رغم تواتر التصريحات والمضي خطوات نحو تطبيع عربي - إسرائيلي، إلا أن الغضب لم يتجاوز الواقع الافتراضي لأسباب عدة منها: النظم السلطوية الحاكمة المؤيدة للتطبيع والمرتهنة لمروجيه، ومنها أزمة القوى المناهضة للتطبيع، ومنها قوى اليسار العربي الذى تراجع دوره لأسباب عدة بعدما كان يقود حركة مناهضة التطبيع منذ اتفاقية كامب ديفيد (1978) مروراً بفاعليات الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) والانتفاضة الثانية (2000)، غير مسائل إعادة طرح القضية الفلسطينية وما شابها بعد الثورات العربية.

وكان شهر أيلول/سبتمبر 2020 قد شهد أضعف حلقات التضامن العربي فيما يتعلق بدعم خيار المقاومة وقضية فلسطين، بالرغم مما انجرّت إليه دول عربية من اتفاقيات تعتبر العدو الإسرائيلي صديقاً، في وقت تزداد فيه مساحات التباعد بين دول عربية، رغم فرص وجود روابط تعاون يمكن أن تجمعها.

ولا يلوح في الأفق أي مظهر للتضامن الصادق والمناسب بالرغم من كل ما حدث من فيضانات في السودان، وأهوال وقعت في بيروت (منها تفجير مرفأ بيروت)، وبالرغم من الانقسام الخليجي الذي تجاوزت آثاره دول الصراع إلى ما يشبه الانقسام لصفين (والخارجين عن الاصطفاف ينظر لهم بريبة). ولم تسعى سوى الكويت للوساطة، وهي الدولة الخليجية الوحيدة التي أكدت على موقفها الرافض للتطبيع. في هذا السياق يجب إعادة طرح سؤال التطبيع العربي - العربي كبديل عما كان متداولاً عن مفهوم الأمة العربية. بتعبير آخر  وانطلاقاً من المصالح المشتركة (وهذا مصطلح يستخدمه المطبعون كتبرير) ألا يمكن للدول العربية أن تطبع علاقاتها مع بعضها البعض وتظهر نوعاً من التضامن المستحَق في أوقات الأزمات؟.

سوّقت الإمارات تهافتها نحو التطبيع بوصفه دعماً للقضية الفلسطينية، ولم يخلُ موقفها من تبريرات منها أن السلام الدافئ مع "إسرائيل" يحقق مصالح الدول والشعوب، وحسب بيان مشترك أمارتي - إسرائيلي صدر برعاية أميركية، فإن اتفاق التطبيع سيؤدى إلى "تغيير المنطقة عبر تحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وإقامة علاقات أوثق بين الناس". وهنا، من حق المتابعين  لأحوال المنطقة العربية وحروب العرب المباشرة والمستترة أن يتسألوا عن العلاقات العربية المشتركة في الوقت الراهن، ومدى تطابقها مع مصالح شعوبها، وأن يُطرح السؤال المقابل: ألا تحتاج الحكومات العربية اتفاقات تطبيع وسلام عربي - عربي، يبدأ بتفكيك ملفات يتخندق خلفها مشهد الأحلاف المتصارعة سواء على أراضي المتصارعين أو أراضي الغير؟. والأمر هنا لا يحتاج إلى تفصيل سواء في ما يتعلق بتخريب ثورات عربية انتهت بحروب ومواجهات وإرهاق موازنات الدول بالتسليح فضلاً عن الحروب الإعلامية التي يضيق بها صدر المتابع العربي، ويرتزق منها محبو دق طبول الحرب!.

هنا، يمكننا لحاظ معدلات الصرف على التسلح والإنفاق العسكري غير المبرر أيضاً لدول كالسعودية والإمارات (وكلاهما ضمن الدول الأكثر استيراداً للأسلحة منذ 2014، حسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام) في الوقت الذي يذهب أكثر من نصف عائدات شراء السلاح إلى أميركا. إذ أنفقت السعودية 80.8 مليار دولار، بينما انفقت الإمارات 22.8 مليار دولار، عام 2014 فقط، فيما لا نرى للإمارات والسعودية حروباً تخوضها غير عدوانهما على الشعب اليمني وأطفاله البائسين.

