هاكم خبراً بمئة دولار: لبنان يمتلك الاقتصاد الحرّ الأعرق في المنطقة العربية! أين محمّد شقير، طربون حبق الهيئات الاقتصادية، أين هو؟ هاتوه ليخبرنا ما الذي تعنيه هذه العبارة. بلدٌ يعتاش على الأكاذيب وأكاذيبٌ تعتاش على كلمات. لقد كتبوا في الدستور أنّ اقتصادنا هو اقتصاد السوق الحرّ، وها هو شقير قد رمى تلك الكذبة في وجوهنا بالأمس القريب، رافضاً - باسم هيئات الاقتصاد الحرّ إياها - إقرار مشروع قانون المنافسة. علمياً هناك مؤشّرٌ بديهيّ يعكس انفتاح السوق وحرّيته: العروضات والتنزيلات، أمّا نحن فلا نجدها إلّا على البضاعة التي تنتهي صلاحيتها بعد شهر. قبل انهيار الليرة وبعدها، قبل انسحاق القدرة الشرائية وبعدها، الحال ذاته، لا أحد يركض هنا خلف المستهلك. ولهذا تفسيرٌ وحيد: جميعهم متواطئون!

حين هبّت الهيئات الاقتصادية في وجه مشروع قانون المنافسة لم تكن في مورد الدفاع عن حصونها، بل كان صقورها يخوضون معركةً خلف خطوط العدوّ. ذلك أنّ أصل المشكلة ليس في تشريعٍ هنا وقانونٍ هناك. خذوا قانون حماية المستهلك مثالاً، وهو قانونٌ سارِ المفعول -ويحمل رقماً "بلا مؤاخذة" (القانون رقم 659 صادر في 4 شباط 2005)، هل يُطَبّق كما يجب؟ المشكلة في المنظومة السياسية التي "تركب" على الاقتصاد وأدواته، المشكلة في هندسة الاقتصاد اللبنانيّ التي ترسم جزءاً كبيراً من الحياة السياسية في لبنان، تلك الهندسة التي عمّرت سوراً سياسيّاً حول "دينامو" الاقتصاد: جلالة حاكم المصرف. لسنا بوارد مناقشة مشروع قانون المنافسة في هذا المقال، ما يعنينا هنا هي الفكرة: الدفاع عن الاحتكار والسيطرة على السوق. بل هي أكثر من مجرّد فكرة، إنّها عقيدة، فما هي بنيتها؟ القضيّة الأكثر وضوحاً هي قضية الوكلات الحصرية (أو التمثيل الحصري بالاصطلاح القانوني)، سننطلق منها وبمطالعةٍ قانونيّةٍ مختصرة، ساعين لتشريح حقيقة السيطرة على السوق، وعلى الأسعار بالنتيجة.

مطالعة قانونية:

يرجع تقنين التمثيل التجاري في لبنان إلى المرسوم 34/1967، والذي خصّ الممثّل التجاريّ بأحكامٍ حمائيةٍ من نوعٍ خاصٍّ للوكيل أو الممثّل التجاريّ، وهو ما أكّده الفقه والاجتهاد القانونيّان. وتضمن هذه النصوص الحماية ليس فقط بالنسبة للممثّل الذي يعمل لحساب الموكل، بل أيضاً للممثّل الذي يعمل لحسابه الخاص، شرط احتواء العقد على إعطائه صفة التمثيل أو الموزع الوحيد بوجه الحصر.  ومن المهم تفريق التمثيل التجاري عن "الفرنشايز"، فالأخير هو عقدٌ يتضمّن نقل المعرفة الفنية أو الإداريّة أو التسويقيّة مع العلامة التجاريّة أو الاسم التجاريّ أو الشعار، في حين أنّ هذه العناصر غير متوفرة في عقد التمثيل التجاري. كما أن المتلقّي في عقد الفرنشايز عادةً ما يدفع مبلغاً ماليّاً محدداً بشكلٍ سنويٍ، بينما لا يلتزم الوكيل الحصريّ إلّا بدفع التكاليف المتّفق عليها من ثمن السلعة أو البضاعة المرسلة. في حين يشترك عقد التمثيل التجاريّ مع عقد الفرنشايز في صفة الاستقلال للمتلقّي عن الموّرد. ويمكن لعقد الفرنشايز أن يتضمّن بند حصريّة التوزيع، فيصير في تلك الحال موزّعاً حصريّاً ويستفيد بذلك من الحماية القانونيّة المتوفرة لتلك الصفة. (راجع في صدد التمثيل التجاري: على عصام غصن، الوسيط في التمثيل التجاري دراسة مقارنة).

