حاولنا في المقالات السابقة تسليط الضوء على الأزمة الاقتصادية اللبنانية من زاوية السياسة النقدية المتمثلة بالمصرف المركزي اللبناني، مصرف لبنان، وحاكميته. بالإضافة إلى ذلك تناولنا أزمة الدين العام منذ بدء تراكم الدين الخارجي وما انتجته تلك السياسات الفاشلة من كساد اقتصادي لم تشهده الجمهورية منذ نشأتها. سأحاول في هذه السطور تسليط الضوء على بعض المقترحات والتحليلات بناء على بعض تعليقات ستيف هانكي (Steve Hanke)، الاقتصادي الأميركي الشهير.

أقولها بصدق، أنني تفاجأت بتناول جمهور تويتر اللبناني تعليقات ستيف هانكي عن الليرة. وتصفح توتير اللبناني في كثير من الأحيان مسلٍ لناحية مشاهدة الصراع بين أقطاب السياسة اللبنانية بجماهيريها الطائفية وغير الطائفية، الشتّام والمهذب، الخ. بعد التدقيق في الهاشتاغ المسيطر وتتبع مصادره التي تسيطر عليها للأسف مجاميع الأجهزة المخابراتية من داخل وخارج العالم العربي، أو بما يعرف بالذباب الإلكتروني. حاولت تتبع من أوصل تعليقات هانكي للشارع اللبناني لأكتشف أنه أحد اللبنانين الذين يطلون على الشارع اللبناني بين الحين والآخر كمنقذ اقتصادي/ مالي/ مصرفي وفي أحيان أخرى كمنقذ سياسي!. لكن الإعتماد على تعليقات هانكي لكسب مشروعية سياسية واقتصادية يمثل تسخيفاً لا يؤدي إلى تقديم حلول، بل إلى وضع الآمال على عصاً سحرية لا تمثل الواقع، وتشبه بكثير منها حالة الهستيريا التويترية اللبنانية. لستيف هانكي تاريخ من الاستشارات في الدول الناشئة في إعادة هيكلة العملات بعد الأزمات الاقتصادية. القليل منها أثبت نجاحه، لكن أكثرها أدى إلى فشل ذريع. هانكي من مدرسة اقتصادية هجينة تجمع بين المدرسة النمساوية في الاقتصاد (Austrian Economics)، مؤسسها فريدرك هايك (Friedrich Hayek) والمدرسة النقدية المتمثلة بميلتون فريدمان (Milton Friedman).

هانكي كان ضمن الفريق الاستشاري للرئيس الأميركي رونالد ريغان، ويعتبر - بل يعتَبر نفسه -، من الأشد يمينيةً برؤيته الاقتصادية، وهو من المؤمنين بالرأسمالية الليبرتارية (libertarianism) التي أُسست على فكرة الدور المحدود للدولة في الإدارة الاقصادية، وفي كثير من الأحيان إلغاء أي دور للدولة بالمطلق. من هذا الباب يؤمن هانكي بحتمية الإصلاح النقدي عبر إلغاء ما يمسى بالمصرف المركزي وإبداله بمجلس النقد. لمجلس النقد، Currency Board، دور محدد يكمن في إصدار عملة وطنية بنسبة سعر ثابت، في معظم الأحيان يكون سعر العملة مثبت في نص الدستور ومرتبط  بعملة الاحتياطي النقدي، الدولار الأميركي على سبيل المثال، أو أي أصول أخرى كالذهب أو الفضة.

في حالة اعتماد مجلس نقد بدلاً من مصرف مركزي يصبح عرض النقد أوالكتلة النقدية الأساسية،Base Currency، مرتبطة ارتباطاً مباشراً بحجم الاحتياطي النقدي، Currency Reserve، أو حكماً كمية الذهب لدى مجلس النقد. ليس لمجلس النقد أي دور في إدارة السياسة النقدية، من حيث التأثير على أسعار الفائدة أو العرض النقدي، Money Supply، أو حتى أي دور تنظيمي أو رقابي للبنوك العاملة في الدولة.

لدولة الإمارات العربية المتحدة تجربة في أجارة السياسة النقدية سنفصلها هنا على سبيل أخذ العبرة والتجربة. القلة من الاقتصاديين يعلم أن المصرف المركزي في دولة الإمارات العربية كان عند تأسيسه "مجلس نقد"، Currency Board، سنة 1973. في تلك السنة تم إدخال الدرهم الإماراتي كعملة مستحدثة في الاتحاد. كان الدرهم الإماراتي مرتبط بالذهب عند 0.1866 غرام للدرهم الواحد أو ما يعادل في حينه، 3.974 درهم للدولار الأميركي (راجع تاريخ مصرف الإمارات العربية المتحدة https://www.centralbank.ae/en). تحول مجلس النقد الإماراتي إلى مصرف مركزي سنة 1980، حيث تم تأسيس المصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة كمصرف مركزي تقليدي.

