أصبح المشهد واضحاً اليوم في شرق المتوسط بعد سنوات غامضة لجهة التفسيرات السياسية. فبعد تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط في أيلول الماضي في القاهرة بحضور وزراء الدول المؤسسة؛ اليونان، قبرص، إيطاليا، مصر، فلسطين، الأردن، والعدو الاسرائيلي، لتعزيز التعاون الإقليمي بمباركة أميركية - أوروبية، في ظل غياب كبير وعزل واضح لبعض الدول الأخرى شرقي المتوسط كتركيا ولبنان، المنشغلة في خضم عملية البحث والتنقيب عن الغاز الطبيعي في مناطقهما البحرية المدعاة، حريّ بنا ههنا الاستفاضة في حيثيات وظروف وتداعيات هذا الاتفاق.

تُتهم تركيا اليوم بالتصعيد السياسي والعسكري من قبل الإتحاد الأوروبي وشركائها في حلف الناتو، فيما تهدد دول الاتحاد بفرض العقوبات على تركيا خصوصاً بعد إرساء سفينتها الاستكشافية أوريك ريس في آب الماضي قرب الجزر اليونانية؛ أي في منطقة بحرية متنازع عليها.

تعتبر تركيا هذه البقعة داخل حدودها القارية بحسب قانون الجرف القاري المتعلق بقوانين البحار الدولية لعام  1958 والتي وقعته أنقرة آنذاك. وبحسب خبراء الجيولوجيا، يُعتبر الجرف القاري جزءًا من الحافة القارية التي تقع بين الخط الساحلي وفاصل الجرف أو المنحدر الشديد داخل المياه. ينص هذا القانون حرفياً على أن للدول المطلة على البحار حق في امتلاك جرفها القاري وتخطي مسافة بطول 370 كلم من النقطة الساحلية.

الجدير بالذكر أن مفهوم المناطق الاقتصادية الحصرية تحدد ايضاً عام 1982 في قانون البحار الدولي الثالث. والمنطقة الاقتصادية في هذا السياق هي مساحة بحرية بطول 370 كلم ابتداءً من الشاطئ. أما في حال وجود مساحة أقل من 370 كلم بين أي بلدين (كما هو الحال بين تركيا واليونان أو تركيا وقبرص)، فيلزم العرف الدولي البلدين بالتفاوض والاتفاق بينهما، واذا لم يتم ذلك، ترفع القضية لمحكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار.

هذا القانون، والذي ساهم كثيراً في حل قضايا ترسيم الحدود البحرية بين عدة دول، لم توقع تركيا عليه وكذلك الولايات المتحد الأميركية. إبراهيم كولن، مستشار أردوغان وفي مقابلة معه، تكلم عن رغبة تركيا بحل النزاع بأسلوب سلمي من خلال المفاوضات. وهذا الذي تأكد بعد إعادة تركيا سفينتها الاستكشافية المستفزة كما وصفتها فرنسا في أيلول الماضي.

كولن أوضح دور ألمانيا الفعّال كوسيط بين تركيا واليونان لاستئناف المحادثات الاستكشافية المتعلقة بترسيم الحدود البحرية والجوية، ووضع الموارد الطبيعية في الحدود المتنازع عليها، وبالمثل فعل في قضية القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين.

بدأت المحادثات عام 2002 في 60 جولة وانتهت عام 2016، لأسباب تتعلق بالوضع السياسي اليوناني المحلي كما عبر كولن. أجرت تركيا طيلة هذه السنوات لقاءات واتصالات مع الاتحاد الأوروبي وأوصته مراراً بالتعامل بشفافية وعدالة، كما اتهمت اليونان الأوروبية (التي دخلت الاتحاد الأوروبي عام 2004) بإعطاء رخص بعد سنة 2010 لبعض الشركات الاستكشافية قرب الجزر اليونانية أي في نفس البقع المتنازع عليها.

وفي ظل هذه الصراعات المتشابكة، تعود قضية قبرص إلى الضوء بعد انقسامها الذي وقع عام 1974 إلى قبرص يونانية وأخرى تركية. وتضم الأخيرة القسم الشمالي من الجزيرة القبرصية، وهي اليوم دولة غير معترف بها من قبل الأمم المتحدة، ولذلك تعتبر مقاطعة تابعة لتركيا وتتمتع بتغطية ووساطة عسكرية اقتصادية تركية، فيما تلتحف قبرص اليونانية بدعم أمريكي واضح.

وتجدر الإشارة إلى أن قبرص اليونانية كانت قد سارعت إلى ترسيم حدودها رسمياً مع مصر عام 2003، ولبنان عام 2007، والعدو الاسرائيلي سنة 2011، بحسب قانون المنطقة الاقتصادية الحصرية المرتكز على إيجاد الخط البحري الوسطي الفاصل بين أي دولتين. كما وتعدّت علاقات  قبرص والكيان الصهيوني هامش أمن الطاقة، وتطورت إلى اتفاقيات أخرى تتبنى السماح لـ"اسرائيل" باستخدام نطاقاتها البحرية والجوية في حال التصعيد مع إيران وحلفائها مقابل حماية حقول غاز قبرص من أي اعتداءات محتملة.

إذاً، لا شك سهّلت مسارعة الدول المتجاورة لإبرام الاتفاقيات فيما بينها تحديد الصورة العامة لجغرافية المنطقة، وبالتالي عبّدت الطريق لتوحيد المصالح والتخطيط لمشاريع مشتركة. في المقابل أدى ذلك إلى تصعيد بعض الخلافات القائمة أصلاً بين شتى الدول.

