"هناك إعجاب من قبَل كثير من الدول بالإدارة والكفاءة الطبية للصين في إدارتها لجائحة كورونا، وهذا بحد ذاته إنجاز سياسي ضخم سيساعد الصين كثيراً ويزيد من توتر الولايات المتحدة أكثر فأكثر" يقول دانييل يونسي، لكن هذا الإعجاب لا شك يترافق وجملة من الأسئلة التي لا تزال تحيط بالتجربة الصينية؛ حول صعود الصين الاقتصادي، وموقع بكين من النظام الإمبريالي العالمي، حول سياسات الصين في أفريقيا والشرق الأوسط، ورؤيتها للإسلام السياسي وموقع إيران منه، وهو ما حاولت "الخندق" الإضاءة عليه في هذا الحوار مع الكاتب والباحث الأميركي دانييل يونسي، الأستاذ المحاضر في جامعة "نيو سكول" للدراسات الاجتماعية في نيويورك.

أجرى الحوار الأستاذ سامر غدار.

***

الحوار:

  • كيف تجد المقاربة الأميركية العامة للموضوع الصيني وصعود الصين كقوة اقتصادية؟

يعتبر مناهضو ترامب من الأميركيين أن الأخير "حصة روسيا"، أو حتى عميلاً روسياً يمثل مصالح موسكو الجيوسياسية. لكن الواقع أن أي علاقة - إن وُجدت - بين الإدارة الأميركية الحالية وروسيا الاتحادية هي مسألة محدودة جداً. برأيي تنطلق خلفية هكذا اتهام بشكل غير مباشر من محاولة إعاقة تقدم العلاقات الصينية – الروسية وتطوّرها. لقد شكل فيروس كورونا فرصة ذهبية للإدارة الأميركية الحالية لشيطنة الصين، لكن القدرة الصينية على مواجهة الجائحة بإدارة سليمة، إذا ما قورنت بالولايات المتحدة، قلبَ السحر على الساحر.

إن الصين أمة قادرة على تحدي الولايات المتحدة جيوسياسياً واقتصادياً، وأقول هذا للتأكيد أنها ليست كوريا الجنوبية لناحية انعدام قدراتها السياسية ومن المؤكد أن الصين لا تريد، ولن تقبل، الخضوع للمشروع الغربي؛ لا بإدارته الاقتصادية ولا بمشاريعه الاستعمارية.

والسؤال الأساسي الذي يجب طرحه الآن هو: هل تحاول الصين كدولة تحدي الولايات المتحدة على المستوى الجيوسياسي بشكل مباشر؟ أم أنها تحاول رسم حدود قدراتها الاقتصادية والسياسية؟. وهنا طبعاً يجب الإشارة إلى أنها قادرة على فعل الاثنين معاً. وتكمن الصعوبة في تحديد وجهة سياسات الصين الإقليمية والدولية والاقتصادية.

  • إن كانت الصين ليست ككوريا الجنوبية فهل نستنتج أنها تريد تحدي الولايات المتحدة؟

لا، ليس بالضرورة. تحاول الولايات المتحدة صوغ صورة لشي جين بينغ كأنه ماو الجديد (بمعنى أنه الشيوعي صاحب التغيير الجذري والرؤية الشيوعية المطلقة) لكني أستطيع أن أجزم بالمطلق أنه لا يشبه ماو تسي تونغ قيد أنملة. هو يعلم أن الدخول في تحد سياسي مباشر في وجه الولايات المتحدة ليس أمراً بسيطاً. فذلك يتطلب قاعدة أيديولوجية تكون مرتكز انطلاق هكذا مشروع. والقول أن مشروع الصين الآيديولوجي بقيادة شي جين بنغ كذلك هو الخطأ بعينه. في الحقيقة، ثمة مشروع مختلف للصين اليوم. يختلف مشروع شي جين بينغ للحزب الشيوعي الصيني عن المشروع الماوي (المشروع المؤسس الأول)، وحكماً يختلف عن تعديلات المرحلة الثانية في عهد دينغ شياو بينغ. ولكننا هنا قد نسقط في خطأ تبسيط التحليل أحياناً، لأننا إن نظرنا لما يعرف بالإصلاحات السوقية، التي بدأت عام 1979 واستمرت حتى عام 1980، نجد أن هدف الإصلاحات هو ألا تكون الصين دولة منعزلة سياسياً، وأن تصبح ذات قدرة على لعب دور جيوسياسي، بالإضافة لهدف ثالث أساسي وهو بناء قاعدة رأس المال الضروري لتحقيق الدفع التنموي الضروري. 

