تعدّ الظاهراتية التي أسس لها هوسرل وانتهجَها هيغل وكثيرون من الفلاسفة وعلماء النفس، منعطفاً تشكّلت ملامحُه في النمسا مع سيكولوجية المقاصد لدى برنتانو، ثم في التصور المنطقي الجديد، وساعدت علم النفس على تحليل الوعي الإنساني من خلال "الأشياء".

يتجلى منهجُ باشلار الظاهراتي في توجّه الوعي لديه إلى الموضوع؛ ما يُعرف بقصدية الوعي في فينومنولوجيا هوسرل. وبهذا المعنى، فإنّ الأبعاد الهندسية تتم إحالتُها على الذات لتصبحَ ملامحَ ألفة. فالعشُّ والقوقعةُ ما هما إلا بيوت طفولة.

وإذ يلفتُ باشلار بشكلٍ واضح إلى أهمية الصورة الشعرية في عملية التحليل النفسي، فإنه يؤكّدُ على أنّ العلاقة الظاهراتية الإيجابية بين الشاعر الحالم والقارئ تنطلقُ من متشارَكاتٍ بينهما سواءً في أحلام اليقظة أو الذاكرة؛ المكان الذي يستحيلُ بالنسبة إلى الشاعر كونَ ألفةٍ قديم، وبالنسبة إلى القارئ كوناً مختزَلاً يضمُّ في داخله احتمالاتٍ لتأويلاتٍ لا متناهية، قد تكون – على سبيل المثال لا الحصر- صندوقاً في خزانةٍ، خزانةً في قبوٍ أو علّيّةٍ أو أيّ مكانٍ آخر يحملُ خيالاً أو ذكرى، لأنه في الحالتين سيكونُ انبثاقاً لشاعرية الخيال. بمعنى أنّ قراءةَ المكانِ تستثيرُ فينا تذكّرَ أماكنِ طفولتنا. فبالنسبة إلى باشلار، المنهج الظاهراتي هو المنهج الذي يصلح لدراسة موضوع الخيال. ففي دراسة الخيال ليس ثمة موضوعٌ دون ذات، فتنتفي الهندسة المكانية في ديناميةٍ خياليةٍ من نوعٍ مفارق. بمعنى آخر، لا معنى للموضوع بموضوعيّته إلّا بعدَ تلقّي الوعي له ونشوء هذه العلاقة التي تنبثقُ في هذه اللحظة مخلّفةً كوجيتو الحلم أو الخيال.

ينقل باشلار عن فان دن بيرغ قوله إن الشعراء والرسّامين هم ظاهراتيّون بالفطرة. المنهج ذاته أسّس له هيغل في كتابه "فينومنولوجيا الروح" حينما ربطَ بين موضوع الرغبة الخارجي وانعكاسِ تأثيره على الذات الداخلية. مرآة هيغل هذه ما هي إلا صراعٌ بين الذات والآخر في سبيلِ تحقيقِ هدفٍ أوحد هو نزع الاعتراف بالذات والإقرار بها.

لقد دعا الفيلسوف العقلاني باشلار، في المرحلة الثانية من حياته، المقبلين على تطوير دراستهم الفلسفية بأن ينسوا عاداتهم في البحث الفلسفي إذا كانوا يرغبونَ في دراسة المسائل التي يطرحها الخيال الشعري، وأجرى دراساتٍ فلسفيةً شاملة عن الإبداع الشعري.

توثّقُ جوديت بتلر هذه العلاقة الظاهراتية حينما تصرّح: "في اللحظة التي أمنح الآخر فيها اعترافًا بوجوده (أي اعتراف بوجود ذات عنده) يمنحني هو الآخر اعترافًا بوجودي. تقول "إذا لم يكن لديّ "أنت" أخاطبه، إذن فقد خسرتُ نفسي".

