بدا مزاج الرئيس رائقاً، وهو يشاهد مستمتعاً تمايل نيللي وتغنّجها وحلاوتها وضحكاتها المجلجلة. وتهللت أساريره حينما بدأت الفنانة الاستعراضية المصرية تؤدي رقصاتها في حلقة جديدة من حلقات الفوازير الرمضانية. هبّت نسمة لطيفة، في تلك الليلة الصيفية، على الشرفة الفسيحة "للفيلا" المطلّة على بحيرة التمساح، في منتجع جزيرة الفرسان الواقعة في البحيرات المرّة قرب مدينة الإسماعيليّة. وكان الرئيس المصري يحب هذه "الفيلا" المبنيّة على الطراز الأوروبي القديم، والمطلّة على المجرى الملاحيّ لقناة السويس، فاختارها لتكون واحدة من "استراحاته الرئاسيّة" الكثيرة التي يقضي فيها جلّ أوقاته. مدّ الرئيس السادات يده ليتناول بعض حبّات الفستق من صحن مليء بالمكسّرات وُضع أمامه على طاولة صغيرة ازدانت بصنوف من المرطبات والمشروبات. وضع الرئيس المؤمن حبّة الفستق في فمه، وحدج الراقصة الجميلة بنظراته السديدة الصائبة. وفجأة ظهر حسن كامل مدير ديوان رئيس الجمهورية ليقطع على السادات استمتاعه بفوازير نيللي. وهمس الرجل في أذن رئيسه ليخبره أنّ أعضاء مجلس الأمن القومي المصري قد وصلوا، وأنهم ينتظرون اجتماعه بهم. همْهم الرئيس وقال: "طيّب، خليهم ييجوا هنا في التِرّاس. وهاتوا ترابيزة السفرة اللي هناك عشان يقعدوا". ردّ حسن كامل باحترام: "حاضر يا فندم". بعد قليل أقبل تسعة رجال، فقام السادات إليهم، وسلّم عليهم جميعاً. كان هؤلاء التسعة: حسني مبارك نائب رئيس الجمهورية، وممدوح سالم رئيس الوزراء، وسيد مرعي رئيس مجلس الشعب، ومحمد عبد الغني الجمسي وزير الحربية والقائد العام للفوات المسلحة، والنبوي اسماعيل وزير الداخلية، ومحمد إبراهيم كامل وزير الخارجية، وكمال حسن علي رئيس المخابرات العامة، ومصطفى خليل الأمين العام للاتحاد الاشتراكي العربي، وحسن التهامي نائب رئيس الوزراء. جلس الجميع حول المنضدة الطويلة، وساد صمت مهيب في المكان لا تقطعه سوى ضحكات نيللي الصادرة من التلفزيون الذي لم يتحرك أحد ليغلقه. كان هذا الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن القومي المصري الذي انعقد في الساعة السابعة والنصف من مساء يوم السبت 2 أيلول/ سبتمبر 1978، مخصّصاً لمناقشة واحدة من أخطر القضايا في تاريخ مصر الحديث. وكان من المفترض أن تُوضع في هذا الاجتماع خطة مصر الاستراتيجية التي سينفذها رئيس الجمهورية والوفد المرافق له، أثناء المفاوضات مع الإسرائيليين، في مؤتمر كامب ديفبد. وكان الهدف من وضع هذه الخطة هو أن تتمكن مصر من استرجاع الأراضي العربية المحتلة سنة 1967. وكان الاجتماع يهدف أيضاً إلى وضع تصوّر مصريّ لشروط معاهدة السلام مع "إسرائيل."