وهنا لا بد من التذكير أنه وفي تسعينيات القرن الماضي، سادت في الغرف الدبلوماسية الغربية المغلقة قناعة أن تلك الإصلاحات الاقتصادية "السوقية" مرتبطة بمشروع تحرر سياسي وفق النمط الغربي. لكنا نجدد حالياً أن تلك التحليلات خيالية وبعيدة كل البعد عن الواقع. وما التجهم الحالي على الحزب الشيوعي الصيني إلا تأكيداً على ذلك. الصين، كدولة وحزب وشعب، بعيدة كل البعد عن هكذا مشروع، إذ هدفت الإصلاحات تلك إلى مراكمة رأس المال المطلوب لدفع عجلة التنمية الاقتصادية كما ذكرنا سابقاً، بالاضافة لتكوين وضعية سياسية تستطيع من خلالها الصين فرض مكانة جيوساسية إقليمة ودولية تخدم المشروع الاقتصادي. وكل ما تبع تلك الإصلاحات، أي بعد عام 1980 ليس إلا تأكيداً لهذا الاستنتاج، فالتطور الاقتصادي الحالي ما كان ليحصل لو أن الصين استمرت كدولة معزولة عن العالم، تعتمد إدارة اقتصاد مركزي. وهنا يجب التذكير أيضاً، أن ماو كان على علم بذلك ولم تكن الاتفاقية التي عقدت مع الرئيس الأميركي نيكسون إلا تأكيداً لذلك. وهنا يجب اللحاظ أن الصين منخرطة بمشروع اقتصادي مبني على المنافسة السوقية لكن من منظار قومي.

  •  كيف ترى التهم الموجهة للصين بأنها دولة امبريالية جديدة؟

يرى بعض اليسار الرديكالي أن السياسات الاقتصادية والسياسية الصينية نوع جديد من "الإمبريالية". خطورة هكذا تحليل تقع في أنه يلتقي مع المقاربة الغربية التي تتهم الاستثمارات الصينية عبر القارات بالإمبريالية. لكن المفارقة أن الصين تستعمل هذه الاستثمارات كنوع من القوة الدولية الناعمة البعيدة كل البعد عن إمبريالية الغرب المبنية على الاحتلال وتدمير مقدرات الشعوب وإخضاعها سياسياً واقتصادياً. وهنا، ثمة ما يصدمني، إذ أن مثل هذا الاتهام – أي أن تكون إمبريالياً وأن تتكل دولة ما على شركات أجنبية تستثمر في أراضيها مستعملة رأس المال العمالي الصيني ذي القدرات الانتاجية العالية بكلفة أقل من الدول الغربية هو لا يشبه بشيء استغلال الشركات العابرة للقارات. وهنا يجب التذكير أن نصف الاقتصاد الصيني لا يزال يعتمد على شركات مملوكة للدولة بالرغم جميع الإصلاحات "السوقية"، وهي شركات تعمل في مطلقها على أرباح ما دون الصفر لكنها تؤمن الاستقرار الجتماعي والاقتصادي، في الوقت الذي لم تستثمر الصين قدراتها الاقتصادية ضد أي دولة أخرى.

