العديد من التوترات في غرب ووسط آسيا، ينبغي قراءتها من زاوية الطاقة ومصادرها، خاصةً مع تزايد الطلب على الغاز كبديل عن الفحم وتراجع الاعتماد على الطاقة النووية، في ما يشبه المرحلة الانتقالية من الطاقة الكربونية إلى الطاقة المتجددة. وكما النفط، يتركّز الغاز في بلدان تقع على خطوط الصراع، ما يجعل أمر استخراجه وتصديره ليس على حال من الاستقرار التام.   

لكن إن كانت دولاً صناعية كبرى كالصين وأميركا تنتج قدراً كبيراً من حاجتها للغاز، أو على الأقل حسمت أمرها في تحديد مصادر الاستيراد، فإن أوروبا لا تزال تبحث في مستقبل الطاقة في أنحائها، لا سيما وأن حاجتها للغاز تتزايد عبر السنوات، فيما متطلباتها لا يشبعها الإنتاج الداخلي (75% من غازها يأتي من الخارج)، وبالتالي يصبح البحث عن مصادر ذات خصائص اقتصادية جاذبة، ضرورياً أكثر من أي وقت مضى.

ألمانيا هي أكثر الدول الأوروبية استهلاكاً للغاز، والأهم أنها الأقدر على قيادة أوروبا في ضمان أمن الطاقة الأوروبي، وإن كانت هذه النقطة الأخيرة تثير سجالاً داخل مؤسسات الاتحاد، إذ تتزايد المخاوف من خطوات ألمانيا في استيراد الغاز من موسكو، و"رهن" مصير الطاقة الأوروبية بيد قوة غير حليفة لعقود مقبلة.

من شرق المتوسط  إلى البحر الأسود وكردستان.. البحث عن مصادر الغاز جاري، لكن الأكثر أهمية هذه المرة، هو البحث عن خطوط إمداد للغاز ذات جدوى اقتصادية ومنفعة استراتيجية. روسيا تتصدر بغازها الرخيص والقريب من الأراضي الأوروبية، لكن التحدي الأوروبي: كيف نستفيد من الغاز الروسي ولا نُخضع رؤوسنا لسيفه؟

شهد استهلاك الغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي تقلباً منذ عام 1998، وارتفع إلى ذروته (521 مليار متر مكعب) في عام 2010، ولكن بحلول عام 2014 انخفض إلى 401.7. وبلغ في العام 2019 حوالي الـ469.6 مليار متر مكعب.

صدّرت روسيا إلى أوروبا عام 2019، حوالي 199 مليار متر مكعب، وفق أرقام شركة "غازبروم"، ما يعني أن أكثر من 40% من الاستهلاك الأوروبي للغاز مصدره روسيا.

وتعتمد أوروبا حتى اليوم على مصادر محدود لاستيراد الغاز، كما أنها لا تمتلك شبكة متكاملة من أنابيب الإمداد، والتي تكتسب أهميةً بارزة في توفير كلفة الغاز وضمان الاستمرار والديمومة، فعلى سبيل المثال استورد الاتحاد الأوروبي أعلى حجم على الإطلاق من الغاز الطبيعي المسال في العام 2019 (108 مليار متر مكعب)، وهو ما يمثل 27% من إجمالي واردات الغاز و22% من استهلاك الاتحاد الأوروبي للغاز، وفقاً لتقرير المفوضية الأوروبية عن سوق الغاز.

وأظهر تقرير سوق الغاز الأوروبية، أن قطر زودت الاتحاد الأوروبي بـ30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في عام 2019، تليها روسيا بـ21 مليار متر مكعب، والولايات المتحدة بـ 17 مليار متر مكعب.

لكن تعاوناً إضافياً بين أوروبا وروسيا، شغل مكاناً في السجال الأوروبي حول شؤون الطاقة، ونُظر إليه كما لو أنه حصان طروادة الروسي في القارة الأوروبية، وأثار حفيظة دول وسط وشرق أوروبا كبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا، ألا وهو مشروع "نورد ستريم 2".