على أيّ حال فإنّ أول انطباع قد يتركه لفظ وكالة حصرية في ذهن المرء هو تعارضه الأولي مع حرية التجارة. وزد على ذلك أنّ القانون لم يمنع الشخص الطبيعي أو المعنوي نفسه من أنّ يحصل على حصرية التمثيل والتوزيع لسلعٍ متكاملةٍ أو حتى متنافسةٍ، فيمكن عندها لشخصٍ واحدٍ من خلال عقود التمثيل التجاري أن يقوم باحتكارٍ مقونن، حتى لو لم يكن ذلك ممكناً على صعيد السلع الغذائية والصحية، لكنّ نطاق السلع المعتبرة من الكماليات يبقى واسعاً. فنصّ القانون حَصَر الحماية القانونية للممثّل التجاريّ تجاه الأشخاص الثالثين في ما خص الكماليات، لكنّه لم يُتبع بآليةٍ علميةٍ لتحديد الكماليات عبر وزارة الاقتصاد وهي المخوّلة بذلك، بل على العكس صدر مرسوم يحدد السلع غير الكمالية. كما أنّ دوائر الانتاج المحلّي التي يمكن أن تؤمّن بديلاً وطنيّاً للسلع المستوردة والمحصور توزيعها بيد بعض الأشخاص والشركات هو غالباً غير موجود. وبالتالي يكون المستهلك قد وقع في مغبّة عدم إمكانية تأمين بديلٍ حقيقيٍ تلك السلع وهو الأمر الذي يعني الالتفاف على منع الاحتكار، خصوصاً وأنّ واقع الحال في سوقٍ صغيرةٍ يمكّن الوكلاء والممثلين لسلعٍ متشابهةٍ أو متكاملةٍ من أن يحصروا الدائرة باتفاقاتٍ ثنائية.

السيطرة على السوق:

جاء القانون ليمنع الوكالات الحصريّة على السلع الغذائية ومواد التنظيف، فأسرعت عقود "الفرنشايز" مضافاً إليها بند التوزيع الحصريّ لتخترق القانون بحيلةٍ شرعيّة. وحتى إن لم تكتسح عقود الفرنشايز  ميدان السلع الحيويّة من بين المواد الغذائيّة، إلّا أنّها جعلت من أبسط أبواب الرفاهية أمام المواطن – أي رفاهية الطعام – حكراً على الطبقات الغنيّة والمتوسّطة، أو ما تبقى منها. كما أنّ الوكلات لا تحتاج المواد الغذائية ومواد التنظيف لتفتك بالشعب، فإن لم يمت جوعاً فإنّ حصرية التوزيع ستقتله كلّ يومٍ بالغاز والإسمنت وقطع الغيار والألمينيوم ولمبات الإنارة والأثاث والمعدّات الطبيّة والأدوات الكهربائية وقس على ذلك... لكن، هل تنتهِ المشكلة بإلغاء الوكلات والامتيازات؟ أبداً، لبنان ليس البلد الوحيد الذي يفتح المجال لهؤلاء، لكنّه أحد 5 دول في العالم فقط لا تمتلك قانوناً أو جهازاً يرعى المنافسة الاقتصادية. لا يكفي وجود قانونٍ يمنع الاحتكار، فأغلب الاحتكارات عمليّةٌ وليست تقنيّة، بمعنىً أدقّ: هناك في المادة 41 من المرسوم الاشتراعي رقم 37 بندٌ يعرّف الاحتكار بأنّه "كل اتفاق أو تكتل يرمي للحد من المنافسة في انتاج السلع والمواد والحاصلات أو مشتراها أو استيرادها أو تصريفها، ويكون من شأنه تسهيل ارتفاع أسعارها ارتفاعاً مصطنعاً أو الحيلولة دون خفض هذه الأسعار". هذا البند يحتمل الالتفاف عليه، خاصةً لمن يملك السند السياسيّ ويبحث عن عذرٍ شكليّ، في حين أنّ غاية هذا القانون هو استخدامه بعد تثبيت التهمة كسبيلٍ لتنفيذ الاجراء التأديبيّ، لذا فهو يحتاج إلى جهةٍ رسميّةٍ تقول بأنّ هذه الحالة أو تلك تطابق فحوى المادة 41. هذا أوّلاً، ثم بعد ذلك لا بدّ من الضابطة العدلية، أي الجهة التي ستنفذ الاجراء التأديبيّ، ولا نقصد هنا تحرير محضر ضبطٍ أو ما شاكل، بل نقصد فعل المصادرة أو الختم بالشمع الأحمر أو منع مزاولة العمل وما إلى ذلك، أي الفعل الذي سيردع المخالف عن تكرار فعلته. تلك الضابطة توجد حاليّاً في موضعين: البلديّات والقوى الأمنية، وهي أيضاً لا تتحرّك إلّا بأمرٍ من القضاء، أصبحنا الآن في المستوى التالي من الأزمة. إذا كانت الجهة المراد اتّخاذ إجراءٍ بحقّها ذات طابعٍ محلّيٍّ كمتجرٍ متوسّط أو سوبر ماركت أو صاحب مولّد مثلاً، يكفي أن يبنى صاحبها علاقةً سياسيّةً مع الحزب المسيطر على المنطقة أو علاقةً نفعيّةً مع مجلس البلدية ليضمن استمرارية عمله، والأسوأ من ذلك كلّه أن يبنى حمايته تلك على الابتزاز. لكن وللإنصاف نقول إنّ الوضع ليس بهذا السوء، فاتحاد بلديّات الضاحية قام عدّة مرّاتٍ بمصادرة مولّداتٍ قام أصحابها بمخالفات، في حين قصرت يده عن أن تطال مولّداتٍ أخرى. لكن لا بأس، ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه. طالما أنّ هناك نيّةً ورغبةً في الضاحية أو في غيرها للعمل أطلقوا أيديهم، أصدروا أوامركم العنيفة بحقّ المخالفين دون رحمةٍ ودعوا السلطات المحليّة والقوى الأمنية تنجح مرةً ثم تفشل مرّتين! أمّا لو كانت تلك الجهة المخالفة تملك أعمالاً على نطاقٍ جغرافيّ واسعٍ فإنّ طبيعة علاقاتها النفعيّة وارتباطاتها السياسيّة لا بدّ ستسبقها، وإذا لم تفعل فإنّها ستلحقها بعد وقوع المشكلة، وهنا تكون المشكلة أكثر تعقيداً.