بتلر المتأثرة بهيغل والمنطلقة في دراستها المترجمة "الذات تصف نفسها" من مرآة هيغل الظاهراتية، تسهبُ في عرضِ فكرة صراع الذات مع نفسها، والذي عبرت عنه بعتمة الذات. ولعلّ الفكرة تشكّل في مكانٍ ما، هاجساً وجودياً وإِشكاليةً مشتركة بين الفلاسفة على امتداد التاريخ.                                                                                         

ربما يجد الإنسان نفسه أمام عالمٍ من خواءٍ مرعب، لولا هذه السلسلة الحياتية التي تحرّكها كائناتٌ خارجة عن ذاته الغريبة الوحيدة. لعلّ هذا التفاعل هو ما يحملُ معنى لوجود المرء ويشعره به. ولعلّ أمبرتو إيكو أصابَ الفكرة بسهمِ مقولته "النص الوحيد الذي يكتبه المرء لنفسه هو قائمة المشتريات"، فنحن دائماً ما نكتبُ للـ"آخر" بانتظار "قراءته" لنا. تتمظهرُ المرآةُ مرة أخرى هنا، وتبدو على قدرٍ من الأهمية لتعكسَ الوجودَ الإنساني وتطرحَ كماً هائلاً من الإشكالات بمقولةِ شهيد التصوف والعرفان الثالث بعد الحلاج والسهروردي؛ عين القضاة الهمداني، الذي وثّقَ تأثيرَ المرآةِ وأبعادَها الوجودية في كتابه "زبدة الحقائق".

لقد كان للأماكن بالنسبة إلى باشلار الوقع الأكثر تأثيراً في اختزال الوعي أو انبثاق حلم اليقظة، أو حتى في العودة عبر الذاكرة إلى مواقع الألفة الأولى ومنازل الحنين. باشلار الشاعر المرهف الذي كانت القصيدة بالنسبة إليه أبرز إلهامٍ فلسفيٍّ دعاهُ إلى الإيمان بشاعرية الحلم ومقام الخيال في حياة الإنسان الرافض للواقع، رفع من أهمية القصيدة ووجد خلال مسحِه التحليلي لدراسته الفلسفية بأنّ الصور الشعرية هي صورٌ منبثقة لا تنتهي، بل وتصنعُ للخيالِ حيّزاً خاصاً به، وهو - أي الشعر-  كلامٌ ناطقٌ بالنسبة إلى القارئ الظاهراتي. قد يكون الموضوع – الظاهر- مكاناً أو جماداً أو شجرةً أو ناراً أو بحراً أو وجهاً لأحدهم أو أي شيءٍ لا أهمية له لولا وعينا الفاعل في جعلِه خيالاً واقعياً. فلقد كتبَ القسّ بيركلي مرة عن أن طعم التفاحة ليس في التفاحة نفسها، فالتفاحة بذاتها لا طعم لها، وليس في فم من يأكلها، وإنما هو في التواصل بين الإثنين.

تتشكّل الصور الشعريّة لدى الشاعر أو الظاهراتي أو صاحب الخيال الشاعري جرّاءَ تأثير صورةٍ إما تأتي حاملةً ذكرى غابرة مشابهةً في إثارتها للوعي وافتعال الحنين لشعور ألفةٍ قديم، وإما تمنحُه خيالاً أو ما يعبّر عنه بحلم اليقظة جراء انفتاح الصورة أو الموضوع على احتمالاتٍ تأويليةٍ وتوليفيةٍ في تخيّل الشاعر أو الظاهراتي. هي في الحالتين لحظةُ انبثاقٍ للوعي الحالم، حيث يعيشُ المرء حلم يقظته الذي يختلف عن الحلم الليلي في كون الأول عن إرادةٍ ورغبة وحرية والثاني عن تقيّدٍ واستسلام. باشلار الذي يصف الفنّ بأنه على مكانةٍ عالية وسامية ترتفع بالروح الإنسانية يؤكّد بأن هناك تلاحماً وانصهاراً بين الذاكرة والخيال، حيث أن لحظة الانبثاق ليست وليدة الذاكرة فحسب، وإنما للخيالِ فيها تأثيرٌ لا يقلّ أهميةً.