  • نستنتج أن الصين لا تسعى إلى الرسملة الدولية والسياسية عبر قوتها الاقتصادية الناعمة؟

إن نظرنا إلى مجمل الدول المبنية على الأسس الماركسية اللينينة نجد مجملها يتبع النهج الصيني عبر إصلاحات سوقية ولو كانت أبطأ من الإصلاحات الصينية، لكنها بالمجمل إصلاحات ليبرالية الهوى عموماً. وفي كثير من هذه الدول نجد أن رأس المال المباشر وغير المباشر صينياً. والرسالة السياسية هنا واضحة: إن الصين حليف جيوسياسي لهذه الدول، واستمرار الدعم المالي والاقتصادي يجري طبقاً للرؤية الصينية. تستعمل الصين ههنا القوة الناعمة في الاستثمار السياسي لا في الاستعمار كما يوحي الغرب. هنا يجب تحييد النموذج الفيتنامي، أو العلاقات الفيتنامية الصينية، إذ لا يمكن استغفال العداء التاريخي الفيتنامي الصيني، حيث كانت الصين تعتبر فيتنام امتاداً صينياً، كما أن السعي الفيتنامي للاستقلال عن الصين ليس بالشيء الجديد. والتحالف الصيني الفيتنامي حصل خلال الحرب الأميركية على فيتنام مع وقوف ماو المباشر مع الفيتنام.

تشبه الإصلاحات الاقتصادية الفيتنامية بالكثير من تفاصيلها الإصلاحات الصينية، رغم أنها ليست صينية المنشأ، فهي بدأت سنة 1986 على نحو ما حدت به إصلاحات غوربتشوف بعد استلامه الحكم في الاتحاد السوفيتي. لكن القرب الجغرافي الفيتنامي الصيني ساعدها في استخلاص العبر الصينية الإصلاحية وعدم الوقوع في الأخطاء السوفيتية، أو المبالغة بالتوجه الرأسمالي شبه المطلق على طريقة غورتشوف، وهذا ما يجعل تلك الإصلاحات مختلفة. إن العلاقات الاقتصادية الصينية الفيتنامية الحالية ليست سليمة، فهي تحمل الترسبات التاريخية بين البلدين رغم الاستثمار الصيني الكبير في القطاعات الاقتصادية المختلفة. لملاحظة اختلاف العلاقات الاقتصادية والسياسية للاستثمار الصيني المباشر ما علينا إلا متابعة الاستثمارات الصينية في أفريقيا عموماً. لا تقوم الاستثمارات الصينية في أفريقيا على أسس التدخل الاستعماري، وبالرغم من وجود الشركات الغربية في القارة السمراء، إلا أن الدول الأفريقية تفضل العمل مع الشركات الصينية، مع ملاحظة أن الشركات الغربية ما كانت لتنافس لولا التاريخ الغربي الاستعماري في هذه البلدان.

إن الشركات الغربية والأوروبية تحديداً تسوق لفكرة أن الاستثمار الحكومي الصيني المباشر في دول أفريقيا هي ما يساعد الشركات الصينية بالفوز بالمناقصات الكبرى، لكن الأرقام تفيد عكس ذلك، والشركات الصينية تشهد منافسة أوروبية شديدة.

إن الخوف الأوروبي والأميركي من هذه التمدد مضحك ومبكي في آن، فالغرب لا يرى الأمور إلا من منظاره، فلا يستطيع رؤية الصين إلا باعتبارها استعماراً واستغلالاً سياسياً واقتصادياً جديداً، بينما الواقع يفيد بأن السياسة الصينية تختلف 180 درجة هنا عن سياسة الغرب الاستعمارية.