 

"أنا هأعمل موديل، والعرب هيمشوا عليه":

كان جميع الحاضرين ينتظرون أن يفتتح الرئيس الجلسة ويشرع في الكلام  ليبدؤوا، من بعده، عرض ما لديهم من المعطيات والخطط. ولكنّ الرئيس السادات فاجأهم فقد أخذ يصفق بيديه. وجاء إليه من بعيد أحد أعوانه مسرعاً ليرى ماذا يحتاج الرئيس. سأله السادات قائلاً: "فين همّت، وسعد زغلول؟!". وأجاب المساعد: "تحت في الصالون، يا فندم". أمره الرئيس أن يناديهما، وأن يجلب لهما كرسيين لينضما إلى بقية المجتمعين. وبعد قليل جاءت الصحافية همّت مصطفى مديرة التلفزيون، ومعها مذيع الأخبار سعد زغلول نصار لينضما إلى مجلس الأمن القومي. كان إلحاق هذين الشخصين بالاجتماع قراراً غريباً حقاً. وبدا الارتباك على بعض وجوه أعضاء مجلس الأمن القومي، لكنّ أحداً منهم لم ينبس ببنت شفة. وأخيراً تحرك وزير الخارجية نحو رئيسه ليقول شيئاً. وما لبث أن أحجم عن التكلم. فهو إن احتج على قرار الرئيس بإشراك صحافيَين في مناقشة خطط استراتيجية فإن ذلك لن يؤدي سوى لإحراجهما وإحراج من استدعاهما، أو إلى إحراج نفسه إن أعرض السادات عن قبول رأيه. وانتبه الرئيس لارتباك وزيره الذي أراد أن يتكلم ثم أحجم، فقال له؛ "إنت عايز تقول حاجة يا محمد؟!". وتلعثم الوزير ثم قال: "أيوه، يا ريّس. الدكتور أسامة الباز، والسفير أحمد ماهر هنا. وأنا أرجو أن تستدعيهم للالتحاق بنا". أجاب السادات: "ما فيش مانع". وهكذا صار المشاركون في المجلس أربعة عشر نفراً يترأسهم أنور السادات.

بدأ السادات كلمته باستعراض سريع لتاريخ الصراع العربي مع "إسرائيل"، والذي انتهى بهزيمة العرب واحتلال أرضهم سنة 1967. ثم تابع قائلاً إنه بعد وصوله إلى لحكم حقق انتصاراً عسكرياً سنة 1973. وهو ما مكّنه بعد ذلك بأربع سنين من القيام بمبادرته للسلام أثناء زيارته للقدس. واستعرض السادات ما حققته تلك المبادرة من مكاسب ضخمة في الرأي العام الأميركي والدولي. وأضاف السادات قائلاً أنه نجح في أن يجعل الرئيس الأميركي كارتر يقوم بدور الشريك الكامل في عملية السلام. وهذا نجاح هائل وتطور كبير. وأخبر السادات الحاضرين أنه سأل وزير الخارجية الأميركي سايرس فانس حينما زاره، قبل شهر، حاملاً دعوة كارتر لعقد مؤتمر القمة بين مصر و"إسرائيل"، في كامب ديفيد: "إلى أي حد يمكن أن يمضي الرئيس كارتر في اتفاق التسوية الشاملة للصراع العربي الاسرائيلي؟". وأضاف السادات أنّ وزير الخارجيّة الأميركي  أخبره أن كارتر سيمضي في هذا الأمر إلى النهاية. وزاد السادات، فقال: "فانس بذاته قال لي: إنّ كارتر وصل إلى حدٍّ ما عادش مهتم بإعادة انتخابه لدورة رئاسية ثانية، فيكفيه أنه هيدخل التاريخ كبطل للسلام، لأنه استطاع أن يحل قضية الشرق الأوسط المستعصية". وأردف السادات قائلاً إنه يثق تماماً في كارتر. وصمت السادات قليلاً ثم أضاف: هتواجهنا مشكلة مع الإسرائيليين. هم مش هيقبلوا الانسحاب من الضفة الغربية لدواعي أمنيّة. وهم معاهم حق في ده، فلو انسحبوا من الضفة والقدس ممكن جداً الفلسطينيّين يقصفوا تل أبيب من القدس. عشان كده لازم تكون فيه تنازلات في الضفة. والتنازلات دي هناقشها مع بيغن، ونحدّد مداها، عشان ما يتراجعش فيها. المهم إن الاتفاق مع بيغن حيرَسّم الحدود النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بحيث نحافظ على أمن إسرائيل، وكمان نقدر نلبّي الأماني المشروعة للفلسطينيّين. وأنا رأيي إن غزّة لازم تعود لمصر، والضفة تاخذها الأردن، والجميع في النهاية هيؤيّد ده". سكت السادات برهة من الوقت قبل أن يضيف: "الملك حسين محضّر نفسه يلطش الضفة، ويعملها محافظة أردنية. احنا موقفنا هو إعطاء الفلسطينيين حق تقرير مصيرهم، لكن ده هيكون مع ربط الضفة مع الأردن". صمت السادات هنيهة كأنه تذكّر أمراً، ثمّ أردف حاسماً: "جماعة ياسر عرفات مش حاينوبهم حاجة. وأنا بصراحة هروح لأقصى مدى، وهأعترض عليهم حتى لو قبلت بيهم إسرائيل  نفسها". وختم السادات استعراضه لخطته عن الحل النهائيّ لقضية الصراع العربي الإسرائيلي فقال: "اجتماع القمة الثلاثي بيني وبين بيغن وكارتر هيكون له تأثير عظيم، زي تأثير زيارتي للقدس في نوفمبر 77. والمؤتمر ده هيهدّم الشك بيننا وبين الإسرائيليين، وهيزيل الحواجز النفسيّة. وهيكون نجاح عالمي لسياستي. أنا عايز أصنع موديل لبقية الدول العربية. وطبعاً هم أحرار في الدخول للموديل ده، أو الخروج منه. لكن هم لازم يفهموا إني أمثّل نصف الأمة العربية وزيادة. وإنّ قرار الحرب والسلام في إيد مصر".

