، قائلاً "Turqouise, ma Turqouise"، بتلك اللهجة الحانية، هو يحيلها صِبغةً زرقاء ممتدة كسماء. أجد لترجمة المخرِج الحرفية مسوّغات، كأنّ عاصي يقول لها "يا سمائي، يا امتداد أحلامنا"... أمّا هي، فلَم تُسأل حين سُمّيت، لكنها لبست بدون تردد اسماً غير اسمها بخفة من يضع قدميه لأول مرة داخل عالم الحلم حيث كل شيء جديد. في مناسبات لاحقة ستلبس فيروز لونها فساتيناً. أتذكرها في المقاطع التي نراها على يوتيوب لمسرحية ميس الريم بالفستان والقبعة المزيّنان بريش ناعم، يغرقانها بالفيروزي "من فوق لتحت"، وفي مسرحية "لولو" تغني "راجعين يا هوا" و"نطّرونا كتير".

***

بالعودة لصورتها في البيت، هناك تلك اللقطات من الوثائقي الفرنسي عنها عام 1998. في المقابلة، نرى فيروز في مساحتها الأكثر حميمية، أمام طاولة خشبية عرضت عليها صور من تحب: زياد وريما وليال وهَلي، مع صور قديمة لها. كل تفاصيل المكان بالغة الحسّية والجمال، وهي في هذا الموضع انعكاس لحياة كامِلة موجودة في الصور خلفها، تسرد نتفاً منها للكاميرا أمامها، بعبارات مقتضَبة جداً. فيروز ونهاد حدّاد وكل الأسماء والألقاب والأشكال والألوان في امرأة واحدة قليلة الكلام، تضع يداً فوق يد ويكون حكيها متقطّعاً كمن يخبر سراً لا يدري إن كان ينبغي له الإفصاح عنه. تبدو تعبيراً صادقاً عن استعادات إنسانية لا تدّعي حِكمةً أو رِفعة بفعل التجربة، تحكي بدون أحكام على الماضي، بدون تعليق أو استطراد أو تقييم لما حصل، فقط تحكي. تبتسم حيناً وتشرد حيناً وتدمع فقط عندما تذكر عاصي.

هذه صورة أفضّلها مليون مرّة على صورة مع ماكرون ووسامِه.