أيزنهاور: أبوشلاخ! أريد أن أتوصل لحل عادل للقضية الفلسطينية.

أبوشلاخ: هنالك مشكلة، يحب أن نحصل على موافقة الدول العربية، وإن لم نحصل فسوف يصرخ العرب "مؤامرة إمبريالية من تدبير دالاس".

من رواية أبوشلاخ البرمائي، للوزير السعودي غازي القصيبي

***

عرضت قناة العربية السعودية سلسلة ثلاثية لما أسمته وثائقي بندر بن سلطان. كانت الحلقات أقرب فيها لأن تكون جلسة مصورةً، استعرض فيها الأمير السعودي أمام العدسات تاريخ السياسة السعودية اتجاه القضية الفلسطينية، ولم يختلف فحواها كثيراً عن مقابلة مطولة أجراها مع صحيفة الإندبندنت السعودية قبل أكثر من عام. إلا أن سبب وشكل المقابلة أحاله بندر إلى غضبه من ردة فعل القيادات الفلسطينية على التطبيع الرسمي لكل من الإمارات والبحرين. وعلى الرغم من عدم مساس رموز السلطة الفلسطينية السعودية بعيد تطبيع الدولتين الخليجيتين، بيد أن السعوديين حسبوا الصيحة عليهم، وأخذتهم الحمية على ملوك الخليج وشيوخه فتصرفوا ككتلة خائنة واحدة دون مناورات تمييز "القرارات السيادية لكل مشيخة". لقد صب توقيت ظهور بن سلطان مخاطباً السعوديين والسعوديات، كما أكد خلال اللقاء، في صلب المسار السعودي العام المتسارع والمتجاوز للسياسة السعودية التقليدية اتجاه القضية الفلسطينية.

يُنظر لبندر بن سلطان في الداخل السعودي كأحد وجوه "عراقة" الدبلوماسية السعودية وعرابيها المحنكين بصورة فلكلورية، فهو صاحب صورة الجلوس أمام جورج بوش الإبن رافعاً رجليه من على أطراف الأريكة عاكساً ودية خارج الإطار الدبلوماسي كما أن له صوراً يدخن فيها السيجار، بالإضافة إلى مشاهد يتحدث فيها اللغة الإنجليزية بطلاقة.

ورغم انتماء الأمير لجناح ذبل بموت والده، ولي العهد، سلطان بن عبد العزيز بداية العقد، إلا أنه أسس عبر أبنائه شراكة ضمنية مع ابن عمه محمد بن سلمان، إذ تم تعيين كل من ابنته ريما وابنه خالد سفراء في كل من واشنطن ولندن. ولربما يكون لفظ الشراكة مبالغ فيه، فبندر كما أبناء عمه من آل الفيصل انحازوا بطواعية مذلة ليلتحقوا بابن عمهم الأصغر في صراع العرش الذي خاضه مع ولي العهد السابق محمد بن نايف، والذي انتهى بتصفية ابن سلمان لأي أجنحة أو جيوب تهدد احتكاره للسلطة.

 

يشكل بندر بن سلطان آخر مظاهر ارتباط العهد السعودي الجديد بما سبقه، بعد القطيعة التي أقامها محمد بن سلمان مع جميع أعراف وموروثات الحكم السعودي المتراكمة منذ عقود. يعطي "بندر بوش"، كما يُطلق عليه، نوعاً من الشرعية والمكانة الشعبية للسياسة السعودية الخارجية، الذي شكل مشروع التطبيع الصدارة فيها.

فمع الخلاف القائم بين استعجال محمد بن سلمان لاتخاذ خطوات أكثر علانية اتجاه تطبيع العلاقات مع كيان العدو، وبين مقاربة أبيه الملك الذي ينتظر كأسلافه صيغة أكثر حفظاً لماء الوجه والمكانة الدينية الاعتبارية للفظ "خادم الحرمين الشريفين" (بالتحديد عبر إيجاد مخرج لوضع المسجد الأقصى والوصاية عليه)، خرج بن سلطان ليمهد لخيار ابن عمه على شكل إعطاء دفعه رافقها زخم اعلامي منظم عنوانه العريض الفرص الضائعة التي فوتتها منظمة التحرير، وياسر عرفات، لإيجاد تسوية و"حل" للقضية الفلسطينية، في تطابق غير بريء مع الدعاية الصهيونية لما يسمى بمسار المفاوضات. وليسبغ طابعاً تاريخياً مبرراً لأي خطوة سعودية مقبلة، بتأكيده الحرص السعودي التاريخي على قضية، لم يُقابل فيها بغير النكران للجميل والشتائم من قبل الفلسطينيين.

