أثارت حادثة انفجار ميناء بيروت هلعاً عالمياً وفتحت العيون على الكوارث "المؤقتة" المماثلة المنتشرة حول العالم واتجهت الأنظار مجدداً بشكل تلقائي نحو ناقلة النفط اليمنية المتهالكة "صافر" الراسية منذ عام ٢٠١٥ قبالة ميناء الحديدة غربي اليمن، بحمولتها البالغة مليون طنٍ من النفط الخام مهددةً سواحلَ البحر الأحمر وشعابه المرجانية النادرة وتنوعه الطبيعي الفريد بكارثةٍ بيئية وشيكة قد تنتج عن تسرب النفط المتوقع بعد أن تدفقت المياه إلى حجرات محركها في إبريل الماضي وتسارَعَ تآكلُ هيكلِها المتقادمٍ بفعل ملح البحر.

لم تُفلح تحذيرات مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث في تسليط الضوء على القضية وما زال الصمت سائداً في تلك البقعة البائسة الواقعة بين مراكش والمنامة فآلام اليمنيين ومعاناتهم وتضرر أرزاق صياديهم وسكنة شواطئهم لا قيمة له في الإعلام العربي الذي اعتاد ألا ينبس ببنت شفةٍ حين يتعلق الأمر بما يمكن أن يزعج "طويل العمر" السعودي المنهمك منذ سنوات في عملية "إعادة الأمل" التي لا يبدو في نهاية نفقها المظلم أيٌّ بصيصِ أملٍ يشي بنهاية المعاناة، فالأزمات الناتجة عن الحرب والحصار تتوالد وتتوالى في ظل أزمة كورونا وآخرها أزمة الكهرباء لدى وزارة صحة صنعاء التي ناشدت "أحرار العالم" الحؤول دون توقف مولدات الكهرباء في المشافي–المتضررة أصلاً من القصف- بعد أن شارف مخزون المشتقات النفطية على النفاد بسبب الإصرار السعودي على سياسة العقاب الجماعي عبر القرصنة البحرية والاستمرار في احتجاز ناقلات النفط القادمة إلى اليمن دون أي اعتبار للقيم الأخلاقية والإنسانية، حيث تحتجز بحرية التحالف السعودي 19 سفينة نفطية بينها 15 تحمل 371 طناً من البنزين منذ قرابة خمسة أشهر، واقتصرت الكميات المفرج عنهها على 15% بنزين و25% ديزل من إجمالي الإحتياج اليمني المحلي.

وللنفط قصةٌ طويلةٌ بين السعودية واليمن تعود إلى سنوات عديدة خلت قبل الحرب السعودية الأخيرة على اليمن، إذ شكّل تحوّل اليمن إلى بلدٍ منتجٍ للنفط عام ۱۹۸٤ نقطةً مفصليةً في تاريخ علاقات البلدين. قدّرت شركات عالمية حينها أن اليمن يملك مخزوناً نفطيا قد يفوق مخزون دول الخليج، وكشفت بعض دراساتها الجيولوجية عن وجود بحيرة نفطية متجمّعة في باطنِ أرضِ محافظات مأرب والجوف وحضرموت وشبوة وأبين، أي ضمن مساحة الـ350 ألف كيلومتر التي تسعى السعودية لفرض وصايتها عليها والتي تدور على أرضها رحى المرحلة الحالية من الحرب. تكتسب هذه التوقعات صدقيةً كبيرةً لوجود اكتشافات نفطية قريبة في الربع الخالي على المقلب السعودي من الحدود الذي بتطابق جيولوجياً وجيوفيزيائياً مع الجهة اليمنية، لكن أياً من الشركات العالمية لم تقدّم عروضاً جديةً للتنقيب فيها بسبب إدعاء السعودية عام ١٩٩١ ملكيتها لبعض هذه المناطق وتهديدها الشركات النفطية العالمية بشكل غير مباشر، مما أبقاها بعيدةً عن الاستثمار تماماً كالمناطق الواعدة غير المستثمرة على سواحل البحر الأحمر في المنطقة الممتدة من رأس العارة بمحاذاة باب المندب حتى جبال العند الواقعة شمال عدن وقبالة ساحل المخا.