 لم يعلّق أحد من الحاضرين على كلام الرئيس المصري المسهب. فبادر السادات إلى سؤال أعضاء مجلس الأمن القومي إن كان لأحد منهم أن يضيف شيئاً جديداً. ولم يرد أحد من الجماعة أن يتكلم. همْهم السادات بطريقة غير مفهومة، ثم تلفّت فجأة إلى وزير الخارجيّة محمد إبراهيم كامل، وسأله: "محمد، عاوز تقول حاجة؟". وتشجع الوزير، فقال: "أيوه، يا ريّس فيه حاجتين". وسأله السادات: "إيه هما؟". فقال كامل: "يا فندم، انت قلت إنّ مسألة ترسيم الحدود بين الضفة وغزّة وبين إسرائيل. هتحقق أماني الفلسطينيّين، وهتضمن أمن إسرائيل". قاطعه السادات قائلاً: "اعتراضك إيه؟!". قال الوزير: "الموافقة على الصيغة دي، تعني التخلي عن مبدأ استراتيجي ثابت أصرّت عليه مصر دايماً، وهو عدم التنازل عن الحقوق العربية في استرجاع الأراضي المحتلة. والقبول برسم حدود لأراضي الفلسطينيين تاخذ في الاعتبار أمن إسرائيل، يعني إننا بكده وافقنا على سياسة إسرائيل، وسلّمنا بمطالبها في التنازل عن بعض الأراضي المحتلة لحماية أمنها. وده حيؤدّي إلى ضرر جسيم بالقضيّة الفلسطينيّة". صمت كامل، ولم يعلّق أحد على إشارته الجريئة. بيد أنّ السادات تمالك نفسه، وسأله بنبرة هازئة: "وإيه هي نقطة اعتراضك الثانية؟ يا سي محمد؟!". أكمل كامل بشجاعة قائلاً: "يا فندم، مسألة سلام يحقق الأماني الفلسطينيّة بتذكّرني بنصّ وعد بلفور. والأفضل لنا أن نعود للتعبير اللي نستخدمه دايماً "الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني"، لأن استرجاع الأراضي المحتلة في الضفة وغزة ده حق للفلسطينيّين. وهو كمان حق كفلته الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة، وعليه إجماع دوليّ. وبصراحة احنا ما نقدرش نتنازل على أرض مش أرضنا دون إجازة أو تفويض من أصحابها الشرعيّين. احنا كده مش هنجني سوى مزيد استعداء العرب - المعتدلين والمتشددين -. وبصراحة كمان احنا ما ليناش أيّ مصلحة في ده". وهنا تطوّع حسن التهامي ليقاطع وزير الخارجيّة قائلاً: "يا أخ محمد، انت إيه مشكلتك مع تعبير "تحقيق أماني الفلسطينيّين". ده حتى تعبير أماني/aspirations أقوى من كلمة rights؟". تبسّم كامل ساخراً، وقال له: "ممم.. ربّما!". وأخيراً، لم يعد غضب أنور السادات المكتوم يطيق المواراة، فانفجر على شكل قهقهة ساخرة من تنطّع وزير الخارجيّة المشاغب. فجأة صاح السادات بوزيره مستهزئاً: "بقى انت فاكر نفسك ديبلوماسي، يا سي محمد. هههههه والله لا انت ديبلوماسي، ولا حاجة. أنا لازم أول ما حأوصل لأمريكا أقدّم مشروعي على طول، وأفرقع المؤتمر". وردّد الحاضرون جميعاً: "إن شاء الله، وعلى بركة الله".