لقد أتت موجة التطبيع متجاهلة خطورة العلاقة مع "إسرائيل" مستقبلاً، وهي الدولة - العصابة التي احتلّت أراضي أربع دول عربية، ومارست ومازالت كل جهد لتتسيّد المنطقة العربية. في هذه الاجواء  لقد عقدت الإمارات اتفاقاً للتطبيع لتكون ثالث دولة بعد مصر والاردن لتلتحق بها البحرين، رغم أن الإمارات لم تقع أرضها تحت الاحتلال، ولم تكن في محل نزاع أو أجواء حرب مع "إسرائيل"، لكن الواضح أن الاتفاق أكبر من كونه اتفاق تطبيع، بل هو أقرب لبناء تحالف في ضوء صراع إقليمي. ينطلق التطبيع من عمي في رؤية المستقبل ويتحصن بالدفاع عن العروش والحكام الراعين للثورة المضادة، أو المشاركين فيها بعد تخريب الثورات العربية بطرق شتى أوضحها تحويل كفاح الشعوب إلى صراع مسلح يتم تغذية كل أطرافه لهزيمة الثورة وهدم أي إرادة وأسس جديدة للنهوض.

مجدداً أليس هناك إمكانية لخلق أطر تعاون مشترك عربي - عربي ذي فائدة للشعوب وللحكومات أيضاً، تعاون يحد من نفقات التسلح ويعيد توجيه نفقات التسلح نحو التنمية؟. ستكون أجوبة حكومات المطبعين جاهزة، فهي لا تمثل شعوبها ولا ترتهن إلا لمصالحها ومصالح من تحلَّق حولها من جماعات، وهي لا تضع اعتبارات التعاون والتضامن العربي كفرضية محتملة، ولا ترى في الثقافة والتاريخ والجغرافيا إمكانية لتعاون مثمر. البعض يحب أن يغني "خذنى زيارة لتل ابيب" ولا يحب زيارة بيروت في أزمتها، أو الخرطوم في مواجهتها للفيضانات.

بعيد انفجار بيروت، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لزيارة بيروت، ورغم ما تحمله الزيارة من إشارات ودلالات في لبنان والمنطقة، إلا أنها مهمة في سياق مقارنة الزيارة مع ما كان ينبغي القيام به بالنسبة لأشقاء عرب. لم يفكر رئيس حكومة عربي (ليس رئيس دولة) بالاستجابة السريعة والتضامن، بزيارة بيروت، ولو من باب الدبلوماسية. فيما التجاهل وحده حيال أزمة الخرطوم كان كفيلاً بأن يعمق أحساس السودانيين بانفصالهم عن المنطقة العربية وارتباطهم بالمحيط الأفريقي.

بعيد انفجار بيروت، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لزيارة بيروت، ورغم ما تحمله الزيارة من إشارات ودلالات في لبنان والمنطقة، إلا أنها مهمة في سياق مقارنة الزيارة مع ما كان ينبغي القيام به بالنسبة لأشقاء عرب. لم يفكر رئيس حكومة عربي (ليس رئيس دولة) بالاستجابة السريعة والتضامن، بزيارة بيروت، ولو من باب الدبلوماسية. فيما التجاهل وحده حيال أزمة الخرطوم كان كفيلاً بأن يعمق أحساس السودانيين بانفصالهم عن المنطقة العربية وارتباطهم بالمحيط الأفريقي.

إن خفوت التضامن العربي وزيادة الانقسامات والإنخراط في سياسة الأحلاف، مع ما يقابله من تصاعد موجة التطبيع العربي - الإسرائيلي يعني أن الثورة المضادة باتت جبهة موحدة ومتحالفة تحت قيادة المحتل، وأن الحكومات التي تمارس جرائمها ضد شعوب تحكمها، هي ذاتها التي تمارس جرائمها ضد شعوب أخرى. إنها معادلة لا تناقض فيها، الثورة المضادة تتحصن بالعدو في مواجهة خيارات يمكن أن تُزيحها، منها خيارات الثورة والمقاومة والتنمية المستقلة. هي نظم تهرول للتطبيع لأنها تابعة في الأساس وفي تحالف مع طغمة عالمية اقتصادية تحتل الأسواق وتسرق الناس في عبودية العصر الحديث، بينما تنهب فوائض البترول من خلال شراء أسلحة لن يستخدمها مشتريها، أو حتى بدون شراء الأسلحة، وفي ما يشبه الأتاوات.