لسنوات شكلت أوكرانيا بوابة الغاز الروسي إلى أوروبا، حيث مرّ 40% من صادرات الغاز عبر أراضيها، ما أكسب كييف أهمية استراتيجية في مجال أمن الطاقة، ومنحها أرباحاً سهلة من عوائد الغاز، قدّرت عام 2018 بـ 3 مليار دولار.

لكن أزمة القرم عام 2014، دفعت روسيا للبحث عن مشاريع إمدادات غاز تتخطى أوكرانيا، وتقلص أرباحها السهلة، وعليه جرى طرح مشروع مضاعفة "نورد ستريم" الذي شُغّل عام 2011، بسعة 55 مليار متر مكعب، من مدينة فيبورغ الروسية إلى لوبمين الألمانية.

نال مشروع "نورد ستريم 2" في كانون الثاني/يناير 2018، موافقة السلطات الألمانية للبدء ببنائه، متخذاً المسار نفسه لخط "نورد ستريم 1" في بحر البلطيق، وبسعة نقل مماثلة، على أن تتكفل شركة "غازبروم" الروسية بنصف تكلفة المشروع، بالإضافة لمساهمة 5 شركات أوروبية بالنصف الآخر، وهي شركات ألمانية وفرنسية وبريطانية ونمساوية.

كانت التوقعات تشير إلى أن المشروع سينتهي في نهاية عام 2019، لكن العقوبات الأميركية على شركات روسية وأوروبية مساهمة في المشروع، عاقت إتمامه حتى اليوم.

أميركا هي واحدة من أكثر الدول معارضةً لـ"نورد ستريم 2"، وذلك منذ الإعلان عنه قبل عامين، حيث وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ألمانيا بأنها "رهينة" روسيا، مضيفاً أنها تثري روسية وتضاعف قواتها من خلال هذا المشروع الذي سيكفي حاجة ألمانيا للغاز ويسمح لها في تصديره إلى دول أوروبية أخرى.

لكن آثار "نورد ستريم 2" ليست سياسية فقط، وإنما اقتصادية كذلك، فالمشروع الذي أنجز بنسبة 90%، سيقلل من صادرات أميركا من الغاز السائل إلى أوروبا، كما سيعود بأضرار اقتصادية على كل من أوكرانيا، التشيك، هنغاريا، بولندا، سلوفاكيا، وإن بشكل متفاوت.

برلين أعلنت مراراً أنها ترفض العقوبات الأميركية على مشروع ذات أهمية اقتصادية وتقوم به شركات تجارية لا الحكومة بشكل مباشر. يمكننا كذلك أن نرى آثار إصرار ألمانيا على المشروع رغم المعارضة الشرسة لأميركا (بدءاً من عهد أوباما وحتى ترامب)، في خطوة البنتاغون قبل شهرين، بسحب 12 ألف جندي من ألمانيا وإعادة توزيعهم في أوروبا أو إعادتهم إلى بلدهم، وفي اللوم الأميركي المتواصل لألمانيا على انخفاض نسبة مساهمتها المالية في حلف "الناتو"، الذي يفترض أن يحميها من روسيا على وجه الخصوص.

مؤخراً، وبعد تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني بغاز الأعصاب "نوفيتشوك" السوفياتي الصنع، واتهام إدارة بوتين بأنها تقف وراء محاولة الاغتيال الفاشلة، خرج المزيد من الأصوات المعارضة لمشروع "نورد ستريم 2"، في ألمانيا وخارجها، وطالبت دول عدة وعلى رأسها أميركا بإعادة النظر في المشروع، بل إن وزير الخارجية مايك بومبيو أعلن عن نية بلاده تشكيل تحالفاً دولياً معارضاً للمشروع، وذلك لإحراج ألمانيا التي لا تزال متمسكة بإتمام ما بدأته قبل عامين.

على الأرجح ستشهد الأشهر المقبلة تدشين مشروع "نورد ستريم 2"، وفق ما أعلن بوتين مسبقاً، وسيكون استكمالاً لما بدأ عام 2011، أي المزيد من التعاون الروسي الألماني في مجال الطاقة، وربما في مجالات أخرى.. هذا يتوقف أيضاً على طبيعة العلاقة بين برلين وواشنطن التي فقدت خلال ولاية ترامب بعضاً من أواصرها.