في صبيحة اليوم التالي، نشرت جريدة "الأهرام" الرسمية،  تقريراً عن اجتماع مجلس الأمن القومي المصري الذي انعقد في الإسماعيلية، كتبه مندوبها حمدي فؤاد. وكان على صدر صفحتها الأولى المانشيت التالي: "مصر ترفض أيّة اتفاقيات جزئية أو ثنائية، وتتمسك بالحل الدائم والعادل". وفي عنوان فرعي  كتبت "الأهرام": "الرئيس السادات يؤكد لمجلس الأمن القومي أن لا تنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى ضرورة انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلّة".

 

"أنا هأفرقع المؤتمر في أمريكا"

بعد يومين من هذا الاجتماع سافر الرئيس المصريّ أنور السادات إلى الولايات المتحدة الأميركية، صبيحة 4 أيلول/أيلول 1978، ملبياً دعوة الرئيس جيمي كارتر لعقد اتفاقية سلام بين مصر و"إسرائيل". دامت المفاوضات بين الوفود المجتمعة في منتجع كامب ديفيد ثلاثة عشر يوماً. كان أعضاء الوفد المصري قد جهزوا أنفسهم للمفاوضات عبر إعداد مشروع أسموه "إطار التسوية السلمية الشاملة لمشكلة الشرق الأوسط". وصاغ أسامة الباز المطالب المصرية، على شكل مجموعة من البنود تنص على أن يكون السلام المتصوَّر على أساس التنفيذ الكامل لقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338، القاضييْن بضرورة انسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية المحتلة سنة 1967. وكان المطلب الثاني في المشروع المصري ينص على ضرورة إزالة المستوطنات الإسرائيلية من جميع الأراضي العربية المحتلة، وفق جدول زمني. وينص المشروع المصري أيضاً على وجوب انضمام إسرائيل إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ولم ينسَ المشروع المصري مطالبة إسرائيل بدفع تعويضات شاملة عن الأضرار التي ألحقتها بالسكان العرب، وبمنشآتهم المدنيّة، وبالموارد الطبيعية التي استغلتها في الأراضي العربية المحتلة منذ سنة 1967.

كانت مطالب هذا المشروع المصري، لا بأس بها، وربما تكون معقولة أيضاً. غير أنّ الرئيس المصري، ومنذ اجتماعه الأول بنظيره الأميركي في كامب ديفيد، أسرّ لكارتر أن المطالب المصرية التي أعدتها وزارة الخارجية المصرية ما هي إلا  "تسجيل موقف  لإسكات بعض المتشدّدين في العالم العربي. وهم كثر، ويوجدون حتى بين أعضاء الوفد المصري نفسه". وأضاف السادات لكارتر (بحسب ما كتبه الأخير في مذكراته): "إنني سأقرأ هذا المشروع المصري كاملاً أمام بيغن. وأنا أرجو منك ان تخبر الإسرائيليين أن لا يعتبروا ما فيه هو موقف مصر النهائي، فلديه مشروع ثان "أكثر اعتدالاً" يختلف عن المشروع الاوّل "المتشدّد".