  • هل ستتّبع الصين في الشرق الأوسط ذات السياسات المتبعة في أفريقيا؟

طبعاً، فهذا امتداد لسياساتها الاقتصادية والجيوسياسية التي تكلمنا عنها. وهنا يجب لفت النظر أن الصين مستعدة لفعل الشيء ذاته مع دول مثل لبنان والأردن على سبيل المثال، وليس في إيران فقط. ورغم أن الأخيرة حليف سياسي، فإن الصين لا تمانع الاستثمار الاقتصادي البحت البعيد عن السياسة. لكن الاستثمار الاقتصادي البحت في بعض دول الشرق الأوسط قد يشكل عامل توتر بين الصين والولايات المتحدة التي تعتبر هذه الدول (لبنان ومصر على سبيل المثال لا الحصر) امتداداً سياسياً لها. وقد شهدنا نوعاً من هذا التوتر عندما ألمح لبنان بالتوجه نحو الصين. تحبذ الصين الاستثمار في المرافق الحيوية (كالمرافئ والمطارات وسكك الحديد والبنى التحتية) عبر طريق الحرير الجديد، وهذا ما تحتاجه دول الشرق الاوسط. وللتذكير، هو استثمار أكثر إنسانية مقارنة بالاستثمار الغربي المبني على اسغلال القوى العاملة الرخيصة في هذه الدول.

  • لعل سياسة الصين تجاه الأقلية المسلمة الآيغورية، هي إحدى أبرز الإشكاليات التي تحيط بسياسة الصين، كيف يمكن لك تلخيص الرؤية الصينية للاسلام السياسي بعد كل ما وقع لمسلمي الآيغور؟

هناك عدوانية ضد الأقلية المسلمة في الصين، هذا شيء لا يمكن إنكاره. ومع ذلك لا يجب علينا إغفال البروبغاندا الغربية في التعامل مع هذا الموضوع. ولسخرية القدر أن منبع الرُهاب من الإسلام اليوم يكمن في الغرب، وهذا الغرب لا يشفق على المسلمين إلا إذا كانوا بعيدين آلاف الأميال، ودعم الغرب الإعلامي لا يؤمّن إلا استمرار القضية سياسسياً بشكل مفيد له.

  • ما هو مصدر هذه العدوانية برأيك؟

يجب عدم اغفال العامل السياسي في إصلاحات عام 1980 الصينية، والتي أدت إلى إطلاق عدد كبير من المعتقلين السياسين. ويجب عدم إغفال عام 1980 الذي شكل أوج الاستثمار الغربي في السلفية الجهادية الممولة من دول الخليج والسعودية تحديداً. وهنا يجب التذكير أن استثمار الغرب هذا كان أساسياً في شنجيان الصينية والشيشان في روسيا في ما بعد. وهذا الاستثمار واضح ليومنا هذا، فنشاهد آلاف المقاتلين الأصوليين في سوريا والعراق من هذه الإثنيات بالتحديد. وهذا الاستثمار الغربي - السعودي بالسلفية الجهادية داخل الصين وعلى حدودها لم يكن يوماً بريئاً.

  • هل تتفق الصين حالياً مع الولايات المتحدة في "الحرب على الارهاب"؟

طبعاً، الصين حليف أساسي في هذه الحرب. هي لم تشارك عسكرياً كالاتحاد الأوروبي لكنها ليست بعيدة عن التنسيق والشراكة الأمنية. طبعاً لا تشارك الصين أميركا العداء لإيران والمنظمات الإسلامية الحليفة للأخيرة. ورغم محاولة الصين عدم الإعلان الرسمي أنها ضد السلفية الجهادية، ومع الحرب على الإرهاب، كي لا يُستغل الموضوع داخل البيئة الإسلامية الصينية. إلا أن الأقلية المسلمة سرعان ما اعتبرت أنها في عداء مباشر مع الدولة الصينية. وهو ما جعل الصين تحذوا الطريقة الغربية في التعامل من الإسلام السياسي داخلها.

  • هل أثّر ذلك على العلاقات الصينية الإيرانية؟

أبداً، لقد تطورت العلاقات الصينية الإيرانية بشكل ملفت. والاستثمارات الصينية في المناطق الاقتصادية الإيرانية الحرة ضخم وملفت جداً. باعتقادي، هذه الاستثمارات الضخمة ولولا العقوبات الأميركية لكانت قد أدت إلى استثمارات أوروبية وأميركية ضخمة خوفاً من استفادة الصين منها على حسابهم. هذا الاستثمار الصيني الضخم يفيد إيران جداً على المدى المتوسط وسوف يحقق عوائد اقصادية وسياسية ضخمة للصين عبر تمددها الكبير في الشرق الاوسط.