الثقافة النقدية، بمعنى السياسات النقدية المتراكمة للمصرف المركزي، مهمة جداً لفهم السياسة النقدية المتبعة في أي مصرف مركزي. منذ تأسيسه سنة 1980 لم يغير المصرف المركزي الإماراتي اُسلوب إدارة السياسة النقدية عما كان متبع في عهد مجلس النقد. ولهذه السياسة دور أساسي محرك لأسعار الأصول المالية والعقارية الإماراتية. فعبر السنوات الخمس عشرة الماضية، كان للمصرف الإماراتي تدخل محدود في لجم حجم السيولة النقدية في حالات دخول النقد الساخن، Hot Money، للسوق الإماراتي أو حتى في الحالات الاعتيادية عندما تكون الدورة الاقتصادية في نمو مضطرد، Economic Heating، أو في حالات زيادة الفائض في ميزان الحساب الجاري. في العادة يتدخل المصرف المركزي عبر عمليات السوق المفتوحة لامتصاص السيولة المرتفعة، Sterilization of Money Supply. والعكس صحيح، حيث للمصرف المركزي دور في زيادة السيولة في حالات الانكماش الاقتصادي. على المقلب الآخر، للسياسة النقدية هذه إيجابية أساسية وهي زيادة دينامية الاقتصاد المحلي من حيث سرعة التعافي بعد أي أزمة اقتصادية. وهو ما بدا واضحاً في التعافي الاقتصادي السريع بعد الأزمة المالية سنة 2008. 

هذا التدخل المحدود للمصرف المركزي الإماراتي يؤدي إلى زيادة  متسارعة متراكمة - أو غير مرغوب بها -  للعرض النقدي في الحالات المذكورة أعلاه. تؤدي هذه الزيادة إلى ارتفاع في الأسعار عموماً وفي أسعار الأصول المالية خصوصاً. زاد العرض النقدي م3 ،M3، حوالي 3 أضعاف من عام 2004 إلى عام 2008. وفي نفس الفترة أيضاً سجّل ميزان الحساب الجاري فائضاُ بـ15٪‏ من الناتج المحلي الإجمالي كمعدل سنوي، ليسجل أعلى مستوى له سنة 2006 عند 22٪‏ . بينما كان النمو الاقتصادي لنفس الفترة بمعدل سنوي هو 6٪‏. فيما ارتفعت أسعار الأسهم المدرجة في أسواق الإمارات  بـ260٪ من عام 2004 إلى عام 2007 ( حسب مؤشر هيئة الأوراق المالية والسلع). والعكس صحيح، عند حصول الأزمة المالية العالمية عام 2008 سجل العرض النقدي نمو متواضع بـ5.4٪‏ مقارنة بنمو قدّر بحوالي 38٪‏ عام 2007. وتراجعت أسعار الأسهم سنة 2008 بحوالي 57٪‏ مقارنة بارتفاع بحوالي 49٪‏ سنة 2007. 

لست من المؤمنين  بإنشاء مجلس نقد أو حتى ألغاء أي مصرف مركزي، ورغم اختلافي الآديولوجي مع  توجهات ستيف هانكي، إلا أنني أعتقد أن إعادة هيكلة مصرف لبنان شبه مستحيلة. القانون النافذ، أي قانون النقد والتسليف، هو هيكل مهترئ صعب الإصلاح وأدوات السياسة النقدية وأساليبها المتراكمة تصلح لسياسات نقدية "بالأبيض والأسود". أما تعاميم المصرف المركزي فهي أدوات "نوعية" لسياسات ورقية تحسبها كتبت بالريشة بدل الآلة الكاتبة، وبعثت مع الحمام الزاجل للإدارات الحكومية والمصارف العاملة.

 بالخلاصة، حل مصرف لبنان وإلغاء قانون النقد والتسليف وإنشاء مجلس نقد بهيكل إداري بأقل من عشرة أشخاص، يمكن أن يكون حلاً مرحلياً لأعادة تكوين مصرف مركزي عصري. وهذا الحل ممكن في لبنان كون الشعب اللبناني يمتلك احتياطي من الذهب يقارب 286.6 طن، أي ما يعادل الـ18 مليار دولار أميركي بسعر الذهب اليوم. عند إنشاء مجلس نقد يصبح إجمال الكتلة النقدية الأساسية 18 مليار دولار، بسعر الذهب اليوم، وتصبح "الليرة الجديدة"، كلبنان الجديد بوصف زياد الرحباني، تساوي وزناً محدداً من الذهب وغير قابلة للتلاعب بها كونها مقونَنَة السعر، ولا إدارة أو سلطة لحاكمية مركزية أو أي سلطة سياسية أخرى "لا ثقة بها" في تحديد سعر الصرف.