وكتب كارتر بعد ذلك، في مذكراته، أنه تعجّب كثيراً من هذا التصرف الغريب من السادات.  ثم إن الرئيس المصري سرعان ما اكتشف أن لا مشاريعه "المعتدلة" أو "المتشددة" مقبولة عند الجانب الإسرائيلي لأجل إقامة السلام. وانّه مصطدم لا محالة بحائط صلب من مواقف مناحيم بيغن المتعنتة والرافضة لكل الحلول والمقترحات المصرية. وكان بيغن مصمماً على رفض تقديم أي تنازل للسادات في مسألة الأراضي العربية المحتلة. لكنه يقبل فقط بالانسحاب المشروط من أرض سيناء وحدها، على أن تكون هذه الأرض منزوعة السلاح، وأن لا يدخلها الجيش المصري إلا بإذن من الإسرائيليين. ووصل التشدد ببيغن إلى درجة أصر فيها على وجوب بقاء المستوطنات الإسرائيلية قائمة في سيناء ذاتها. وأما بقية الأراضي العربية المحتلة في الضفة وغزة والجولان فلا انسحاب منها، ولا تفاوض بشأنها، لأن ذلك يعني المس بأمن إسرائيل، حسب زعمه. وبدا هذا الأمر غير مقبول للجانب المصري فهو لا يشمل كل أمانيه في استعادة الأرض والسيادة، حتى في بلاده نفسها. وفجأة قر في ذهن السادات أن "يفرقع" المؤتمر، ويعود إلى بلاده معلناً فشل الاتفاق، ومحملاً الجانب الإسرائيلي مسؤولية هذا الإخفاق. وفعلاً أمر الرئيس سكرتيره فوزي عبد الحافظ أن يُعلم أعضاء الوفد المصري بما قرّره، لكي يحزموا حقائبهم، ويتجمعوا للمغادرة. هنالك جاء الرئيس الأميركي فوراً إلى مكان إقامة السادات، وقال له بأسلوب حاسم: "إنني أريد أن أكلّمك بصراحة. إنك تستطيع أن تنسحب من المؤتمر، لكنّ ذلك سيعني نهاية العلاقة بين الولايات المتحدة ومصر. فليس أمامي سبيل لشرح موقفك في هذه الحالة للشعب الأميركي. إنّ ذلك سيضع نهاية لكل جهودنا من أجل السلام. وقد وضعتُ رصيدي الشخصي كله في الرهان على إنجاح هذا الجهد. وسيعني الفشل انتهاء رئاستي، فولايتي هذه ستنتهي بنهاية مشينة". صمت كارتر قليلاً ليرى أثر كلماته على السادات، ثم أضاف بجدية قاتلة: "وإنّ ذلك يعني أيضاً انتهاء أمر أعتزّ به.. ستنتهي تماماً الصداقة بيني وبينك". ارتبك أنور السادات لمّا سمع هذه الكلمات، ثمّ قال لكارتر بصوت أراد أن يجعل فيه أقصى قدر من الدراما: "سيّدي الرئيس، لن أرحل من هنا، ولن أخيّب ظنّك فيّ. إنني مصمم على الاحتفاظ بصداقتي لك. وأنا أثق بك، وأقبل كل ما تقرّره وتقترحه. وإن فشل رئاستك سيكون فشلاً شخصياً لي. لأجل ذلك يهمّني - وقبل أيّ اعتبار آخر - أن تفوز في انتخابات الرئاسة القادمة. لأن فوزك، يا سيدي الرئيس، سيعني ضمانة لتحقق مطالب مصر".

بعد أيّام قليلة، أعدّ الأميركيون مشروعاً لمعاهدة سلام بين مصر و"إسرائيل". ولم تكن معظم البنود الأميركية سوى استجابة للمطالب الإسرائيلية. وقبِل الرئيس أنور السادات بكل ما عرضه الأميركيون، لكي لا يغضب "صديقه" كارتر. وطفق السادات يقول "إنه يسلّف كارتر الآن، وإنّه واثق تماماً بأنّ صديقه الأميركي العزيز سيردّ له ما تسلّفه منه في المستقبل القريب، وسيزيده مثنىً وثلاثاً ورباعاً". ومن المؤسف أنّ رهان الرجل الواهم  فشل في نهاية المطاف. فقد خسر كارتر رئاسته، وأصبحت مصر مرتهنة بمعاهدة سلام مجحفة. ولكن الأنكى من كل هذا هو أن العرب بدل أن يتعظوا بالسادات ومصيره المفجع، قرّروا أن يتّبعوا خطواته التي انحدرت به إلى الهاوية!.