"الأسطورة أهم من التاريخ وأصدق

منه بكثير،  التاريخ محض صحافة     

وأنتم تعلمون جيدا إلى أي درجة

يمكننا الإعتماد على الصحافة"

جوزيف كامبل

***

لم يكن سهلاً على تلك الفتاة النحيلة القادمة من أحياء بيروت الفقيرة أن تتحوّل في غضون سنوات قليلة إلى أسطورة حيّة وثيمة جمالية هي في جوهرها خارج التصنيف المعياري... أم كان سهلاً! أسأل نفسي. هل كان ذلك قدرها الذي اختارت صنعه؟ أم أنّ هذا الكوكب كان بحاجة إلى أسطورةٍ أخرى ليستدير أكثر باتجاه الأمل؟ وكنا نحن محبيها نتوق إلى نافذةٍ بحجم أغنية نتسلق إليها هرباً من الخراب والفشل والخيبة؟

هل هي قدرة فيروز - كحال الأساطير - على حمل التناقضات؟ كأن تلتحم بالأرض والتراب والشجر والنهر والحصى، ثم قبل أن تنضج فكرة التكوين، تصبح مجرةً مثقلة بالنجوم؟ أو أن تنتمي إلى أولئك الذين كسرتهم الحياة، إلى الفقراء والبسطاء وعمال الحقول والبيادر والمبشرين بالفرح والوجع، إلى عناقيد الخمر وابتهالات المصلين وعبقرية السكون وسلطة المدى وذكاء الفراغ.. ثم لا تنتمي!

أن تتغلغل في التفاصيل، في جوهر تشكّلها وتعالقها، ثم لا تكونها!

أن تمسح على رأس يتمنا، تنهرَنا عن اقتراف الحنين، ثم تكون هي الأمومة، ويكون صوتها حبلَنا السري يستدير حول جراحنا كلما خمشتها الحياة!.

والحق أن كثيراً ما يلحّ  هذا السؤال:

ما الذي جعل فيروز أسطورة؟ ولماذا هي تحديداً من حمّلها الناس تلك الوديعة العظمى؟ فليس من السهل في نهاية المطاف أن يُعتمَد عليك لفهم العالم أو خلقه! أو لمحاولة العودة إلى الجنة التي طُردوا منها ويطردون! ولا أن يحمّلوا كتفيك الرقيقتين أوجاعهم وصلبانهم وأثواب خيباتهم ويبلّلوا صوتك بدموعهم وعتمهم ورجائهم لتنجب لهم الصباح كل يوم!

فعندما لم يستطع اليونانيون القدماء إيجاد تفسير مناسب لحركة الشمس، اخترعوا "أبولو" وبنوا له مركبة عرض السماوات..

ولما لم يفهم اليابانيون سر الدخان، أوقدوا نار الحب في قلب إمبراطورهم فوق جبل فوجي..

ولمّا لم يستطع اللبنانيون صنع بلد.. اخترعوا فيروز!

فكانت بلاداً لكل اللاجئين والمهاجرين والمنفيين والمخذولين والعشاق والمياومين في صحراء الأمل، بلاداً لا تحتاج إلى فيزا أو باسبور.

كل ما عليك فعله أن تتقن الإصغاء للبساطة، وليس ذلك يسيراً، فالبسيط على قول باشلار مركّب دائماً، ويحمل وعداً بالتعقيد!.

ولكي تكون مواطناً حقيقيّاً في "بلد العيد"، لا بد أن تصغي بكلك إلى التفاصيل، وأن تبصر الكلّ في أصغر الأشياء، "ألا يكمن الله الكلي في التفاصيل" على مذهب آبي ڤارتر؟

ثم هل يكفي الإرتباط والتوالد العاطفيّ والنفسيّ مع الفنان لأسطرته؟ أم أن عوامل أخرى تتعلق بجوهره وموهبته وثقافته وحظوظه؟

فيروز التي شاء لها القدر أن تتجوهر وتكون على يد الرحابنة غدت ظاهرة جمالية متفردة، وإذا قارنّا تجربتها بمعايير "هيغل" الفلسفية للجمال، نجد أنها هي نفسها المثل الأعلى بكامل لبنانيتها وصفاء إنسانيتها وفطرتها السليمة فجل ما يحتاجه الفن خَلقاً وتذوقاً هو تلك الفطرة، فهي أقرب إلى الملائكية  التي اختارت أو اختير لها، هذا البعد الإعلامي( تُرى ولكن لا تُطال)، وهي الأنثى بكامل إغرائها الوقور وكبريائها الجريء، وهي التعويذة والتهويمة التي  من الصعب أن يعود المريد  منها أو يرتدّ عنها!

والأجمل من كل ذلك أنهم استطاعوا( الرحابنة وهي) أن يجسّدوا كل ذلك بعبقريةٍ موسيقية وذائقة شعرية وثقافة فنية مهولة وبمغامرةٍ شغوفة وبجهد مضنٍ وتلك هي الكيفية الهيغلية، أما الشرط الثالث المتمثل ب الذاتية الخلّاقة عند المبدع فقد بات واضحاً في استمرارية فيروز تألقا وتأثيرا وإبداعا بعد عاصي ومنصور( ولو أن للبعض رأي آخر في ذلك).

وما بين التكذيب والتصديق، اليقين والشك، يبقى حال فيروز كحال الظواهر والأساطير التي لم تختر الإنتماء إليها، يلتف الملايين حولها فيختلفون فيها ولأجلها، والحال أن الأمر كما هذا المقال على الأرجح لا يعنيها كثيرا أو حتى قليلا، ففيما يحاول الجميع أن يفصّلها على قياس وجعه وحلمه ومخاوفه وتطلعاته، منهم من يريدها ثورةً واضحةً من لحمٍ ودم، تتجوّل بين الأفران  والمقابر ودور الأيتام ، تغنّي لحجارة الثائرين وربما ترمي معهم..ومنهم من يريدها له وحده يخبّئها زاداً للبرد  والوحدة والفقر، ومنهم من يجد فيها تمثّلا لأنانية الفنان المتخم بالضوء والجماهير، و فيما يحدث  هذا كله  تمرّ فيروز على وترٍ  في الذاكرة، تسحب خلفها فستانها الأبيض فتستيقظ فينا الفصول وتضيء الكواكب المعتمة وتتجلّى هي تمرداً على الليل والنسيان على القبح والعقوق والجمود والموات…وبذا تصبح فيروز أسطورة متمردة والأساطير أصدق من التاريخ!.