وتتفاوتُ "أكوانُ الألفة" عند باشلار، فلقد قسّمَ منازل ألفة الإنسان وأماكنها وأركانها وزواياها الخفية إلى عليّةٍ وقبوٍ وخزانةٍ وأدراجٍ وصناديق خشبية صارت هي بيوت الطفولة، فهو يؤمن بأن الطفولة نقطة العودة الدائمة في الصور سواءً المكانية أو الشعرية. هذا الكون الذي يضعنا في داخله حلم يقظتنا الذي انبثق عن صورةٍ أو بيتٍ شعريّ، يتسمُ بالخصوصية بالنسبة إلى كلٍّ منا ليس بأبعادِه ومساحته وهندسته الموضوعية، إنما بما يحويه من لحظاتِ ماضينا، متعتنا السابقة، ضجرنا المطلق، وأحلامِ يقظتنا التي تكوّنت بين خبايا تلك الأركان. 

لعلّ باشلار انطلقَ من حلمِ يقظةٍ شاعريّ الطابع عندما اختزل وعيُه الكونَ في غرفةٍ أو زاويةٍ صغيرة أو عشٍّ لعصفور، أو نصٍّ لكاتبٍ يصفُ فيه بيته الصغير فيحملنا معه إلى البساطة البدائية، إلا أنّ الألفة التي ألصقَها بالقوقعة والانطواء والأماكن البسيطة، تحملُ إلى كلٍّ منا ألفةً نتذكّرها بدورنا، ونتذكر قول بودلير الذي استحضره باشلار "في القصر لا مكان للألفة". ثم مقولة جورج صاند بأنّ لكلٍّ منا لحظاتٍ يحلم فيها بالكوخ ولحظاتٍ يحلم فيها بالقصر؛ وهي جدليةٌ لا تنتهي. فهل ألفة الأماكن والحنينُ إلى المنازل الأولى البسيطة فقط، هو ما يخلقه فينا تأمّلنا لمشهدٍ أو مكانٍ أو قصيدةٍ أو كتاب؟ أم أنّ الظاهراتية كذلك تشتملُ على أنطولوجيا صورٍ من محض الخيال، لا ترتبطُ بألفةٍ سابقة أو ذاكرةٍ أولى؟ ربما مثالُ الكسر في الزجاجة، الذي عرضَ له باشلار في جماليات المكان مشيراً إلى أنّ التشوّهات من هذا النوع قد تختزلُ بدورها عالماً من اللون والحركة، ربما هو خيرُ إشارةٍ على أنّ الألفةَ قد لا ترتبطُ بالمتذكَّرِ فحسب، وإنما بصورٍ خياليةٍ لم تحصل في الحاضر بعد تماماً مثل الصور التي تحملها فكرة "المتناهي في الصغر" واختزال الوعي إلى عالمٍ لا يخصّنا مثل "عالم النمل" أو "عشّ العصافير". يقول باشلار: "التهويم الشعري.. لا يعرف النوم أبداً". لعلّ كل ما عند الظاهراتي، ما هو إلا شاعريةٌ تزدادُ توقّداً في الشتاء، في كوخٍ صغير.. ربما لأنّ دفءَ الأعشاش يزداد في فصل الشتاء. 

لا يمكن غضّ الطرف عن ميول باشلار الشاعرية المتجلّيّة في "جماليات المكان" وأعماله الأخرى، حيث أنه أورد الكثير من القصائد- لسوبرفيل وهنري بوسكو وسان بول رو وسواهم- مستعيناً باستعاراتها في شرح الألفة ووصف ظاهراتية الخيال بصورةٍ أكثر من بديعة. هنا، لم تعد الظاهراتية رصداً يتوجّهُ إلى المعرفة الموضوعيّة وإنما هي سبيلٌ اجتمعَ فيه علمُ النفس السيكولوجي والفلسفة، من أجل إدراك الجماليات والانطباعات الفنيّة الخيالية داخل وعاء الوعي، الذي باتَ بالإمكان من خلال التحليل الظاهراتي، الغوض في سيكولوجيّتِه والسلوكيات المنبثقة عنه.