فبإسلوب حكواتي يستميل السعوديين، ويلتمس حس المغامرة والعظمة الهوليودية لديهم - على شاكلة روايات غازي القصيبي -، تحدث بن سلطان بلهجة مقربة للناس عن مغامراته في البيت الأبيض، ولقاءاته برؤساء أمريكيين، ورحلاته المكوكية لحل قضايا المنطقة والدور السعودي فيها. وليعيد بشكل سريع قراءة السردية التاريخية للسياسة السعودية منذ عهد عبد العزيز، والقائمة بجوهرها منذ نهاية السبعينات على دفع ياسر عرفات إلى تبني العروض الأمريكية المتوالية، والضغط لتمرير الصفقات الأمريكية بأسرع وقت، وتحت أي صيغة.

ويمكن لنا فهم هذا الدور، عند وضعه في السياق العام للأنظمة العربية بعد اتفاقية كامب ديفيد. فالسعوديين وجدوا أنفسهم أمام معضلة تحول دون تبنيهم نهج السادات، الانعزالي، الذي سيؤثر على مكانتهم الإسلامية المنطلقة من وجود الحرمين، خصوصاً أن فترة الثمانينات شهدت أقصى مراحل استثمار هذه المكانة أمريكياً فترة الحرب في أفغانستان.

إلا أن الأمير السعودي الذي بنى مسيرته السياسية عبر الاستثمار في هذه المكانة الدينية وامتداداتها وصلاتها مع التيارات الجهادية من كابول مروراً بالمخيمات الفلسطينية في لبنان وصولاً الى الحرب السورية، وقف خلال هذه الحلقات ليتبنى ذات الخطاب الانعزالي القائم على الهوية الوطنية السعودية والتي تم تضخيمها بشكل ممنهج خلال السنين الماضية، ليؤكد خلال حديثه أنه يخاطب المواطنين والمواطنات السعوديين، وليستخدم أثناء رده المفترض على السلطة الفلسطينية ضمائر تفصل بين "تاريخنا" كسعوديين و"تاريخهم" و"أخلاقنا" و"أخلاقهم" في إشارة للفلسطينيين.

شكلت حلقات بندر بن سلطان حرباً سعودية ضد فلسطين والفلسطينيين، حرباً وإن كانت قد بدأتها العهود الملكية السابقة على مستوى كي الوعي الشعبي العربي، إلا أنها اليوم أشد شراسة. فالخطورة السعودية تكمن في أن مسارها التطبيعي كان مرهوناً بتسوية فلسطينية ما، ومع فشل مآلات مسار التسوية ارتأى السعوديون إلقاء كامل لوم فشل هذا المسار، الذي ضغطوا باتجاهه ورعوه وهندسوه، على الطرف الفلسطيني، مؤكدين أن قيادة المملكة أقامت قسطها إلا أن المشكلة تكمن في قيادة الفلسطينيين. فعلى حسب قول الأمير السعودي: إن القضية الفلسطينية قضية عادلة و"قضية إسرائيل" غير عادلة، لكن المحامين الفلسطينيين فاشلون.

بعد مناورة استمرت لسبعة عقود تقف المملكة السعودية، القطب الثاني للثقل الوظيفي للمشروع الأمريكي في غرب آسيا، في أقرب لحظاتها لإشهار تشارك الخندق الاستراتيجي مع المستعمرة الصهيونية وإعلانه رسمياً. إعلانٌ، سيكون له ارتدادات سيئة على المكانة الدولية للقضية وبشكل خاص على المستوى الإسلامي مما سيزيد من غربة فلسطين. فوَليّ العهد السعودي يرى أن سبيل إعادة تأهيله وتقبله غربياً وأميركياً هي بتسويقه كـ"راعي السلام في الشرق الأوسط" عبر البوابة الإسرائيلية. أمر سيقتضي من الناحية الاستراتيجية تشكيل وتمكين تحالف خليج صهيوني يسعى لإنهاء المقاومة العربية بشكل نهائي، في أجواء تذكرنا بتبعات مؤتمرات مدريد وشرم الشيخ في التسعينات. وإن كانت تلك المقامرة الواهمة قد أفضت إلى تحرير جنوب لبنان!، فإن هوسهم الجديد بهذه المقامرة الكبرى سيعميهم عن واقع أن تحرير فلسطين اليوم ليس بقريب ولا ببعيد بل بمسافة حرب!.