ما يزال حجم الاحتياطات المكتشفة حتى الآن في اليمن متواضعاً جداً مقارنةً مع احتياطات السعودية الضخمة، لكن هذه الاكتشافات الهامة أثارت قلقاً بالغاً لدى الادارة السعودية، لما قد تشكله من تهديد جدي لمكانة المملكة الاقليمية والدولية، القائمة بشكلٍ رئيسٍ على احتياطها النفطي الهائل، فيما لو استطاع اليمن أن يتحرر في سياسته ويتخذ خطاً مستقلاً خاصاً، لذلك انصبت جهود المملكة على محاولات السيطرة على النفط اليمني بشتى الوسائل فعمدت الى عرقلة أي استفادة يمنية من النفط قد تفضي الى تطوير اليمن دولةً واقتصاداً ومجتمعاً، عبر عدة آليات تمنع الاستثمار في مناطق الشرق والوسط وتسعى لتثبيت الوصاية السعودية عليها بمباركة الدول الغربية الحريصة على استقرار المنطقة نسبياً للحفاظ على سعر النفط في الاسواق العالمية، وعلى تبخير الأموال المدفوعة للدول النفطية عبر نفقات لا تصب في خانة التنمية وزيادة القوة، وهذا ما يبدو أنه جوهر التفاهم الأمريكي السعودي على حصر استثمار اليمن بحاجاته المحلية، ضمن اطار يحفظ شكل الدولة بحدها الأدنى ويمنع الفوضى الشاملة التي لا تناسب الولايات المتحدة في هذه المنطقة الحساسة من جهة وتخشى المملكة ارتداداتها السلبية على الداخل من جهة ثانية.

استطاعت المملكة تحصيل بعض المكاسب في سبيل ذلك من خلال اتفاقية جدة لعام ٢۰٠٠، لكنها أبقت على سياستها الهادفة إلى تجميد أي عملية تنقيب جدية عن النفط، عبر القبائل الموالية لها التي تقوم بافتعال مشاكل أمنية مع الشركات النفطية، فيما يعمل الاعلام السعودي والاعلام اليمني المملوك للسعودية على الترويج لهذه الحوادث وتضخيمها بغية تقليص وتحجيم العمل في تلك المناطق. تعمل الشركات السعودية وشركاؤها، بالمقابل، على استغلال المخزون النفطي القريب من الحدود عبر تقنية الحفر الأفقي من داخل أراضيها باتجاه الاراضي اليمنية جنوب الحدود في منطقة الجوف التي تشهد منذ عام 2008 –أي قبل الحرب الأخيرة- حركةً سعوديةً نشطة لبناء الجدار، وإقامة نقاط عسكرية ثابتة، وطلعات جوية، ودوريات متحركة مدعومة بالمدرعات، تتخطى الحدود بشكل دائم، لايصال رسالة للشركات النفطية العالمية بأن المنطقة غير آمنة للاستثمار انطلاقا من المبدأ المعروف بأن المستثمر جبان وأن الإستثمار عدو الفوضى.

رغم ذلك استطاعت الحكومة اليمنية عبر سياستها المتوازنة المراعية للسعودية والمنخرطة في المسار الاقتصادي الذي رُسم لها عقب حرب الانفصال منتصف التسعينات أن تتحرك ضمن هامشٍ ضيق أتاح لها استفادةً محدودة من الثروة النفطية فبات اليمن يعتمد على صادرات النفط الخام لتمويل ما يصل الى 70% من موازنته وسط غياب شبه تام لباقي القطاعات كالزراعة والصناعة عن خارطة الايرادات العامة للخزينة، لكنه شهدَ، في الوقت عينه، انخفاضاً حاداً في إحتياطي النقد الاجنبي مردّه بالدرجة الأولى، بحسب تقارير البنك المركزي في صنعاء، إلى الارتفاع المتواصل في فاتورة استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية!

تكاد المشافي اليمنية تفقد الكهرباء بفعل فقدان المشتقات النفطية فيما البلد كظمآن يموت على ضفةِ النهر عطشاً، يعوم على بحيرةٍ من النفط ولا يقدرُ أن يُضيْ به عتمة غرفةٍ مريض بالكوليرا أو يشغل به جهاز تنفسٍ لمريضٍ بكورونا، أما اليمني الفقير الذي لم يبقَ له سوى بندقيته فيردد مع محمود درويش، "كان نهراً.. أصيب بسكتةِ ماءٍ، وماتً على مهله، عطشاً.!"