عام 2019، اتجهت تركيا للاتفاق مع حكومة الوفاق الوطني الليبية غير المدعومة أوروبياً لترسيم حدودها المشتركة مع ليبيا بحسب قانون الجرف القاري. اعترضت هذه الاتفاقية جغرافياً دول منتدى غاز شرق المتوسط ومشاريعهم اللوجستية المستهدفة للسوق الأوروبي بشكل خاص. فمشروعeast med pipeline المتفق عليه من المنتدى، والمتوقع إطلاقه عام 2025 هو خط غاز طبيعي بسعة 0.353 مليار قدم مكعب سنوياً عبر خط أنابيب تحت سطع البحر التموسط بطول 1900 كلم من حقول قبرص ومصر والعدو الاسرائيلي مجتمعة، عبر اليونان، نحو القارة الأوروبية. وبحسب تقرير أصدرته شبكة السياسة الإسرائيلية الأوروبية بالتعاون مع مركز ماكرو الإسرائيلي للاقتصاد السياسي، فقد أُجري إحصاء جيولوجي أميركي قبيل عام 2011 قدّر وجود 121.8 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي و1.7 مليار قدم مكعب من الزيوت في حوض لبنان، قبرص، فلسطين، سوريا. وحوالي223  مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي و1.8 مليار قدم مكعب من الزيوت في منطقتي مصر وقبرص الاقتصادية.

فمن عام 2009 حتى عام 2012، سارع العدو الاسرائيلي إلى استكشاف 10 حقول غاز طبيعي موجودة في منطقته الاقتصادية البحرية. واستطاع حتى اليوم تزويد كيانه بأكثر من 65٪ من استهلاك الطاقة بحسب معلومات أفادتها وزارة الطاقة الإسرائيلية. وبالتالي تمكّن من تصدير كميات هائلة إلى الأردن ومصر عبر صفقات بلغت إحداها 15 مليار دولار أميركي. (تجدر الإشارة هنا أيضاً أن شركات النفط المشغّلة في الكيان الإسرائيلي أميركية - إسرائيلية فقط/ (noble energy.

أما حقول غاز مصر البحرية الستة، فتستحوذ شركة آني الإيطالية كبرى نسب عمليات الإنتاج فيها؛ حقلان من أصل أربعة تقوم الشركة باستكشافهما بنسبة 50%، و4 بلوكات أخرى بدأت بالتنقيب فيها بنسبة 50 - 60%. وكذلك الأمر بالنسبة لجمهورية قبرص (آني هي من تقود عمليات تطوير الغاز فيها).

ومن الملحوظ أيضاً مشاركة توتال الفرنسية في كل هذه الاعمال الاستكشافية والتنقيبية بنسب متشابهة أيضاً. إذاً، تتواجد اليوم شركتي آني وتوتال في مصر، قبرص، ولبنان. وتتعزز مصالحهما اليوم أكثر فأكثر مع تأسيس المنتدى ذي المشاريع القائمة على تحالفات تثمر المليارات. وبالتالي، من الممكن ربط قرار الشركتين بتوقيف أعمالهما الاستشكافية والتنقيبية حتى عام 2021 بالوضع السياسي والأمني المتأزم راهناً في منطقة شرق المتوسط.

ومع ذلك، في سياق كل ما سبق، يبقى موضوع كميات الغاز التي سيتم تصديرها عبر مشروع خط إيست مد  إلى السوق الاوروبي قليلة جداً مقارنة باستهلاكها السنوي الطبيعي (0.35 مليار قدم مكعب من أصل 20 ملياراً)، أي 1.75% فقط من مجمل حاجة السوق الأوروبية السنوية. لكن مع بداية تطبيق الخطة الأوروبية لتحقيق التنمية المستدامة، فمن المتوقع أن ينخفض الطلب الأوروبي من 20 مليار قدم مكعب إلى 18 مليار قدم مكعب عام 2030، وإلى 13.4 مليار قدم مكعب عام 2040، حسب تقارير أفادتها وكالة الطاقة العالمية. وبذلك يكون الاتحاد الأوروبي قد تمكّن تدريجياً من تقليص اعتماده الثقيل على الغاز الروسي وفتح أبوابه العريضة على مزوّدين جدد يخدمون تطلعاته السياسية والاقتصادية بالأسلوب الجيوسياسي الذي يريده. فهذا المشروع الجديد قُرر أن ينفذ عبر بناء الأنابيب تحت البحر وليس من خلال تكنولوجيا الغاز الطبيعي المسال، وهذا متعلق بموضوع فعالية التكلفة أو محدودية التمويل إلى جانب عدم وجود مصانع كافية في دول شرق المتوسط للقيام بعمليات معالجة الغاز المستخرج وتسييله. ولكن إذا كان هذا القرار الجماعي قد رُسم بتحفيز أميركي – أوروبي، من أجل إخضاع تركيا للتخلي عن ادعاءاتها بامتلاك بعض من المناطق البحرية الغنية المتنازع عليها، وبالتالي اخضاعها للأمر الواقع، فإن لهذا الحديث تكملة من نوع آخر.

كم كان المشهد سيكون مختلفاً كليا لو كان لبنانا سباقاً وليس مستبعداً من السباق الذي بدأ أمام ناظريه وعلى مقربة بضع كيلومترات من مياهه البحرية!، وكم ستكون مفاجأة كبرى، ولنسمِّها معجزة إذا اتضح أن لبنان يختزن من الغاز والزيوت ما تختزنه الدول المجاورة!. يبقى ذلك رهن استراتيجيات الدولة اللبنانية التي عليها أن تكفّ حالاً عن اتخاذ الخيارات المتقاعسة وأن تتسم بالرؤيا الواضحة والدقيقة لاختراع دور لبناني جديد في المنطقة.