منذ أن أدرك السمع الصوت الأول، منذ أن لاح الضوء لوهلته الأولى وصوتها ينقّي اليوم مما يشوبه من منغّصات الحياة ليشكّل حضناً أثيرياً يحملك لكي تلمس الصوت وترى بالسمع تماماً كبشار بن برد.

إنها فيروز، صديقة الشمس، جارة القمر، نبيّة المواعيد، سيدة الفرح والحزن. فيروز التي ألفنا صوتها القادم من سماوات الحب مثلما ألفنا وجوه أمهاتنا وهي تشاطرهنّ صناعة الفرح والحنان. ولإن كان من المعتاد أن يخلق الصوت الغنائي المذهل معجبين إلا إن صوت الفيروزة خلق أمة محبّة تختلف على أمور جمّة وتجتمع على حبها والارتماء في حضن صوتها الوثير.

فيروز الوطن، الألحان الرحبانية المتوجّة بحنجرة سفيرة النجوم رسمت لنا (جبل الغيم الأزرق) وطناً حلماً. الوطن الصغير الذي يربو على الآمال ويخلق منها، وجعلت من لبنان الصغير وطناً شاسعاً يسع الوجه العربي والسّحنة العربية، وطناً ممتدّا إلى كل بيت يصغي لهدير فيروز وهديلها لتجعل المنطقة بأسرها بيتَا لبنانيّاً وشرفةً تطلّ على خلجان الفرح التي تبدعها الأم الحزينة

فيروز الثورة، في كل ساحة للنضال ضد الطغيان برز صوتها، وفي كل ثورة نجد أبناء الحلم الباحثين عن وطن يسع جراحهم يستمدون صوتها نشيدا لشحذ الهمم ومبعث أمل للفعل النضاليّ

فيروز الكل، فيروز الحقيقة التي لا تُمتلك. يصغي إلى صوتها الناس على تعدّد مشاربهم دون أدنى محاولة لتحليلها أو إدراجها فهي البياض الذي يحوي الطيف، كل الطيف

فيروز الفقراء, وأجمل ما في القديسة انها تشبه الفقراء. هي نبيّة أوجاعهم والناطقة بأصواتهم وحارسة أسرارهم. فلم تكن يوماً كمن عاصرها في النصف الأول من القرن العشرين من مطربي البلاط والصالونات، وصوتها القادم من أمل بعيد ظلَّ عصيّاً على الاحتجاز كالحب والضوء والعطر.

فيروز الحرية، الصوت الذي عبر المدن وغناها، فالشام وبغداد وبيروت ومكة وعمان والقدس كلها سكنت تجربتها، بينما لم يدجن صوتها في مديح سياسي أو سلطويّ محليّ أو عربيّز

فيروز القدّيسة التي تشدو مناجية الرب بوصفه الحبيب القريب فتذوب الماهيّات الدينية لنحبّ إلهها ونشاطرها الـ"لا تهملني لا تنساني" ونعيش معها انتظارها مرسل الرب يطل عليها في ليل غربتها ليعيد وطنها "الصار منفى".

عزلة فيروز 

قد يلوم كثير من الناس السيدة فيروز على عزلتها، وهي التي اعتادت هذا اللون من الحياة منذ البداية، مذ كرسه عاصي الرحباني وأحبّته، لكنني أراها محقة في اختيارها السكون وسط هذا الواقع المكتظ بالمجاهيل، فقد آثرت الغناء لتظل الحبيبة النقية والأم التي يسع حضن صوتها الجميع.

فيروز والصباح

ليس صوت الفيروزة فنجاناً من القهوة يحدّه وقت زوال الشمس واقتراب وقت الضحى، إذ إن صوتها خبز الروح التي تتوق إلى الحب الصافي المتدفق مع كل نغمة منبعثة من فردوس صوتها وهي تحب وتعاتب وتفرح وتيأس لنعيش معها الحياة، كل الحياة في أغنية.

فيروز الحداثة الحلوة

بعيداً عن طلليَّة أغاني زمنها ولونها الطويل الباعث على الضجر، انطلقت فيروز بألحان الرحابنة وفيلمون وناصيف لتختزل الوقت والعاطفة والمعنى فالوقت ومضة من الحنين الغامر أو الفرح الطفل والمفردة بسيطة وعميقة ومعبرة حدّ أنها صارت سيدة كل البيوت وعصفورة كل الساحات. وبينما حاول الكثير من الفنانين الغناء بألوان هجينة كسباً للمموّل أو الشعبية، التزمت فيروز لونها وأدخلت المفردة اللبنانية لكل بيت عربيّ حاملة معها أغنيات "الكروم" و"الضِّيع" والعشاق "الناطرين" حبهم في "قهوة ع المفرق" لـ"يطلع لنا البكي من كتر الهنا" ولنعيش معها "الولدنة" ونعتنق الحب لـ"نجمة ونجمة توقع". 

فيروز أغنية لا تعرف الحدود، غنّت القصيدة والموشّح والترنيمة، غنّت الوطن، غنّت الوجدان والتصوّف بابهى صوره.

فيروزي، أو فيروز التي أحب أكبر من دقائق معدودة يسيل فيها اللحن شلالاً من الجمال أو الكلمات وهي تصير حرجاً من الأمنيات، إنها فيروز الأم التي تعدّ لي الفرح وتسقيني فنجان الأمل حين تأخذ بيدي إلى وجهتي وتوصي بي النسمات والأطيار، إنها فيروز التي أحدّثها عن الفرح على ضآلته وأبث لصوتها ما كلفت به من شوق و خسائر...

يطولُ الحديث وفيروزُ دينْ

يبشّر بالحبّ والياسمينْ

وتذوي الحكايا وتبقى

نسيماً بطعم العناقات

يحضن قتلى الفراقات والمتعبينْ