بمعزلٍ عن كلّ ما سبق، هناك المستوى الأحدث من الأزمة، المقدح الذي يعمل ليل نهار في دعامة بيوتنا ليهدّها على رؤوسنا شيئاً فشيئاً: سعر الصرف. يرتفع سعر صرف الدولار 1000 ليرة لبنانية فترتفع الأسعار، ينخفض 1000 ليرة فترتفع الأسعار، يتراوح صعوداً ونزولاً ضمن هامش 500 ليرة شهراً كاملاً فتبقى معدّلات الأسعار بارتفاع! تطالب أصحاب المصالح فيحيلوك إلى المصارف، تذهب إلى المصارف فترى أموالك وأموالهم رماداً فتشفق لحالهم، تعود إلى المتاجر فتغضب منهم من جديد، تقرأ مؤشّرات تغيّر سعر الصرف فتراه لا يركن إلى أيّ حقيقةٍ علميّة، فتقول: "كان الله بعون التجّار لا يعلمون ما إذا كانوا غداً صباحاً سيقدرون على تعبئة رفوفهم بما كسبوا من ليرات"، يعاود الدولار هبوطه فترى رفوفهم كما هي، فتعود لشتمهم.. معزوفةٌ تتكرّر كلّ يوم، ينظّم ألحانها "المايسترو" رياض سلامة. حفلة جنونٍ مرعبةٍ من الجشع والطمع لا يمكن قياسها بأيّ منطقٍ اقتصاديّ، لكن من خلفها؟ أمِنَ العقل أن يتّكل المواطن على ضمير التاجر؟ يكفي لهذه السلطة نجاحاً في الهروب من المسؤولية أنّها استطاعت تحويل حربنا معها إلى حربٍ أهليّةٍ بين المواطنين، تجّاراً ومستهلكين.

جمهورية الخوف:

هذا بلدٌ أُسّس على الخوف، يقتات نظامه على الخوف، حتى انتقل الخوف إلى كلّ المسارح والمشاهد. في الشتاء الماضي، تعرّض أحد المواطنين للتهديد والابتزاز من صاحب مولّدٍ في الضاحية الجنوبية لأنّه تقدّم بشكوى إلى وزارة الاقتصاد، فضربه هو ورجاله ثم اتّهمه بأنّه تحرّش بزوجته، واكتفى لاحقاً بأن عفى عنه بعد تدخّل الوساطات والوعد بالتوقّف عن متابعة الشكوى. كما تعرّضت إحدى المراقبات من جمعية حماية المستهلك للتهديد من صاحب المولّد لأنّها دافعت عن حقّ المواطن ذاك، هذه التي يُفتَرض أن تكون مهمّتها إدخال الرعب في قلوب المخالفين والفاسدين كانت يومها خائفةً من أن يعرف ذاك الرجل عنوان بيتها أو مكان عمل زوجها.

عن أيّ قانونٍ تتحدّثون وأيّ منافسة؟ ماذا ترجون من هؤلاء البؤساء وأنتم تكشفون ظهورهم؟ نحن بأمسّ الحاجة لنصوصٍ جديدةٍ تمكّن أدوات محاربة الفساد ولا شكّ في ذلك، لكنّنا بحاجةٍ أكثر لتربةٍ خصبةٍ نزرع فيها تلك النصوص. إنّهما مساران لا ينفصلان، أحدهما يعزّز الآخر، وإلّا فإنّنا ندور في حلقةٍ مفرغةٍ تغرقتا بالمزيد من التبريرات والحجج والأعذار التي لن تعطي للمواطن حقّه في حياةٍ كريمة.